خالد فضل " دون اعادة هيكلة الدولة تُحَوِّل السودان الى دولة لشعبها عوضا عن مفرمة له, وبالتالي النزوع لنوع من الاستقلال الذاتي عن المركز , وبدون مقومات حقيقية، سيتحول الحكم الذاتي من طلب نبيل المقصد الى عبء جديد" 

الطرح الذي تقدم به وفد حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان السوداني على طاولة التفاوض مع وفد حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان , في احدى جولات  المفاوضات الماضية التي تدور ساقيتها منذ ثلاث سنوات بأديس أبابا ذلك الطرح الخاص بمنح اقليمي جنوب كردفان /جبال النوبة , والنيل الأزرق الحكم الذاتي الاقليمي في اطار السودان الموحد , أثار ويثير كثيرا من الحوار المستحق , وقد تفضل الأستاذ ياسر عرمان بتوضيح ملابسات ذلك المقترح في افاداته التي نشرتها صحيفة “التغيير الالكترونية” في حينها, كما دعا د, عبدالله تية القيادي البارز في حزب الحركة الشعبية ووزير الصحة السوداني السابق الى ضرورة حشد الدعم لتأييد هذا المقترح وجاءت دعوة دكتور تية على جدار صفحته بالفيس بوك . فيما كانت ردة الفعل الأولية من جانب وفد المؤتمر الوطني المفاوض هي رفض مناقشة المقترح أساسا بداعي عدم تفويضه لمناقشة مثل هذه الأطروحات , فيما نسب الى بعض أعضاء الوفد من منسوبي المؤتمر الوطني المنحدرين من جبال النوبة تأييدهم للمقترح , كما نسب للسيد منير شيخ الدين المرشح السابق في انتخابات رئاسة الجمهورية , وعضو وفد التفاوض على قائمة المؤتمر الوطني ذات الموقف ,كذلك استمرت الكتابات على المواقع الالكترونية المختلفة تشير الى هذا الخيار وتدعمه بقوة , بل صار المقترح كواحد من أقوى الخيارات المطروحة لحلحلة عقدة الحرب المتطاولة ومأساتها المستمرة وضحاياها المتزايدين خاصة من المدنيين والمنشآت المدنية . وقد عزّزه القائد مالك عقار رئيس حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان السودانية في رسالته التي وجهها مطلع هذا العام فيما اسماه بجرد الحساب في عام التوقعات والتناخب في الاقليم .

    إذن تبدو الصورة تتشكل الآن حول الطرح ,وبحسب صحيفتنا هذه ليوم الأحد 15فبرائر 2015م دعا حزب التواصل , أحد الأحزاب التي شاركت فيما عرف بحوار الوثبة , ويتركز نفوذه في مناطق جنوب البحر الأحمر بشرق السودان , دعا الى منح كل الولايات السودانية الحكم الذاتي . ويجدر بالتالي مناقشته مناقشة عميقة مسترشدين بما بين يدينا من تجارب على الصعيد المحلي والعالمي . وبعيدا عن حملات التشويش المعتادة التي يمارسها المؤتمر الوطني حول أي أطروحة تقدم حلولا لأزمات البلاد المتطاولة , فقد عهد الناس في المؤتمر الوطني أن يقول في كل شئ (لا) قبل أن يعود ويقول (نعم) لعله يتمثل قول الشاعر الجاهلي المثقّب العبدي وأنعم به تمثُّل إنْ كان ذلك كذلك :

       حسن قول( نعم) من بعد (لا)       وقبيح قول (لا) بعد (نعم)

     إنّ (لا) بعد (نعم) فاحشة            فب(لا) فأبدأ اذا خفت الندم

ورغم منطقية الحجج التي ساقها السيد عرمان في تصريحه المار ذكره, وقوة الحجج التي ساقها الكاتبون عن الموضوع  الاّ أنّ المسألة تحتاج الى مزيد من التوضيح والنقاش , فالظروف الراهنة والتطورات التي تلت استفتاء الجنوب وبالتالي استقلاله عن الدولة السودانية وما ترتب على ذلك من مستجدات ونشوب الحرب في اقليمي المشورة الشعبية وفقدان منصب النائب الأول صاحب الفيتو في كل ما يتعلق بتنفيذ بنود اتفاقية السلام , هذه حجج مقبولة ومعقولة كمبررات للبحث عن حلول أخرى غير طريقة المشورة الشعبية التي أقرّتها اتفاقية نيفاشا لمعالجة الأوضاع النهائية لمنطقتي جنوب كردفان / جبال النوبة والنيل الأزرق , ولكن يبقى السؤال هل الحكم الذاتي لولايتين فقط  أو ثلاث في السودان يحل الأزمة السودانية حلا شاملا ونهائيا ويحقق السلام المستدام ؟ في تقديري وفي رأي كثيرين ممن عاصروا تجربة الحكم الذاتي الاقليمي للجنوب سابقا وفق اتفاقية أديس أبابا 1972م أنّ من الأسباب الرئيسة لانهيار السلام وعودة الحرب بعد عشر سنوات فقط على الاتفاقية هو عدم تماثل نوع الحكم بين جنوب السودان وقتها وبقية الاقاليم , كذلك استمرار نمط الحكم الديكتاتوري بممارساته المعهودة من طغيان واستبداد وآحادية القرار والتفكير وقمع الرأي الآخر لمجرد صدوره عن جهة معارضة غض النظر عن صوابه من خطله , وهي ذات الصورة وإن كانت مكبرة الآن باعتبار أن نظام الانقاذ فوق طبيعته الديكتاتورية تغلفها آيدلوجية الشمولية الدينية الاسلامية , كما أن تجربة تنفيذه لكل اتفاق وافراغه من محتواه لا تغري اطلاقا بالوثوق بما يبرمه من اتفاقات مصيرية كهذه , وهنا يصح النظر لتحفظات من ينظر الى المطالبة بالحكم الذاتي كخطوة لانفصال هذه الأقاليم عن الدولة السودانية , نقول هذا لمصلحة الحوار الموضوعي الذي نرجو أن يسود في الأوساط السودانية المختلفة , فقناعتي الشخصية تنطلق من أنّ بناء الدولة السودانية يجب أن يتم طواعية وعبر مشاركة كل التعدديات الاثنية والدينية والثقافية  والجهوية في ذلك البناء , ومن الخطل الركون الى مسلمات الوحدة الوطنية دون مقوماتها , فما أضر بالبناء الوطني في السودان شيئا قدر اشاعة الاوهام عن (نحن) دون تعريف من (نحن) , بل دون الاقرار ابتداءا بأن نحن تشمل كل التعدديات الوطنية مما جعل ضمير الجمع للمتكلمين ناقصا ومبهما على عكس طبيعة الضمائر في اللغة العربية إذ هي من ضمن أسماء (المعرفة) كما هو معلوم .

