عبد الله الشيخ إنصرم قرن من الزمان،على مُغادرة سلاطين باشا لبلاد السودان، بعد إنتهاء عقده مع دولة الحكم الثنائي ــ حكومة السودان ــ في العام 1914م. 

وكان كارل رودلف، أو سلاطين النمساوي، حاكم دارفور قبل المهدية، قد خلّد هروبه الأوّل، من أسر الخليفة التعايشي، في كتابه “السيف والنّار”، ذلك الكتاب الذي يصفه بعض علماء التاريخ، بأنه كان مقدمة لعودة الاستعمار أو استعادة السودان، تحت وصاية الخديوي، أو تحت التّاج البريطاني.. بعد مائة عام بالتمام والكمال، من تلك العودة أو تلك الإستعادة، أصدر عبد العزيز بركة ساكن من منفى الثّلج ، روايته “الرجل الخراب”،التى يحكي فيها بعض تعاريج المغامرة، وشيئاً من محتوى لثغة الرحيل، كما هي فى كتب الرمل ذات الدوائر و الخيوط المستحيلة..! دسّ بركة ساكن في روايته تلك، صراخاً لسلاطين باشا فى لحظةٍ تاريخية شاء فيها الخليفة التعايشي،أن يوشمه بالختان، إبتغاءاً لمرضاة الله، طالما أنّ سلاطين قد أسلمَ وحَسُنَ إسلامه..و مسكين سلاطين، حاكم دارفور، الذي لم يعُد تحت رحمة الدّراويش، سوى”مُتَدعْشِن” يُقطَع منه جزءاً عزيزاً بعد دخوله الي البيدر، ويُطلب رأسه كاملاً ، حين خرج..!

روى بركة ساكن ، أن سلاطين قد خُتِن فى عهد الخليفة التعايشي ، بفأسٍ أشرم، وأن صراخه من جِراء ذلك، قد إنكشح على الجُدُر الطينية لأم درمان، التي كانت حاضِرة الخلافة الأسلامية حينها..ولكن، أين النص الأصلي..؟ هل كتب سلاطين باشا، عن تلك الدعشنة التي أصابته في “حُرّ ماله”..!؟

حدثني الدكتور محمد جلال هاشم، أن هناك نسخة أصلية لـ “السيف والنار”، أورد فيها كارل رودلف/ سلاطين، تلك الواقعة.. كانت آخر محاولاتي في البحث تلك النسخة في مكتبة صديقي الأعجمي، فكري أبو القاسم، الذي أهداني نسخة قديمة  لكتاب سلاطين ، مطبوعة فى العام 1930م.. قرأتها على عجل، و لكنني لم أجد فيها صراخ ودموع سلاطين، الدامية و الباكية، على فقده “ذلك الجزء العزيز من أرض الوطن”..!  ولكن صديقي ــ فكري ــ أسعفني برواية، قال أنه طالعها في أحدي المدونات، تقول أن سلاطين باشا، بعد دخول كتشنر واستتباب الأمر للحكم الثنائي في عاصمتنا، خرج يبحث عن الرجل صاحِب الفأس الأشرم، الذي مّهَر له شهادة الدخول،، لم ينس إسم “الطهّار” موسى الكاظم ، الذي لم يكن سوى موظّفاً عاديّاً بدولة الخِلافة في ذلك الزمان السوداني المُتدعشن..وهكذا أطبق سلاطين “بعد التمكين”،على رقبة الكاظم، وأمر بختنه في الحال..! ولمّا وجده مختوناً، “فعلها.. فعلها ..وعليك أمان الله..”! ثم يُقال ، أنه أحرق جسده بالنّار..كان صديقي الأعجمي يحكي شيئاً من هذا، بعد أيام من شواء داعش للكساسبة داخل ذلك القفص..! و كيف لا نقلِّب المواجِع ، وقد أصبح نكاح الجهاد وختان الإماء و السّبايا ، أهم قضايا الدّعوة والتأصيل تحت رعاية الخليفة البغدادي..! فانظر،كيف نحن وأين نحن..!بعد مائة عام من خِتان المُلازِمي سلاطين بذلك الأشرم..! لقد أصبحت النساء “حلالاً” يُباع تحت حمى مؤسسة الخِلافة..! أنظر، لم يتغيّر الشّام ولا اليمن..! ،و لن تجد فرقاً يُذكر ، بين الخليفة التعايشي في أم درمان أو البغدادي في الموصِل، أو رصيفهما بلال موسى صاحب النّظرة المِحورية: “عِرسْ بسْ” التي يراهِن عليها الكثير من شباب الواتساب في لياليهم الصّاخبة..!

بعد مائة عام ،من ختان سلاطين، لم تزل الحياة عندنا “مصفوفة” بين قوسي الخِتان والنكاح..! فنحن لم نتغيّر، لكن ربما..! ربما نتغيّر .. ربما يأتي”زمان السعادة والحب”..وحتى يأتي ذلك الوعد، سيظل مناهضي الخِتان وزواج الظفلات، مثل عبد الماجد عليش وناهد جبر الله ، كمن يحرث فى البحر..!