عبَّرت الكاتبة الأمريكية سالي كوهين, عن التغطية المتحيزة لحادثة "شابيل هيل" التي قتل فيها ثلاثة مسلمين على يد أمريكي عندما غرَّدت على تويتر: مهاجم إسلامي = إرهابي, مهاجم أسود = بلطجي, مهاجم أبيض = مُجرَّد خلاف على مكان ركن السيارة !

 

بابكر فيصل بابكر

في مقال لي سابق بعنوان “رسائل الدنيا الجديدة” كتبتُ لأحد الأصدقاء رسالة أشرح لهُ فيها وجهة نظري في تفسير سياسات الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن تجاه الشرق الأوسط والعالم الإسلامي, وقلتُ لهُ أنهُ لا يمكننا فهم تلك السياسات دون معرفة الأصول الفكرية التي تصنعها وتوجهها.

وأوضحتُ له أنَّ أفكار حركة”المحافظين الجُدد” التي كانت تُسيطر على البيت الأبيض آنذاك ترجعُ لفيلسوف يُدعى “ليو شتراوس”, وهو مهاجر ألماني لجأ لأمريكا فراراً من النازية, و كان يُدرِّس بجامعة شيكاغو في أربعينيات القرن الماضي, ويُعتبر الأب المؤسس لتلك الحركة.

كان شتراوس من أكثر الفلاسفة نفوراً من الليبرالية , وكان يري أنّ كل المشاكل التي يعاني منها المجتمع الأمريكي ترجع بالدرجة الأولى “للمذهب الفردي” وهو المذهب المسئول عن التفكك والتفسخ الذي يصيب المجتمع وبالتالي فإنَّ الليبرالية لا تمتلك حلولاً لمشاكل المجتمع الأميركي ( وكانت أمريكا حينها تعاني من إنشطارات عديدة بين مختلف الطبقات خصوصاً بين السود والبيض ) واعتبر شتراوس أنّ الليبرالية تحمل بذور فنائها في جوفها.

للخروج من هذا المأزق وإعادة التماسك للمجتمع , نادى شتراوس بضرورة وجود مثال أعلى وهدف بعيد ينبع من القيم والأخلاق ليوحِّد جميع الامريكان, وإذا لم يوجد هذا المثال أو الأسطورة فإنهُ يجب صنعهُ, وأنّ “الأمة” أو “الدين” هما أنسب مجالان لخلق تلك الأسطورة.

شرع  المحافظون الجدد في خلق أسطورة “الأمة الأميركية” قائدة الإنسانية وحاملة لواء الديمقراطية والمُجسِّدة للخير, وهو الأمر الذي يتطلب بالضرورة خلق “عدو ما” ليصبح مُجسِّداً “للشر”, ووجدوا ضالتهم في الإتحاد السوفيتي بوصفه قائداً لمعسكر الأشرار.

ومن هنا بدأوا معركتهم الكونية من خلال إدارة الرئيس الأسبق “رونالد ريغان” وأخذوا في التطبيق الفعلي لأفكارهم بجعل العالم مسرحاً للقتال بين قوي الخير وقوي الشر ( في هذا الإطار جاء دعمهم للمجاهدين الأفغان وفيه أيضاً أشعلوا الحروب المدمّرة في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا ).

وبعد سقوط الإتحاد السوفيتي كان لا بُدَّ من خلق “عدو وهمي” أو شبح, حتى تستمر المعركة بين قوى الخير ممثلة في أمريكا, وقوى الشر, وقد وجدوا ضالتهم هذه المرَّة في عنوان عريض إسمه “الإسلام”, ساعدهم في ذلك ممارسات رعناء ومتخبطة للرئيس العراقي الأسبق صدَّام حسين والحركات الأصولية “القاعدة”.

كذلك فإنَّ الفئات القوية أو “القلة الممتازة” داخل المجتمع الامريكي ( الطبقة الحاكمة, الأثرياء, الشركات العملاقة, ألخ ) – وليس المحافظون الجدد فحسب – تسعى لتحقيق مصالحها عبر ترسيخ فكرة العدو الشبح في الوجدان الأمريكي وعن طريق توظيف وسائل متعددة يأتي في مقدمتها الإعلام.

