د.عمر القراي *هذا هو الفرق بين "داعش" و"القاعدة" *البغدادي وبن لادن والظواهري انتجهم الأخوان المسلمون! * الصحيفة الرسمية ل"داعش" سميت "دابق" استنادا الى حديث رواه مسلم!   

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ*

 اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) صدق الله العظيم

قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ” داعش”، في الآونة الأخيرة، بعدة جرائم هزت الضمير الانساني، في جميع أنحاء العالم. إبتداء بتفجير مكاتب صحيفة ” شارلي إبيدو” الفرنسية، وقتل 12 شخصاً من العاملين فيها منهم إثنان من المسلمين، واصابة 11 آخرين بجراح .. ثم قتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقاً، ووضع صورته، أثناء هذه العملية البشعة، وهو يحرق، على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى يطلع أهله على موته، بهذه الصورة الوحشية. ثم قتل 21 من الاقباط المصريين المدنيين ذبحاً، وتصوير هذه العملية الفظيعة، ووضعها ليراها العالم، امعاناً في الوحشية والقسوة، ومحاولة لبث الذعر، والإرهاب في نفوس الناس. ولقد قامت الحكومة المصرية بالرد على اغتيال مواطنيها بضربة عسكرية على مواقع “داعش” في ليبيا وهو عمل استحسنه الشعب المصري والحكومة الليبية كما اشادت به عدة دول عربية وأجنبية. ولقد سبق ان تكون تحالف دولي قام بمواجهات عسكرية مع ” داعش” في العراق كما ان قوات عراقية وكردية تصدت ل”داعش” واستردت منها بعض القرى التي سيطرت عليها من قبل. وفي مخاطبته لمؤتمر مكافحة الإرهاب، المنعقد بواشنطون، قال الرئيس الامريكي باراك أوباما (إن المتطرفين لا يتحدثون باسم مليار مسلم، وأن بلاده ليست في حرب ضد الاسلام بل من شوهوه) وأضاف أوباما أن ( العمليات العسكرية مثل الضربات الجوية التي يشنها التحالف الدولي منذ شهور على مواقع تنظيم ” داعش” في العراق وسوريا لايمكن ان تكون الرد الوحيد على العنف المتطرف بل لا بد من التصدي لأيدولوجيات المتطرفين وبناهم التحتية والدعاة الذين يجندون ويمولون وينشرون الفكر المتطرف)(البيان الاماراتية 20/2/2015م).

إن ” داعش” حركة مهووسة، وعنيفة، وقد مارست من الفظاظة، والوحشية، مالم تمارسه حتى حركة القاعدة، رغم ما قتلت، وفجرت من المدنيين. و “داعش” تظن أنها يمكن ان تستأنف، اليوم، عهد الخلافة الراشدة، من حيث ما توقفت الغزوات، والحروب مع المشركين، واهل الكتاب. وأنها يمكن ان تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، والحدود، والقصاص، فيما يقع تحت سيطرتها من الأرض. وأن الأرض هي دار حرب، على كل من لا يبايع خليفة المسلمين أبوبكر البغدادي، زعيم الجماعة .. ودار سلم على كل من يخضع لإمرته. وهي لا تفرق بين المسلم العاصي، الذي عجز عن تطبيق أوامر الدين، والحكام الذين لم يستطيعوا تطبيق الشريعة، وبين الكفار الذين أهدرت الشريعة دماءهم، وجعلت نساءهم واموالهم غنيمة للمسلمين. ولهذا هم يكفرون كل من ليس معهم، ويقتلونه، لو استطاعوا ذلك بأبشع الصور، حتى يثيروا الرعب، وهم يعتقدون أنهم سينصرون بهذا الرعب، كما كان ينصر به النبي صلى الله عليه وسلم. والفرق بين ” القاعدة” و “داعش”، هو ان ” القاعدة” على تطرفها، لديها بعض الوعي السياسي، بما يجري في العالم، وهي لا تجاهر بكل ما تؤمن به، لاعتبارات، بها قدر كبير، من الحيلة والتكتيك بخلاف “داعش” التي تنشر على صفحات جريدتها الرسمية ” دابق” دعوتها الى اعادة الرق، وبيع ” اليزيديات” كجواري !! فقد كتب أحدهم في عدد سبتمبر 2014م ( النساء والأطفال اليزيديين يجب ان يقسموا حسب الشريعة على مقاتلي الدولة الاسلامية الذين شاركوا في عملية ” سنجار” .. إن استرقاق الكفار وأخذ نساءهم كجواري أمر من ثوابت الشريعة فإذا رفضه شخص أو سخر منه فإنه يكون ساخراً أو رافضاً لآيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبذلك فهو مرتد عن الإسلام). والصحيفة الرسمية لداعش سميت ” دابق”، وهو اسم مدينة سورية تقع شمال حلب، ورد ذكرها في حديث رواه الامام مسلم في صحيحه، يتحدث عن المسلمين يقاتلون فيها جيوش الروم، وامم أخرى، يقودها الدجّال ويهزمونهم، ويفتحون القسطنطينية “استانبول”، وبعد ذلك ينزل المسيح عليه السلام، ويقتل الدجّال. وحركة ” داعش” الآن تظن ان التحالف الدولي ضدها، هو تجمع فصائل الروم، وأنها ستهزمهم جميعاً في سوريا. وهذا فرق آخر بين” “داعش” و “القاعدة”، إذ أن ” داعش” تقوم على هوس ديني كبير، يعتمد على نصوص عجزوا عن تأويلها، واعتمدوا على ظاهرها، ويحاولون ان يزكوا بها عقائد التابعين، ليزيدوا من حماسهم، ويغيبوا عقولهم. هذا بالاضافة الى أنهم يدعون اسقاط أي فرق بينهم وبين عهد الصحابة، ويظنون انهم يتبعون النموذج المحمدي بدقة.

