" تنتج الهند أدوية رخيصة للإيدز، والسَّرطان، والملاريا، وغيرها، لكن ضواري الدَّواء الرَّأسماليين يريدون غلَّ يدها، كي يتاح لهم بيع أدويتهم بأسعار أعلى، حيث أنهم يبيعون، مثلاً، أحدث دواء لالتهاب الكبد الوبائي “C” بمبلغ ألف دولار أمريكي للحبَّة الواحدة!" 

 (1)

ناريندار مودي، رئيس وزراء الهند، كسر البروتوكول طَقْ، لدى استقباله الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما “بالأحضان، في مطار نيودلهي، صباح الخامس والعشرين من يناير 2015م، مِمَّا اعتبره المراقبون إشارة إنعاش لعلاقات أضخم ديموقراطيَّتين في العالم، رغم أن تلك العلاقات كانت، حتَّى قبل عام واحد، منهارة تماماً، بل وكان مودي نفسه شخصاً غير مرغوب فيه بواشنطن persona non grata.

بالمقابل سجَّل أوباما، في المناسبة نفسها، سابقتين: أولاهما قيامه بهذه الزيارة “الثانية” للهند، أثناء ولايته، من جهة، وإعلانه اعتزامه، من جهة أخرى، حضور “عيد الجُّمهوريَّة” الذي هو استعراض عسكري تقليدي كان، خلال سنوات الحرب الباردة، يهدف لإظهار العداء لأمريكا (فرانس برس ـ رويترز؛ 25 يناير 2015م).

قبل الزِّيارة تنبَّأ أوباما بأن علاقات البلدين ستكون “من أهم الشَّراكات الكبيرة في القرن الحادي والعشرين”، ولا غرو، فواشنطن تتطلع لزيادة الميزان التِّجاري بينهما من 100 مليار دولار إلى نحو من 5 أضعاف، حيث الهند، بنظرها، سوق واسعة، فضلاً عن كونها قوة مضادَّة محتملة للوجود الصِّيني في القارَّة الآسيويَّة، رغم أن واشنطن ما تنفكُّ تشعر بخيبة أمل كبيرة جرَّاء بطء “الإصلاحات الاقتصاديَّة” في الهند، وعدم مؤازرتها لها على السَّاحة الدَّوليَّة!

أمَّا الهند فتأمل، من جانبها، بانعطاف الموقف الأمريكي نحوها في ما يتَّصل بباكستان. ولعلَّ ذلك هو ما عبَّر عنه وزير ماليَّتها آرون جايتلي بقوله في منتدى دافوس مؤخَّراً: “نريد تفاهماً أكثر مع الولايات المتَّحدة في ما يتعلق بالقضايا الإقليميَّة” (سكاي نيوز؛ 25 يناير 2015م).

(2)

آفاز AVAAS” كلمة تعني “صوت” أو “لغة” في العديد من اللغات، وتتسمَّى بها جماعة ضغط عالميَّة تنشط في تنظيم حملات، عبر الإنترنت، لإيصال وجهات نظر الشُّعوب إلى صنَّاع القرار في شتَّى أنحاء العالم، وقوامها الآن 40 مليون عضواً، يتوزَّعون على 18 دولة، في 6 قارَّات، بـ 17 لغة، وترفض استلام أيِّ دعم مادِّي من أيَّة حكومة أو شركة، وتؤمن بأنها يمكن أن تكون أكثر جدوى من الأمم المتَّحدة.

ومن موقع هذه الجَّماعة على الشَّبكة “avaaz.org” نعلم أنها كانت، قُبيل وصول أوباما إلى نيودلهي، منهمكة في استباق تلك الزِّيارة باستكمال التوقيع المليون على عريضة مرفق بها مخطط تجاري خاص صمَّمه خبراؤها لحماية توفير الأدوية الرَّخيصة، بغرض توجيههما، العريضة والمخطط، إلى الرَّئيسين، من مختلف النَّاس حول العالم، ليعبِّروا لهما عن قلقهم المتزايد إزاء ضغوط شركات الأدوية الأمريكيَّة العملاقة باتِّجاه تغيير قوانين الملكيَّة الفكريَّة التي تضع الصحَّة العامَّة قبل أرباح هذه الشَّركات، وليبلغوهما، ليس، فقط، برفضهم القوي لقيام هذه الشَّركات بالضَّغط على أوباما كي يحاول حَمْل الهند، حَمْلاً، على إيقاف إنتاج أدويتها الرَّخيصة التي يعتمد عليها ما يربو على الملياري فقير حول العالم، بل وبمطالبتهم للرَّئيسين بحماية دور الهند النبيل، كـ “صيدليَّة للفقراء”؛ كلُّ ذلك من خلال حملة إعلاميَّة ضخمة تطالب بالعمل لجعل الأدوية النَّوعيَّة في متناول أيدي الفقراء بأسعار معقولة، وتشجيع تطوير علاجات جديدة بنفس الأسعار المعقولة أيضاً.