      في تقديري كذلك أن مثل هذه الأطروحة إن لم تكن موقفا تكتيكيا , مما يجب أن يشتغل عليها ضمن أجندة الحوار الوطني الشامل المأمول لأنها تعني مباشرة بطبيعة ونوع الحكم الملائم للم شعث السودان المبعثر حاليا , وبالتالي إذا تم التوافق على اللامركزية كنظام للحكم , أي أنواع اللامركزية ؟ فيدرالية حقيقية , حكم ذاتي ,أو نوع آخر , بيد أنه من الثابت الذي لا ينتطح حوله عنزان أنّ أي نوع من أنماط الحكم اللامركزي أو المركزي لا يجدي شيئا ولن يقدم جديدا ما لم تتغير في الأساس طبيعة الدولة من دولة اقصائية شمولية قامعة وقاهرة لشعبها الى دولة ديمقراطية ليبرالية تعددية يجد فيها كل شخص نفسه أو كما قال الراحل د. جون قرنق يجد فيها كل انسان غرفته . بدون ذلك تتساوى كل أنماط الادارة الحكومية في ظل هيمنة مشروع اقصائي آحادي كما في مشروع الانقاذ الراهن . صحيح أنّ مناطق الجبال والنيل الأزرق ومواطنيها وكذلك دارفور قد قدموا من التضحيات والبسالة في طلب الحق ما يعتزّ به حقا , وهي نضالات وتضحيات تستحق بأن تتوج بانتصار حاسم لما ظلوا لعقود يناضلون من أجله (دولة مواطنة عادلة تتساوى فيها أقدار الناس في الحياة العامة والحقوق الانسانية كاملة ) ويتفاوتون بمقدار العطاء والقدرات الشخصية فقط , أمّا اذا تم الركون الى ما يشبه اليأس من امكانية اعادة هيكلة الدولة لتتحول الى دولة لشعبها عوضا عن مفرمة له , وبالتالي النزوع لنوع من الاستقلال الذاتي عن المركز , وبدون مقومات حقيقية مع استمرار السيطرة والهيمنة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل والعرقية والجهوية , ساعتها سيتحول الحكم الذاتي من طلب نبيل المقصد الى عبء جديد على المنطقتين وعلى بقية الأقاليم وهو ما لايرجوه عاقل يضع وطنه من أول أولوياته , ولا يغرنّك تمشدق الانقاذيين بمفردات الوطنية فهم أبعد ما يكونون عنها بمطابقة الحقيقة والواقع , فلم ينزع بعض شعب السودان تاريخيا للفكاك مما يماثل الأسر الوطني الاّ في عهدهم بعد أنّ اطاحوا بممسكات الوطن وحولوها الى أشلاء يعبثون على ركامها , الواجب المقدّم في تقديري أن نستلهم سبط النضالات العظيمة لأهلنا في الجبال والنيل الأزرق ودارفور ونحس بحجم المأساة التي يعانون من ويلاتها بسبب النظام السياسي السوداني القاصر ولنعمل معا من أجل المستقبل فهو حتما يتشكل من عذابات الراهن والماضي . وقد جاء اعلان مبادئ نداء السودان كواحد من أفضل الاطروحات السياسية المعروضة على الساحة السياسية السودانية حاليا خاصة وأنّ الموقعين عليه يشكلون غالبية القوى السياسية الحية ومنظمات المجتمع المدني السودانية , وما الاعتقال المتطاول للسيدين الأستاذين الجليلين فاروق أبوعيسى وأمين مكي مدني الاّ عنوانا بارزا على الأثر القوي لهذا الاعلان في خلخلة ركائز الاستبداد .كأن الاعتقال يزيح أسباب النزاعات !!