The Katharevousa  أو المستوى الفصيح من اللغة النوبية ننتقل الآن إلى موضوع يشغل بالَنا جميعا؛ ألا وهو السؤال التالي: هل في اللغة النوبية التي نتكلّمُها مستوى فصيح وآخر عامّي؟ 

في البدء دعوني أنقل لكم شيئا من تجربتي الشخصية في هذا الشأن وفيه أتناول بالشرح كيفية تشابك وتداخل الخاص والعام في الشأن اللغوي النوبي خاصّة ثم في الشأن النوبي عامّة. يوم 11 من شهر أكتوبر من عام 1997م وُلد ابني البكر كمال جلال. في يوم 30 من نفس الشهر قدّمتُ ورقة بقاعة الشارقة معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية (جامعة الخرطوم) تحت عنوان: “نحو منهج لإحياء التراث النوبي”. تلك الورقة كانت هديّتي لابني البكر. لاقت تلك الورقة درجة كبيرة من الذيوع والانتشار بين المثقفين النوبيين؛ ذلك لأنّها وربّما لأوّل مرّة، حسبما يرى الكثير من النّاشطين في مجال الدّراسات النّوبيّة، سعت من أجل اختطاط طريقة علمية حصرية الخطوات المطلوب اتّخاذُها من قبل النوبيين لإحياء تراثهم (كثقافة وتنمية) مجملا ولغتهم تخصيصا. فيما بعد قامت مجلّة إركي التي تصدر عن مركز الدراسات والتوثيق النوبي بنشر الجزء الأكبر منها على أن توالي نشر التّتمّة في الأعداد التالية. لكن ــــ فيما أعلم ــــ لم يصدر منها شيء بعد ذلك العدد. ولا يزال العديد من الباحثين النوبيين (بين النوبيين النيليين والنوبيين الدافوريين ثم النوبيين الكردفانيين) يتداولون ذلك البحث.

وأذكر أن أستاذَنا الجليل الباقي فينا أبدا بروفيسور أبو سليم كان من رَأَسَ تلك الجلسة. في تلك الورقة وباستفزاز من بروفيسور أبو سليم تعهّدّتُ أن أعمل مع باقي الباحثين النوبيين على إنجاز مهمّة ترفيع الدراسات النوبية من مجرّد مساق أكاديمي يُعنى به المتخصّصون إلى مقرّرات دراسية قابلة للتدريس. وفي الحقيقة قبل ذلك بعام (تحديدا في أغسطس 1996) كانت جمعية نوباتيا لإحياء التراث النوبي وهي الرائدة دوما قد قامت بتنظيم أوّل كورس لتدريس اللغة النوبية باستخدام الحروف النوبية القديمة. ذلك كان قبل صدور كتاب كبّارة بعام ونصف. استهدف ذلك الكورس والذي قام بدار جمعية نوباتيا بالكلاكلة قطعية أعضاء الجمعية من الفنّانين والشعراء وشمل منهم: مكّي علي إدريس؛ عماد أباظة؛ عاصم ختام؛ حسن عجاج؛ وهبة ولولي وبناته الإثنين؛ وفاء متولّي؛ وآخرين. ذلك الكورس قمتُ بالتدريس فيه منفردا وهذا شرف أفخر به وقلادة أتزيّن بها لدى العطلِ. إذن فقد سعى أستاذُنا الجليل المغفور له أبو سليم باستفزازي مشيرا إلى أن ابني الوليد (كمال جلال سيد الرُّجال) سيكون مجرّد إضافة لركب النوبيين المستعربين. عندها تعهّدتُ بأن أعمل مع باقي إخوتي من الباحثين النوبيين على تطوير اللغة النوبية بحيث تتأهّل علميا للتدريس في فصول بنفس الطريقة التي يتمّ بها تعلّم اللغات الأخرى كالإنكليزية والفرنسية والعربية. كان ذلك عهدا قطعتُه على نفسي أمام جمع من الباحثين والدارسين في تلك الجلسة التاريخية. الآن وبعد حوالي 10 سنوات أستطيع أن أقول بأنّ معالم هذا التّطوير قد وضحت أخيرا وأصبحت قابلة للنقد والتحليل من قبل عامّة النوبيين ومثقّفيهم خاصّة – إذ إن المستوى الفصيح الذي قام عليه هذا التّطوير قد يحتاج إلى بعض من المعرفة الفنّية العالية.