ومعلوم أن الهند تنتج أدوية رخيصة للإيدز، والسَّرطان، والملاريا، وغيرها، لكن ضواري الدَّواء الرَّأسماليين يريدون غلَّ يدها عن هذا الإنتاج، كي يتاح لهم بيع أدويتهم بأسعار أعلى، حيث أنهم يبيعون، مثلاً، أحدث دواء لالتهاب الكبد الوبائي “C” بمبلغ ألف دولار أمريكي للحبَّة الواحدة!

ذلك هو ما تسمِّيه أمريكا بـ “الإصلاحات الاقتصاديَّة” التي هي “اسم الدَّلع” للدَّمار الاقتصادي والأخلاقي الذي يحيق بكلِّ بلد ينصاع لهذه الرُّوشتة الجَّهنَّميَّة!

غير أن كلا مودي وأوباما متنازع، في ما يبدو، بين نقائض حادَّة، على هذا الصَّعيد، الأمر الذي يجعل حملة “آفازتأخذ في اعتبارها هذا التَّناقض الذي يكتنف موقف كلِّ منهما! فموقع الجَّماعة يكشف، أيضاً، عن أن رئيس الوزراء الهندي كان قد طالب، في أكتوبر الماضي، وعلى مائدة إفطار بالبيت الأبيض، مديري شركات الصِّناعات الدَّوائيَّة بالاستثمار في أدوية بأسعار معقولة، والكفِّ عن الألعاب القانونيَّة التي تمكِّنهم من الاستفادة من براءات الاختراع على حساب الفقراء! لكن مودي نفسه أنشأ، مع ذلك، وفي ذات الوقت، منتدى هنديَّاًأمريكيَّاً حول قوانين براءات الاختراع، حيث قدَّم مسودَّة خطة بـ تنازلات” كبيرة للشَّركات الأمريكيَّة!

من جهة أخرى، وبرغم نجاح أوباما، منذ أواخر مارس 2010م، في توسيع مظلة الرعاية الصِّحِّية في الولايات المتَّحدة، لتشمل أكثر من 32 مليون أمريكي إضافي دون سن الـ65، إلا أن الضُّغوط الهائلة لشركات الأدوية نجحت مؤخَّراً، للأسف، في جعل واشنطن تتبنَّى موقفها، بل وتهدِّد بفرض عقوبات اقتصاديَّة على الهند إذا لم تغيِّر قوانينها المتعلقة ببراءات الاختراع!

وإذن، فحملة “آفاز”، التي تستوجب مؤازرة كلِّ شرفاء العالم، إنَّما تأمل، والحال كذلك، في وضع حدٍّ حاسم لهذه التَّناقضات، بأن تخلق شكلاً من التَّعاضد الأممي تنجح الشُّعوب، من خلاله، في دفع الحكومات أجمعها، الأمريكيَّة والهنديَّة وغيرها، نحو التَّوافق على سياسات تعلي من مصلحة المرضى فوق أيِّ اعتبار للرِّبح؛ وليس هذا بمستحيل، فقد سبق أن حاولت شركة أدوية سويسريَّة ضخمة مقاضاة الحكومة الهنديَّة بسبب إنتاجها علاجاً للسَّرطان بسـعر معقـول، لكن، إزاء اعتراض٥٠ ألف ناشط على هذه الخطوة، ضمن حملة شنَّتها “آفاز” في الهند وسويسرا، انهزمت الشَّركة، واضطرَّت لسحب القضيَّة!

