*  كلمتان باللغة العربية لا تزالان مفقودتين في اللغة النوبية وهما "غالي" و"رخيص"  *  إذا افترضنا أنّ شخصا في قامّة امرئ القيس قد بُعث من قبره الآن، فسيعجز عن فهم دلالة هذه الكلمة  *  لدى استفساري من الفنّان وردي عن هذه الكلمة في صيغتها الخطأ، رجّح أن تكون عربية منوّبة  

محمد جلال أحمد هاشم

سدّ الفجوة القاموسيّة، هل ممكنة؟

كما عُرف عن النّاشطين النّوبيّين في مجال اللغة محاولاتهم المتكرّرة لنفض الغبار عنها، وتقديمها مجلوّة لأهلها الذي يفاخرون بها. ومن ضمن هذه المحاولات ما يدخل في باب المعالجات الدّلايّة والتّحليليّة. من ذلك ما قام به إسماعيل عثمان داؤود في موقع كويكّي باقتراع بوست يحتوي على توليدات لعدد من الكلمات النوبية المفقودة (راجع: http://kowika.com/forum/viewtopic.php?t=337). وتعتبر هذه المحاولة على جرأتها وشجاعتها من بين القلائل في مجال النشاط اللغوي النوبي. فهي في هذا رائدة ما في ذلك شكّ، فله ألف تحية لهذه الجسارة في نحت الكلمات الناقصة في اللغة النوبية.

وتأتي هذه المحاولات الجادّة من منطلق وعي هؤلاء النّاشطين بتأخّر اللغة النوبية عن المواكبة، حالُها في ذلك كحال باقي اللغات السّودانيّة. ومنهم من يردّ هذا التّخلّف إلى بضع عقودٍ من الزّان، ومنهم من يعود به إلى الوراء بقرون. وكلّ هذا صحيح، إلاّ أنّه جزء من الحقيقة المؤلمة. يا سادتي اللغة النوبية، وباقي اللغات السّودانيّة الوطنيّة، متأخّرة أكثر من ذلك بكثير. دعونا ننظر إلى القصيدة التي أوردها ليبسيوس في كتابه عن اللغة النّوبيّة الذي كتبه منتصف القرن التّاسع عشر، بينما نشره في أخرياته (1888م) عن أحد ملوك المحس واسمُه “الزبير” والتي يقول مطلعُها:

Murti tan- doogooson

Koo Sibeer dugdik- toogooson

                     لقد ركب فرسَه،

                     ثمّ ضرب السّلطان الزّبير طبولَه

فإذا علمنا بأن ليبسيوس سمع هذه القصيدة في عام 1844م، وحينها كانت القصيدة جزءاً من التراث المحلي للمحس، أمكننا القول بأنّ القصيدة في الغالب كُتبت قبل ذلك بعقود بل ربّما بأكثر من قرن كامل. في تلك القصيدة ترد كلمتان باللغة العربية لا تزالان مفقودتين في اللغة النوبية وهما “غالي” و”رخيص“. فإذا كانت هاتان الكلمتان على أهمّيتهما مفقودتين قبل أكثر من مائتي عام (على أقلّ تقدير)، فما بالُنا بالعديد من الكلمات الأخرى والتي يضيق المجال عن حصرها؟ وهنا لا بدّ لي من أنّ أُسجّل قصب السّبق لأخينا وأستاذنا الهادي حسن أحمد هاشم والذي انتبه مبكّراً لهذه المشكلة فقام بحصر ما يزيد على الأربعمائة كلمة أساسية بدونها لن يكتمل إحياء اللغة النوبية ـ كما يرى. في عام 1999م قمتُ بمحاولة لسدّ هذه الفجوة مستعينا بقائمة الكلمات التي رصدها الأستاذ الهادي. قام مشروعي ذلك على منهج تكاملي بين اللغات النوبية السّتّ (1) الكنزية ـ الدنقلاوية (2) المحسية – الفديجّا (3) الميدوب (4) البرقد (5) الدلنج ـ الدّاير أي الأجانق. ووجه التكامل يكمن في اعتماد أيّ كلمة موجودة في أيٍّ من هذه اللغات. فمثلا كلمة “فيل” (وهي غير موجودة لعلمكم في المحسية – فديجّا) إذا وجدناها فقط في لغة البرقد علينا إذن أن نعتمدها ككلمة نوبية في باقي اللغات النوبية. ولهذا جاء اسم المشروع على النحو التالي: Nubian Lexical Complementary Project .

أمّا بخصوص آلية تنفيذ ذلك المشروع فكان بجمع عدد من الناطقين المجيدين لهذه اللغات في فصل دراسي ومن ثمّ استعراض الكلمات الواحدة بعد الأخرى إلى أن ننتهي منها جميعا. بالطبع لا يمكن أن نأمل بالحصول على كلّ القائمة. هنا كان اقتراحي أن نقوم بالاستعانة باللغة النوبية القديمة في سبيل العثور على كلمات قريبة في معانيها من معاني الكلمات المفقودة.

