مجتبى سعيد عرمان جاءنى صوت أخيه عبد السلام صباح هذا اليوم وبه مسحة من الحزن " صلاح الامين مالو يا مجتبى؟" اجبته انشاء الله ومافى عوجة؟ حقيقة لى مدة لم اقابل صلاح

أجابنى وبنوع من الإرتباك صلاح فى المستشفى بعرف الحاصل وبرجع ليك… اصدقكم القول انتابنى نوع من الخوف الغريب والذى اجربه من قبل …اتصل بى عبد السلام شقيقه الاصغر وكان تلك المرة مرتبكا…” صلاح توفى يا مجتبى” لم أصدق من هول الصدمة يا عبد السلام قول كلام غير ده …ومن ثم بكيت بالدم السخين على صلاح الامين بن الصحافة الذى لا تفارقه الابتسامة فى زمن ” الضحك ووجه المحظور” ..

البداية كانت منتصف التسعينات والمدينة تذهب بسرعة البرق نحو الحزن والاظلام وذلك بفعل ضربات المغول الجدد وصيحات ” الجهاد” تلتهم كل ما هو جميل ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة …التقيت به عند منعطف الوراقين, عندما خيم البؤس على المدنية وتبادلنا الكتاب وتقاسمنا الضحكة سويا وربما الساندوش ونحن طلابا بجامعة جوبا.

اول ما إسترعى إنتباهى تلك الابتسامة التى لا تفارقه فى زمن التجهم والتكشيرة الوجوم الذى يعلو وجوه الآخرين, وصلاح مستودع من الحكاوى والقفشات التى لا تنتهى – ولكن ما حببنى الى تلك الشخصية التى تدخل الحبور الى النفس هو بالرغم من ميلاه فى المدينة لكن لم يأخذ منها سوى الاشياء الجميلة ومستمسكا بعروة القيم السودانية الجميلة وعلى رأسها يجىء: الوفاء وصلاح لا يقيم علاقاته مع الآخرين على مبدأ الربح والخسارة التى هى سمة من سمات عصرنا الحالى وأن شئت الدقة سمة من سمات المدينة الغير فاضلة… وفوق هذا كريم وحلو المعشر… لم اجده يوما يحكى عن همومه الذاتية وكأنه يقول ” فلنترك الهم الشخصى جانبا وانا لا اريد ان أثقل عليكم” ايها الاصدقاء الجميلون صلاح هذا كان فاكهة كل المواسم لم يسمع بفاعلية ثقافية او سياسية وإلا كان اول الحضور وماسكا بتلفونه يدعو الجميع الى الحضور والمشاركة….وأصدقكم القول فى مرات كثيرة كنت احضر لكى التقى صلاح هذا واسمع بعض من قفشاته بعيدا عن ” مجمجة” المتعلمين …وصلاح هذا كما النسمة الخريفية يدخك البهجة والسرور على النفس ونقى السيرة والسريرة ومعافى من امراض بعض المتعلمين الذين يقولون شيئا ويضمرون شيئا آخر…

صلاح هذا تجسيد لمقولة ” رب أخ لك لم تلده أمك” على أيام صحيفة أجراس الحرية كنت أكتب بعض المقالات الغير راتبة وشقيقى عبد الفتاح سعيد يكتب من واشنطون وتصادف أن نتكتب سويا على ذات الصفحة- أى مقالات الرأى – يطلع  عليها صلاح ومع الصباح الباكر يتصل ويسأل عن كل ناس البيت ومن ثم يقول” يا مجتبى عليك الله انت وفتاح ما تكتبو ياخى كفاية ياسر أنا أخاف عليكم ” يا لك من رجل نقى السيرة والسريرة لم تكن تطلب سوى الضحكة وبعض التبغ الردىء النوعية وبعض من ” الخبز الحافى” وتحتفظ بقيم الريف وتدعونا حينما كنا طلابا فى داخليات انعدمت فيها أدنى درجات الأنسانية لوجبة دسمة بمنزلكم العامر فى الصحافة وتشرف على خدمتنا بنفسك وروحك الجميلة ولا تبخل علينا بالكتب التى صادرتها رقابة الدولة البوليسية.

كان بدرى عليك يا صلاح الأمين تودعنى وانا مشتاق …يا تقاسم معنا الضحك والانس الجميل فى ليالى الخرطوم الموحشة …وكيف ترحل وبدون ان تودعنا – لا أظن ان نظرة وداع من ثغرك الباس بكتيرة علينا فى زمن القبح والوجوم الذى لا يفارق الوجوه…وانت الذى تركت الدنيا مثلك مثل كبار المتصوفة …لم نسمعك تحلم بركوب العربة ولا شوية رصيد فى البنك وكأنك تقول ” إنى سوف ارحل قريبا ولا حوجة لى للمال وللعربة” ولكن صوفيا من الدرجة الاولى وثوريا من نسيج حبكته بحب الآخرين والسؤال الذى لا ينقطع عنهم ورحلت خلسة مثلك مثل الطيور المهاجرة ومع الفجر الفضى وتركت أثرا لا يمحى فى النفوس لا نفسك كبيرة وأخذت اجمل ما فى التدين ” الدين المعاملة” وليس التدين بشكله الطقوسى – الرمزى وانما جسدته فى الابتسامة التى لا تفارقك وحبك الماجنى لآخرين غض النظر عن منبتهم الاجتماعى والدينى..لكن على الاقل كان ان تقول لنا وداعا يا من احببناك واحببتنا وبشكل مجانى وبدون رياء وتكلف..نم هانئا يا من اضحكتنا فى زمن العبوس وانت فى عليائك السامقة …والعزاء موصول الى اسرته الكبيرة والصغيرة وآل صبير والى اشقاءه عبد العزيز وعبد السلام وابو زيد واصدقاءه وكل معارفه وأصدقاءه …اللهم ارحم صلاح وأنزله نزولا حسنا ومع الصديقين والشهداء .واسمح ان اودعك طالما ابيت الوداع بتلك الابيات من سميح القاسم فى رثاء صديقه محمود درويش ولانك تعشق الاشعار:

يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ

وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا

حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ

وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ

على خطأٍ مَطْبَعِيّ

وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ

لِسَكْرَةِجَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ

وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ..

والناسُ فيهم  سِوانا  المسَرَّهْ

أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟

مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ

وَآخرِ مَرَّهْ

وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ

 

نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ

وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ

ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ

ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