(3)

وما أحوجنا، نحن في السُّودان، حيث تساوي ميزانيَّة جهاز الأمن 3 أضعاف ميزانيَّة وزارة الصَّحَّة، إلى هذا النَّوع من الحملات المجيدة، فقد بلغت أزمة حصول الفقراء على الدَّواء الزُّبى، تحت نظام حكم ليس في أولويَّات مشاغله مثل هذه التَّفاهات! ورغم أن الأوضاع الاقتصاديَّة، وبالأخص معايش الفقراء، ظلت تشهد، منذ مجئ حكم النُّخبة الإسلامويَّة بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، تردياً غير مسبوق، إلا أن التَّفاقم المتسارع والمريع في أسعار الدَّواء، خلال السَّنوات القليلة الماضية، ينذر، من كلِّ بُدٍّ، بشرٍّ مستطير، وكارثة ساحقة ماحقة، في ما إذا تواصلت وتائره على هذا النَّحو!

لقد كشفت، مثلاً، دراسة أجراها المجلس القومي للصَّيدلة والسُّموم، قبل زهاء الأربع سنوات، عن تضاعُف أسعار الدواء المستورد مرَّة ونصفاً بسبب الضَّرائب والجَّمارك المبهظة، وعند وصولها للمستهلك تتضاعف نسبتها 18 مرة عن السعر الحقيقي! وأشار رئيس لجنة الدِّراسة إلى أن بحثهم شمل 50 نوعاً من الدواء، كانت نتيجتها أن 35% منها يتضاعف سعرها عن دولة المنشأ، في غياب أيِّ ضابط لهذه الأسعار، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الأدوية البديلة تفوق أسعارها أسعار مثيلاتها من الأدوية الأصليَّة، بالإضافة إلى قلة الكادر المؤهل لمراجعة هذه الأسعار!

وأشارت الدِّراسة إلى أن أكثر من 50% من السُّكَّان لا يحصلون على الأدوية الأساسيَّة! وأن 79% من الصَّرف على الخدمات العلاجيَّة يتمُّ من المواطنين أنفسهم! وحذَّرت من أن حدَّة الفقر، وانتشاره في البلاد، يعرِّضان صحَّة شريحة كبيرة من السكان للمرض! كما أشارت إلى أن 44% من الأدوية غير مقدور على شرائها! وأن تكلفة الأدوية التي يدفعها المريض السُّوداني أعلى من التي يدفعها نظيره في دول أفريقيا جنوب الصحراء، ودول شرق المتوسط، وتعادل 18 مرَّة السِّعر الدَّولي المرجعي! وعزت الدِّراسة الأمر لارتفاع الهامش المضاف لأسعار العطاء الحكومي! وأكدت أن 85% من سكَّان المدن بالولايات الشَّمالية تحت خط الفقر، وأن 93% من سكَّان الريف من الفقراء، وأن 40% من سكَّان السُّودان تحت خط الفقر (موقع السودان اليوم” على الشَّبكة؛ 29 أبريل 2011م).

من جانبه أقرَّ بحر إدريس أبو قردة، وزير الصَّحَّة الاتِّحاديَّة، أمام البرلمان، بأن وزارته تعاني من التَّهميش، ويأتي ترتيبها في المرتبة الأخيرة، أو قبل الأخيرة، عند تخصيص الميزانيَّات (موقع النيلين على الشَّبكة ـ نقلاً عن الصَّحافة؛ 14 فبراير 2015م). وبالفعل، في حين رصدت موازنة هذا العام (2015م) مبلغ 2.7 مليار جنيه لجهاز الأمن، لم يتجاوز ما رصدته للصَّحَّة مبلغ 779.4 مليون جنيه (الميدان؛ 27 ديسمبر 2014م).

(4)

ولا أغادر هنا، قبل أن أذكر، بالفخر والتمجيد أيضاً، باتو رويو، ذلك العالِم الكولومبي الشَّاب الذي استدعته إلى ذاكرتي، الآن، مجاهدات علماء الهند في سبيل إنتاج أدوية رخيصة لفقراء العالم، والذي كان قد انفغم، بغتة، في شراييني، ذات صباح من أغسطس 1999م، كما ينفغم عطر فاخر، على حين غرة، بين جدران محبس ضيِّق، خانق، زنخ الرُّطوبة (روزنامة الأسبوع ـ الصَّحافة؛ الثلاثاء 24 أغسطس 1999م).