هذه الحقيقة عبر عنها نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في كتابهما ذائع الصيت “صناعة الإذعان” حينما أشاروا الى خمسة موجهات تتحكم في رسالة أجهزة الإعلام الأمريكية من بينها الجهات المالكة لتلك الأجهزة ممثلة في رجال الأعمال والشركات العملاقة, وكذلك الآيديولوجيا وعنوا بها تركيز الخطاب الإعلامي لمواجهة ممثل “الشر” الذي كان يُجسِّدهُ حينها الاتحاد السوفيتي “الشيوعي”.

وبعد سقوط الإتحاد السوفيتي, وظهور “العدو الشبح” الجديد المتمثل في الإسلام, واصلت اجهزة الإعلام لعب نفس الدور, وقد كان لي تجربة في العام 2004 عندما دعتني جمعية الدراسات العليا بمدرسة الدراسات الدولية بجامعة دينفر للحديث في منتدى حول موضوع “الإرهاب” , وكان حينها قد صدر كتابٌ أعتبر بمثابة “الهزة الأرضية” في تحليل أسباب ودوافع “العمليات الإنتحارية”.

كان عنوان الكتاب : ( يموت لينتصر : منطق العمليات الإنتحارية الإرهابية )، وهو من تأليف البروفيسور “روبرت بيب” أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو, حيث قام الكاتب وفريق البحث الذى أشرف عليه بإعداد أول قاعدة بيانات إشتملت على جميع العمليات الإنتحارية  التى وقعت فى العالم خلال ما يقرب من ربع قرن من الزمان، وعلى وجه التحديد إبتداء من عام 1980 وحتى أوائل العام 2004 ( شملت 315 عملية إنتحارية ).

أثبتت الدراسة – على عكس ما كان سائداً في أجهزة الإعلام  – أنَّ الجماعات الإسلامية المتطرفة ليست هى الجهة المسئولة عن بروز تلك الظاهرة, وأنَّ الذين إبتدعوا هذه العمليات هم جماعة ” نمور التاميل” فى سيريلانكا, وهى جماعة ماركسية, وأنَّ العمليات التي قامت بها الحركات الإسلامية مُجتمعة كانت أقل بكثير من تلك التي نفذها نمور التاميل ومن بينها عملية إغتيال راجيف غاندي رئيس وزراء الهند عام 1991.

لم تحظ الدراسة بأية إهتمام – ولو ضئيل – في أجهزة الإعلام الأمريكي, مع أنها شغلت الدوائر الاكاديمية ومراكز البحوث, وعندما نوَّهت لتلك المعلومة في المنتدى المشار إليه وعبَّرت عن دهشتي لتجاهل الإعلام لتلك الدراسة  قال لي أحد الأساتذة : أنصحك بقراءة كتاب تشومسكي حتى لا تندهش مرة أخرى !

تكررت دهشتي – للأسف – في العام 2011 عندما تعمدت أجهزة الإعلام الأمريكية الرئيسية “مين ستريم” تجاهل خبر خطير يقول أنَّ جُندي سابق بالجيش الأمريكي قاد سيارته المليئة بالمتفجرات من كاليفورنيا بنيَّة تفجير أكبر مسجد في مدينة ديربورن – ميتشجن حيث تجمع أكثر من 500 مسلم في مراسم دفن, ولكن شاء القدر أن يتم إعتقاله قبل تنفيذ العملية.

إكتشف القاضي – كالعادة – أنَّ الرجل – روجر ستوكهام 65 عاماً مريضٌ عقلياً, ولهُ سوابق مرتبطة بهذا المرض, وأمر بإطلاق سراحه ليوضع في “مصحة عامة” طالما ظل يدوام على تناول العلاجات اللازمة.  