مثل هذا الإحياء من اللغة النوبية القديمة يقوم منهجيّا على أحد طريقتين:

الطريقة الأولى: التوليد الدلاليSemantic Generation : وهو من قبيل أن نعمد إلى كلمة في اللغة النوبية تحمل معنى قريبا من المعنى المراد فنُسقطُ عليها المعنى. وهذا أحد أشهر الوسائل في التّوسّع الدلالي في جميع اللغات. خذ مثلا كلمة “استقلال” التي تعني أن تنال إحدى الدول استقلالها كما هو معروف لدينا الآن. فأيّ تلميذ تعدّى الرابعة من مرحلة الاساس يمكنه أن يشرح معنى هذه الكلمة المُحدثة. لكن إذا افترضنا أنّ شخصا في قامّة امرئ القيس قد بُعث من قبره الآن فهو لا محالة سيعجز عن فهم دلالة هذه الكلمة في معناها الحديث. ولنا أن نتصوّر الفوضى التي ستحدث لهؤلاء الناس في يوم مثل يوم القيامة لولا لطف الله بعباده والحمد لله.

من ذلك مثلا التوليد الدلالي الذي قمتُ به في كتاب متولي بدر لإيجاد كلمة نوبية أستعيض بها عن استخدام كلمة “صورة” التي أوردها محمد متولّي بدر بصيغتها العربية. في اللغة النوبية وجدتُ كلمة eikon (لاحظوا أن الحرفين ei عندما يردان في أوّل الكلمة في اللغة النوبية القديمة يُنطقان مثل الحرف -i- وهي نفس الكلمة باللغة الإنكليزية icon وتُعرّب “أيقونة“) فاستعملتُها بمعنى “صورة” ومثلُها كثير.  

الطريقة الثانية: التوليد التركيبيSyntactic Generation : وهو من نوع ما قام بفعله الأستاذ إسماعيل عثمان داؤود في تجربته الجسورة. وأكثر ممّا جاء به إسماعيل ستجدونه في معالجتي لكتاب محمد متولّي بدر (إقرأ بالنوبية) الذي جاءت ترجمتُه عند بدر نفسُه على النحو التالي: Nobinnog gery. أمّا نفس العنوان باللغة النوبية العالية (أي الفصحى) كما وردت في معالجتنا للكتاب فقد كان على النحو التالي: Nobinlogo weere. وكلمة weere هذه وقعنا عليها في منطقة المحس (كرياب ــــ جدّي) إذ أفادنا بها الأخ الصديق عبد الغني عبد الجليل حاج سابل (ظللنا نكتبها خطأً ولسنوات eere، فتصوّروا إمكانية ارتكاب مثل هذه الأخطاء!). فكبارُ السنّ من النساء هناك كُنّ يطلبن من الشباب المتعلّمين قراءة الخطابات الواردة لهنّ بقولهنّ: Hee bitaan, in juwaabba weeredeeni. لدى استفساري من الفنّان محمد وردي عن هذه الكلمة في صيغتها الخطأ، رجّح أن تكون عربية منوّبة منgeryadeeni ، بينما يجوز الآن أن تكون تنويباً للكلمة العربية العامية “يورّي” من “ترئية” التي جذرها “رأي يرى”. فإذا تمكّنّا من تنويب أيّ كلمة دخيلة عندها لن تكون لدينا مشكلة. وهنا تبدو قضية. فبعضُ الباحثين لا يقبلون بغير اللغة النقيّة. ولكن هذا مطلب ــــ في رأييلا يتّفق والقاعدة التي تتطوّرُ بها اللغات، ذلك لأنّه ينسف مبدأ الاقتراض اللغوي كأهمّ آليّة للتجديد اللغوي على الإطلاق. فمثلاً ما يزيد على النصف من كلمات اللغة الإنكليزية مقترض من لغات أخرى وهذا هو نفسُه أحد أسباب انتشار هذه اللغة إذ جعلها هذا الأمر قابلة للتّطوّر والمواكبة.

ولكن هل يعني هذا ألاّ نقوم بأي عملية تعويض أو توليد للكلمات الناقصة؟ أبدا! بل كلُّ ما في الأمر أن عملية التوليد الدّلالي والتركيبي ينبغي أن تتكامل مع التنويب والاقتراض. فمثلا قد لا نحتاج لتوليد كلمة “راديو” ما دام أنّها لا تتعارض وموسيقى ولحن اللغة النوبية فضلا عن جريان اللسان النوبي بها ومن ثمّ اعتياد الأُذن النوبية عليها.