لقد ظلَّ باتو مكبَّاً على أبحاثه يجاهد، طوال عشر سنوات، في معمل صغير فقير في بوغوتا، كي يصطنع لقاحاً للملاريا، تعاونه مجموعة ضئيلة من باحثين وفنيين من بنات وأبناء وطنه الرَّاقد، كفلاح منهك يغمس قدميه في مياه المحيط الهادي، من فوق ربوة منحنى السَّاحل، أعلى الشَّمال الغربي من أمريكا اللاتينيَّة. كان أكثر ما يؤرِّقه كون الملاريا تفتك بفقراء وطنه، كما وبالفقراء من حولهم في البرازيل، وفنزويلا، والإكوادور، وبيرو، بل وبكلِّ “إخوان الإنسانيَّة” في عموم مستنقعات العالم الثالث، المتروكين، في الغالب، لأقدارهم، يرزحون تحت خطوط الفقر، والأمراض، والموت الزُّؤام.

لكن، ما أن تكللت جهوده، عام 1993م، باكتشاف أوَّل لقاح صناعي في التَّاريخ لطفيل الملاريا، حتَّى استكبر “كهنة” مراكز الأبحاث الغربيَّة، واستغشى ثيابهم سدنة الدوريَّات المحكَّمة، واستنكفوا الاعتراف باكتشاف يتمُّ في بلد “متخلف”، أو التسليم لـ “نكرة” مثل باتو، بإنجاز كهذا، خارج “مركزويَّة” المعرفة والتِّكنولوجيا في الغرب!

هكذا رفضوا، أجمعهم، تلك النَّتائج الباهرة، وحالوا بينها والنَّشر، وراحوا يدخلون العِصي في عجلتها، بحُجَّة عدم اتِّباعها المناهج العلميَّة “تُقرأ: الغربيَّة”!

سوى أن العالِم الكولومبي تصدَّى، بمزيج من الكبرياء والثِّقة في النَّفس، لنقَّاده الغربيين، واصفاً إيَّاهم بالغيرة. مع ذلك، وكيما يفحمهم، ولا يترك لهم حُجَّة عليه، تحلى بصبر أيوب، وانكبَّ، مجدَّداً، على إعادة تصميم أبحاثه، هذه المرَّة، وفق “مناهجهم المقدَّسة”! وبعد ستِّ سنوات جاءت النتائج معزِّزة لذات النتائج السَّابقة، فاضَّطروا للتَّسليم بها، صاغرين، ومن ثمَّ نشرها في أهمِّ دوريَّاتهم، بل ومنحوا باتو أرفع جوائزهم!

على أن ذلك أجمعه، على جماله وبهائه، لم يكن هو مربط الفرس في حكاية الكولومبي المدهش، بل إن ما جرى بعد ذلك هو الأكثر بهاءً، وجمالاً، وعظمة، بكلِّ المقاييس. فما أن نُشرت تلك النتائج، حتَّى راح يتهافت عليه مندوبو، ووكلاء، وسماسرة كبريات شركات ومصانع الدواء العالميَّة، بقفازاتهم الناعمة، وربطاتهم الحريريَّة، وحقائبهم المشفَّرة، وألسِنتهم التي تقطر عسلاً رائقاً من نقيع أعتى مراكز العلاقات العامَّة العالميَّة، يزايدون، ويناقصون، بكلِّ اللغات، على إغوائه لبيعهم اكتشافه الخطير”، حتَّى وصل المبلغ المعروض، في حمى المنافسة المجنونة، إلى 68 مليون دولار أمريكي، الدُّولار يناطح الدُّولار، مقابل قطرتين من الحبر يمهر بهما توقيعه على نصٍّ قانوني مطبوع، ومنسَّق، ومزوَّق بعناية، على صفحة أو صفحتين من الورق الحُبَيْبِي الفاخر، أسفل ترويسة مهولة، بالأحرف المائلة، لهذه أو تلك من شركات المحاماة firms، وموسوماً بخاتمها الرَّسمي، وديباجتها ذات الشَّريط الملوَّن البديع.