خلال هذه السنوات انكببتُ على كتاب التربوي النوبي العملاق المرحوم محمد متولّي بدر (إقرأ بالنوبية) فقمتُ بمعالجة النصوص الواردة في هذا السفر غير المسبوق. كان الهدف من هذه المعالجات استخلاص المستوى الفصيح من اللغة النوبية وتمييزه عن المستوى العامي اليومي وهو المستوى الذي كُتب به الكتاب. مسألة تمييز المستوى الفصيح من اللغة النوبية اختراق لغوي لساني قمتُ به بمعاونة أخي وصديقي الهادي حسن أحمد هاشم عبر بحوث ميدانية ونظرية معقّدة بدأت في أوائل عام 1990م واستمرّت بعد ذلك إلى أن توّجنا تلك البحوث بالورقة العلمية التي قدّمناها سويّا في مؤتمر اللغات السودانية الدّولي الثالث المنعقد بجامعة الخرطوم – قاعة الشارقة عام 1995م تحت عنوان:

“From Nobiin to Old Nubian: an Approach toward Synthesis”

لفتت تلك الورقة نظر بروفيسور هيرمان بيل عالم اللغويات النوبية الشهير والذي شارك في ذلك المؤتمر؛ إذ أنّها تُماثل العملية التي مرّت بها اللغة الإغريقية في تجسير الهوّة بين اللغة الإغريقية القديمة وتلك العامية التي كان يتحدّث بها عامة اليونانيين. فقد كانت الهوّة كبيرة بينهما لدرجة أن اليونانيين لم يكونوا يفهمون اللغة القديمة. في القرن التاسع عشر قام رجل يُدعى كوراييس بترفيع مستوى لغوي يربط بين المستويين القديم المندثر والعامي فيما عُرف بنظرية (Katharevousa) بها أصبح اليونانيون يفقهون لغتهم القديمة ويستعملون الـ Katharevousa كلغة تعليم وثقافة إلى بدايات سبعينات القرن العشرين حيث أوقف العمل بها وذلك لتطوّر أنماط ومستويات أكثر ديناميكية. لاحقاً تمّ تنويب هذه الكلمة فأصبحت تُنطق في الحلقات الدّراسيّة على النّحو التّالي: كترّبوسا.