تساءلتُ حينها : ماذا لو كان هذا الرجل مُسلماً ؟ بالطبع كان الموضوع سيملأ دنيا “الإعلام” لأسابيع طويلة وكان سيخرُج علينا مئات المُعلقين والمُحللين يتحدثون عن الخطر الإسلامي الداهم, وعن “الهوية” الأمريكية المستهدفة, وعن .. وعن .. إلخ

ذات الشىء تكرَّر الأسبوع الماضي عندما قام رجل أمريكي في مدينة “شابيل هيل” بولاية نوث كارولينا بقتل ثلاثة شباب مسلمين, حيث تناول الإعلام الأمريكي الحادثة “بحياء” شديد, وتم التركيز على الفرضية التي قالتها الشرطة والتي رجحت أن يكون دافع الجريمة هو خلافٌ حول موقف للسيارات.

بالطبع تجاهلت أجهزة الإعلام أقوال عائلات الضحايا الذين رجَّحوا بدورهم أن يكون الدافع هو “الكراهية” حيث قال والد الضحيتين “البنتين الشقيقات” أنَّ الجاني قد هددهما من قبل, مبيناً أنه لو كان السبب موقف السيارات لقتل المجرم شخصاً واحداً وليس ثلاثة.

كذلك لم يبحث الإعلام كثيراً – كما يفعل عادة في الجرائم التي يتورط فيها مسلمون –  في الخلفيات الفكرية للقاتل الذي ثبت من خلال المعلومات التي توفرت من حسابه في “الفيسبوك” أنَّ له آراء و مواقف متطرفة ضد جميع الأديان مع كراهية خاصة للإسلام.

لقد عبَّرت الكاتبة الأمريكية بموقع “دايلي بيست” ,سالي كوهين, عن التغطية المتحيزة لحادثة شابيل هيل خير تعبير عندما قالت في تغريدات لها على تويتر ( لقد غطت وسائل الإعلام الأمريكية خبر قيام مسلمين بقتل آخرين في فرنسا بشكل متواصل لعدة أيام , لكن لا تغطية مماثلة لمقتل مسلمين هنا في أمريكا ).

وأضافت ساخرة ( مهاجم إسلامي = إرهابي , مهاجم أسود = بلطجي , مهاجم أبيض = مُجرَّد خلاف على مكان ركن السيارة ! ).

سُلوك الأجهزة الإعلامية هذا لا ينفصل عن آيديولوجيا الخير والشر التي أشرنا إليها, فالمواطن الأمريكي الذي تم تلقينهُ لسنواتٍ طويلة أنهُ يمثل نموذج “الخير” في العالم لا يُمكنهُ أن يستوعب كيف يُمكن لأمريكي مثله أن يقتل الناس “كراهية” فيهم وفي دينهم, ولكنهُ سيتفهم أنَّه يُمكن أن يقوم بمثل هذا العمل بسبب خلاف ما أو بدافع من مرض عقلي أو نتيجة ضغوط  حياتية أخرى.

لا يؤمل شخصٌ عاقل أن يقع تغيير كبير في سلوك أجهزة الإعلام الأمريكية الرئيسية , ولكن ينبغي علينا من ناحية أخرى الإشارة  لوجود قنوات تلفزيونية وإذاعية تتمتع بقدر كبير من الإستقلالية – وإن كانت أقل تأثيراً – ومن بينها إذاعتي المُفضلة “ناشيونال بيبلك راديو” التي سارعت لإذاعة نبأ مجزرة “شابيل هيل” وأجرت حولها العديد من الحوارات الهادفة التي تناولت الموضوع بحيادية وغطته من مختلف الجوانب.

التغيير المنشود في سلوك تلك الأجهزة يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالتحولات داخل المجتمع الأمريكي على أصعدة مختلفة , ولا أبعد من الحقيقة كثيراً إذا أضفتُ إليها التغيرات على صعيد السياسة الدولية  وما يترتب عليها من تبدلات آيديولوجية تؤدي لظهور “شبح” آخر يحلُّ مكان الشبح الحالي – الإسلام.