هكذا، نفرة واحدة، وتماماً كما في الأحلام، لم يعُد بين باتو وبين “الجَّنَّة”، بالمعيار الأمريكي، غير أن يقرِّر، بثلاثة أصابع فقط، من أي أبوابها يلج؛ فما، تراه، فعل؟!

أعلم أن البعض، حين يكملون قراءة ما حدث، سيمصمصون بشفاههم حسرة، بل وقد يصفون هـذا “الباتو” بالجـُّـنون، أو بأنه، في أفضـل الاحـتمالات، “مرمـي الله”، كمـا فـي عاميَّة بعض مستعربي السُّودان! فالكولومبي الجَّميل استعصم، في قلب بوغوتا، بمعمله المتواضع، وأخلاقه الفارهة، وسط فريقه الصغير من علماء وطنه الفقير وفنييه، واضعاً ساقاً على ساق، يسرِّح بصره، بهدوء ووقار، في تلك الوجوه الشَّمعيَّة، والبزَّات الباذخة، والحقائب الفاخرة، ويتأمَّل أصحابها الذين تكدَّسوا هناك، من دغش الصُّبح، ينتظرون، مبهوري الأنفاس، كلمة واحدة منه: لمن، تُرى، سيمنح توقيعه النَّفيس!

لحظات قصار مضَين، قبل أن ينهض باتو، يأخذ نفساً عميقاً، ثمَّ ينبري يلقِّنهم، ويلقِّن معهم، مثقفي العالم الثالث وعلماءه كافَّة، درساً بليغاً نادراً برفضه الصَّارم كلَّ تلك العروض، قائلاً ما تناقلته، وقتها، وسط دهشتها العريضة، جميع وسائط الإعلام العالميَّة: “الملاريا مشكلة إنسانيَّة يعاني منها شعبنا، وأنا لا يشرِّفني الإثراء بسببها. سيكون عملاً لاأخلاقيَّاً، حقَّاً، أن أبيعكم اكتشافي لينتهي، على أرفف الصَّيدليَّات الباذخة، سلعة مبهظة لا يستطيع الحصول عليها الفقراء والمعوزون، في حين أن بغيتي، أصلاً، تقديم خدمة إنسانيَّة ميسورة لنفس هؤلاء النَّاس”!

بعدها توجَّه باتو، من فوره، وسط دهشة أولئك السَّادة، إلى مكاتب منظمة الصَّحَّة العالميَّة WHO، ليهديها اكتشافه، مجَّاناً، مشترطاً، فقط، توفيره للفقراء .. مجَّاناً أيضاً!

(5)

والآن، أيُّ نصب تذكاري، يا ترى، نشيِّده في قلوبنا لأولئك العلماء الأماجد، من نيودلهي إلى بوغوتا، مروراً بالخرطوم، حيث توصَّلت الرَّاحلة العزيزة د. ليلى زكريا، قبل وفاتها بلندن، مطلع الشَّهر الجَّاري، إلى طريقة جذريَّة جديدة لزراعة قصب السُّكر ببذور صناعيَّة أكثر إنتاجيَّة، وأقل تكلفة، ويمكن زراعتها كالبذور الطبيعيَّة، تماماً، لأوَّل مرَّة في التَّاريخ. ولئن وقع إنجاز الرَّاحلة في حقل آخر غير حقل الدَّواء، هو حقل الزِّراعة البيو – تقنيَّة، فإن إدراج تمجيدها في هذه المقالة يقع، أيضاً، بجامع تمجيد علماء العالم الثالث حين يكرِّسون علمهم لتحقيق التنمية، وخدمة فقراء بلادهم. فالعالِمة السُّودانيَّة الجَّليلة، عليها رحمة الله ورضوانه، ضنَّت بإنجازها غير المسبوق هذا على جميع الذين منحوها نياشينهم، وأوسمتهم، وجوائزهم، وعلى رأسهم أمريكا التي ما انفكَّت تحاول إغراءها لتشتري منها براءة اختراعها، لولا أنَّها فضَّلت منح حقِّ استثماره، مجَّاناً، للمصانع السُّودانيَّة .. رغم أن جُلَّ الأخيرة مستغرق، للأسف، في صناعة الشِّعيريَّة والسُّكسُكانيَّة ومكعَّبات الثَّلج .. وهلمَّجرَّا!