منذ ذلك التاريخ تواصل العمل بلا كلل أو ملل إلى أن تمّ بحمد الله ترفيع مستوى وسيط بين اللغتين القديمة والعامية الحالية ليخدم كمقابل للكتربوسا Katharevousa اليونانية؛ كلّ ذلك تأسيساً على كتاب محمد متولّي بدر (إقرأ بالنوبية). في الأعوام 2002 إلى 2004 تمّ تجريب هذا المستوى أوّلا في بريطانيا وعلى الدكتور جوردان بيل (ابن بروفيسور هيرمان بيل) وذلك بجامعة أوكسفورد حيث كنّا نحتاج إلى إنسان لا علاقة له باللغة النوبية لاختبار مدى قابلية المقرّر المعدّ للتعلّم فقام مشكورا بالتّطوّع. كان الغرض من تلك التجربة إثبات أن اللغة النوبية يمكن تعلّمُها في الفصل مثل أيّ لغة أخرى. إذا ثبت هذا إذن لا خوف عليها من الاندثار وذلك لأن أبناءنا وأطفالنا يمكنهم أن يتعلّموها أينما كانوا وكيفما تفرّقت بهم سبلُ الحياة على وجه المعمورة. كانت النتيجة مذهلة؛ ففي مدّة تزيد على الشهرين بقليل تمكّن دكتور جوردان من تطوير معرفة أدائية باللغة النوبية عالية بكلّ المقاييس اللسانية. في كلّ هذه الفصول كان بروفيسور هيرمان يجلس في نهاية الفصل يراقب منهجية وكفاءة التّدريس ومردودات جوردان واستجاباته كما كان يرصد الإشكالات اللسانية التي قد تعوق تعلّم اللغة فيما بعد عندما تتحوّل التجربة إلى ممارسة حقيقية. فيما بعد كانت هذه المسائل تخضع لنقاش مستفيض وصولا إلى نتائج وبالتّالي تعديلات في المنهج متى ما لزم الأمر. هذه القابلية التّعلّمية العالية التي أبداها دكتور جوردان أنعشت الأمل فينا وكانت بمثابة قوّة معنوية أكّدت لنا بأن مجهوداتنا لن تذهب أدراج الرياح. فاللغة النوبية أثبتت معمليا أنّها ذات حيوية لسانية عالية يبدو أنها السبب وراء بقائها كلّ هذه السنوات رغم التهميش والإزاحة والتهديد المباشر من اللغة العربية.

بعد تجربة تدريس دكتور جوردان بجامعة أوكسفورد تواصل تجريب المنهج عبر العديد من الفصول التي تمّ تنظيمُها في جامعة الخرطوم، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، ثم في النادي النوبي. احتوى الفصل الدراسي بالجامعة على متطوّعين من خلفيات إثنية متعدّدة – نوبية وغير نوبية. فقد اشتمل على متطوّعين من الشايقية والدينكا والشلك والجعليين والفور والبطاحين ثم النوبيين الذين انقسموا بدورهم بين متحدّثين بالنوبية كلغة أم وآخرين يفهمونها ولكن لا ينطقونها ثم آخرين لا ينطقونها ولا يفهمونها. مجموعة النادي النوبي اشتملت على نوبيين يتكلّمون النوبية بطلاقة كلغة أم باستثناء شخص واحد من جبال النوبة هو الصديق جمعة إبراهيم غلفان.

أظهرت تلك الفصول التجريبية أمراً مدهشا: الذين لا يعرفون أيّ شيء عن اللغة النوبية يتفوّقون على الذين يتكلّمونها بطلاقة كلغة أم! وهذه إذن بشارة لأبنائنا وأطفلانا الذين فاتهم شرف التّكلّم باللغة النوبية منذ الصغر. ففي فصل جامعة الخرطوم كانت الأولى فتاة من الجعليين مع تفوّق واضح لباقي الدّارسين من الخلفيات غير النوبية. ومن المواقف الطريفة أن الأخ العزيز عزّت فرحات (يفهم النوبية ولكن لا يتكلّمها) تفوّق على زوجته آمال عبد المجيد (تتكلّمُها بطلاقة). في النادي النوبي كان الأخ جمعة إبراهيم غلفان (وهو الذي لا يتكلّمُها ولا يفهمُها) ومولانا عبّاس توفيق هما الدّارسان المتميّزان على طول الخط. طبعا كانت هناك العديد من الموقف الطريفة بين الدارسين وجلُّهم من رموزنا النوبية العملاقة ونذكر منهم أمين سوركتّي؛ محمد صالح عبد الفتّاح؛ فاروق كدودة والعديد من الشخصيات. ولعلّنا نكتب عن تلك الطرائف فيما بعد.

جرى تخريج مهيب للدفعتين بالنادي النوبي وبشهادات صادرة من مركز الدراسات والتوثيق النوبي. كما شرّف ذلك الحفل البوفيسور الأمين أبو منقة مدير معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية وقتها وهو عالم اللسانيات المعروف. وقد قام بتسليم شهادات التخرّج. وأنتهز هذه الفرصة فأُزجي له أجلّ آيات الشكر والتقدير لما قام به في تيسير أمر ذلك الكورس.

