د.ناهد محمد الحسن نشأت في الرّيف السوداني، طفولتي معلّقة في ذاكرتي كحبّات المطر ..السماء الوادعة والمرصّعة بالنجوم...

شمس الصباح التي تجلب الزائرات الى البيت…والنهار الذي كان يكفي لكل شيء..من الذهاب الى المدرسة وحتى مسلسل الليث الأبيض…والليالي الطويلة لأكثر من تسعة أشهر..والتي بمقدورها أن تنجب الغول وفاطمة السمحة ..ومن ثم يتبقى لنا الكثير من الوقت لنخاصم الأحبّاء ونصفح.. يمتد الفراغ كغيمة تحوي زمن فرح..كان بإمكاننا أن نزجّ الزمن في صندوق توفير نحزمه معنا للعاصمة..التي بدأت تزرع غيمة فراغنا بأعمدة الكهرباء وعربتنا تتدحرج في الأسفلت..وأنا أرى غيمة الرّاحة التي تلفّني تتلاشى ببطء في ضجيج العاصمة وزحامها..شعرت بالإختناق..والهواء المليء بالأغبرة الملوثة يخنق رئتي طاردا آخر نسمات الريف الجميلة..شعور ينتابني كل ما دخلت الخرطوم..ويغادرني كلما يمّمت صوب الرّيف أيّا كان..! هذه المدينة تحقن أدمغتنا بالضجيج..وتأكل الزمن! تذكّرت مقالا في الإشبيغل قبل سنوات قرأه عليّ زوجي.. كان يتحدّث عن المشغوليّات..وكيف أن الجميع يشعرون بأنّهم مشغولون…والمشغولية والزحمة وإنعدام الزمن هو شعور طاغ لدى الجميع…. حتى الأغنيات .. من نوع كل ما سألت عليك يقولوا مشغولة ..! تذكّرت إبن أختي الصغير حين قدم ليستقر بالخرطوم من الخارج..سألته يومها هل تعرّف على أصدقاء جدد فأجاب دون تردّد: ما في زمن..! والمدينة تغرق في وسائل الإتصال الجديدة..فيس بوك، واتس أب، تويتر..وتلفونات..انعدمت تلك المساحة الخاصة بالفرد التي تولّد غيمات الراحة والإستجمام..ما يدور حولنا يسرّع الإيقاع ويجعلنا نلهث علّنا نفهم شيئا من حولنا..ولأن الميل الى الإنشغال هو حاجة سايكولوجية ايضا كما تقول الدراسات فإن الغيبوبة التي تبتلعنا حين نغوص في هذه التقنيات تتحول الى إدمان حقيقي..ليس لدينا وقت حتى لننظر لعيون أطفالنا ونتواصل معهم بمحبّة..أين يمكن أن نجد هذا الفراغ الذي يولّد الحكايات الجميلة للشعراء العاجزين عن النوم..أجمل إبداعات عاطف خيري.. (اليوم المستعمل برفق/

لأنه جرّح آخرين/ ما من أحد تطوّع/ ليصف الحياءَ النادر للشمس/ عبرتْ السحبُ بمتاعٍ خفيف/ والشعاع أُدْخِل في التجربة/ البيوت مغمى عليها/ مخافةَ الزلل: الرطوبةُ دخّنت القوس كله/ وغذّت السيرَ في أسماء فتيات/ رسائلٌ بخط ردئ إلى الأرض/ الحمى إلى عنبر الرجال/ أما الآهةُ/ التي تتنزّه في البقعة النائية من الألم/

عربةُ الفجر المتوقفة بضربة فرشاة خشنة/ خردةُ المستيقظين ببطء/ السائقُ المعنى الذي تدهسه/ في معمعة الباب ويغفر لك بالنافذة/ لتصل/  وتضع تماثيلَ الخصوم الطيبة في الشمس/ تضع الأحبةَ القاتلين في العُذر / لكن قمرية تنشب بينك والليل

لكن كلمة تكتبها فتنقطع أخبارك/ لكن المجاز الذي ينقُّ في بركة الغرف / متعتقاً في ما لا تود /ومكترثاً لتشرب ما لا تطلب/ تملك الفضاء فيقع كسقالة/ تملك الظهيرة فتنتابك تعريشة/ النوم معجزة/ تحت هذه الأيام)..ترى أين هو هذا الفراغ الذي تحدثت عنه فيزياء الكوانتم والذي هو منبع طاقة كامنة ..بمقدورها أن (تضع الأحبّاء القاتلين في العذر)..وأنا أرقب الذي لا يجيء..أقول كما قال عاطف..( – لا أشرب وحدي، يشيلون حالي / ودمعةَ بالي/ حبيبي بعيدٌ، ورأسي خفيف)..