بعد ذلك قمتُ بتنظيم فصلين دراسيين في لندن اشتمل الأوّل على مجموعة محدودة من المثقّفين النوبيين من حملة الدرجات العلمية العالية (الدكتوراه) وكانوا ثلاث رجال (جيلي مصطفى فرح من صاي؛ فوزي صالح من دبيرة؛ محمد هاشم من صاي) خامستُهم امرأة من فضليات نسائنا ورموزنا النسائية (د. هنيّة مرسي فضل من دبيرة والتي تفهم اللغة تماما دون التحدّث بها بطلاقة) بينما كانت خامستُهم دالية الجميلة وهي بنت ستّة عشر ربيعا جاء بها والدُها الدكتور جيلي والذي سيندم بعد ذلك إذ تفوّقت عليه بطريقة جعلته يغضب في بعض الأحيان من تصحيحها له كلّما ارتكب خطأ. بالطبع كانت الدكتورة هنيّة مرسي ودالية الجميلة هما الأولتين بالفصل مع فشل ذريع خاصّة لأستاذنا الدكتور محمد هاشم ذلك لكونه نوبيّا فُحّا لا يتكلّم العربية حتّى الآن إلاّ معاظلة.

لكن تُرى ما هو سبب هذا التفوّق المعكوس؟ السبب في ذلك بسيط: فالذين يتكلّمون النوبية بطلاقة بوصفها لغة أم يجدون من الصعب أن يتحرّروا من هذا المستوى العامي عندما يشرعوا في تعلّم المستوى العالي (الفصيح). في المقابل لا يجد الذين لا يعرفون اللغة النوبية أي صعوبة في تعلّم المستوى الفصيح والذي يبدأون به تعلّمهم للنوبية باعتبار أنه المستوى الوحيد في اللغة النوبية.

وأُشير هنا بكلّ أسف إلى حقيقة أن الغالبية السّاحقة من النُّشطاء اللغويين من المثقّفين النوبيين لا يعلمون أي شيء عن موضوع المستوى الفصيح والمستوى العامي ثمّ عن اللغة النوبية القديمة. كما أُشير إلى أنّه لا يوجد حتّى الآن أي نظام كتابي (Writing System) للغة النوبية بخلاف الذي تمّ تطويره عبر هذه السّلسلة من التجاريب. في هذا يتعامل جميع المثقّفين النوبيين مع كتاب كبّارة باعتباره يحتوي على نظام كتابي بينما في الواقع لا علاقة له بأي نظام كتابي فهو عبارة عن كتاب تعريفي بالأشكال الكتابية المستخدمة في اللغة النوبية القديمة. ولمزيد من التفصيل حول هذا الأمر وتفاصيل أخرى متعلّقة بالمنهج كلّه يمكن مراجعة مقالي:

“Competing Orthographies for writing Nobiian Nubian Language” in Leoma G. Gilley (ed); Occasional Papers in the Study of Sudanese Languages , No. 19, Summer Institute of Linguistics (SIL), Khartoum, Sudan, and Nairobi, Kenya, 2004.

أختم حديثي هنا بالإشارة إلى أن مقالي: “نحو منهج لإحياء التراث النوبي” كان يفترض أن ينُشر في مجلّة الدّراسات السودانية التي تصدر من معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم وهي مجلّة علمية متخصّصة ومُحَكّمة (refereed) كما نُشر المقال نفسُه في مجلّة إسفيرية جديدة هي احترام التي تصدر من موقع سودان فور أول في الرابط التالي  :http://www.sudan-forall.org/section…htiram2_mjh.pdf.

إذن يا أصدقائي أبناؤكم وبناتُكم على موعد بتعلّم النوبية حتّى لو لم يعيشوا في قرى ونجوع النّوبة، تلك البقع الطّيبة.