 أما من حيث الفكرة الاساسية، فإن” داعش” كغيرها من الحركات الاسلامية، لم تنزل من السماء، و إنما جاءت من فكر الأخوان المسلمين!! ولقد صرح د. القرضاوي بأن ابوبكر البغدادي، كان معهم في تنظيم الاخوان المسلمين .. كما صرح أيمن الظواهري، بأن أسامة بن لادن، أخبره بأنه من الاخوان المسلمين. والقاعدة الفكرية، التي تجمع كل هؤلاء، هي آراء الإمام حسن البنا رحمه الله، والتي تقوم على اعادة فكرة الخلافة الإسلامية. ولقد كان شعار حركة الاخوان المسلمين، تحت قيادة الإمام حسن البنا، السيفين الذين وضع بينهما صورة مصحف، وكتب تحتهما كلمة   “وأعدوا”، التي قصد بها قوله تبارك وتعالى ” واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”. وحركة الأخوان المسلمين ظهرت في عام 1928م، وحين عقدت مؤتمرها الخامس، بعد مرور عشرة سنوات على تأسيسها، في يناير 1939م، أعلنت فيه إن من أهم أهدافها اقامة الخلافة الإسلامية. ولكن بعد سنوات أعلن البنا في مؤتمر عام 1945م، طرحهم الذي يقوم على (اقامة حكومة اسلامية في كل قطر اسلامي، والتي عليها أن تحترم فرائض الاسلام وشعائره وأن تلزم كل موظفيها بأدائها وأن تحرم الموبقات كالخمر والزنا والقمار والكسب الحرام، وأن تؤسس التعليم على التربية الاسلامية والوطنية واللغة العربية وأن تغدو الشريعة الاسلامية المصدر الأول للقانون)( عبد الرحيم علي “2010”.الأخوان المسلمون من حسن البنا الى مهدي عاكف. القاهرة :مطبعة دار الرفاعي).

 وحين لم تستجب الحكومة المصرية بإقامة حكومة إسلامية، أو خلافة إسلامية، بدأت الجماعة في ممارسة العنف. ولما كانت جماعة الأخوان المسلمين في مصر، لا تملك جيشاً، ولا تملك منطقة مستقلة لتحارب منها الحكومة، فقد كانت تقوم بالاغتيالات، ثم خشية من تبعاتها، كانت تنكرها، وتتبرأ منها، وتدينها !! فحين ارادوا اغتيال محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء، تقدم نحوه شاب يلبس زي الشرطة، وضربه بالرصاص في 28 أكتوبر 1948م. وحين قبض على الشاب، قال ان النقراشي خائن للوطن، لأنه متهادن في قضية فلسطين، ويحارب الاسلام، لأنه حل جماعة الأخوان المسلمين. هذا مع ان الشاب أنكر اي صلة له بجماعة الأخوان، وتحمل المسؤولية الفردية عن الجريمة. ولكن حين اصدر حسن البنا بياناً، أدان فيه اغتيال النقراشي، واعتبره جريمة فظيعة، يجب يدان مرتكبيها ووصف النقراشي في ذلك البيان، بأنه (مثل طيب للنزاهة والوطنية والعفة)، لهذا إنهار الشاب وسجل اعترافاً بأن الاغتيال مسؤولية جماعة الأخوان المسلمين وهي التي كلفته بالقيام به (راجع المصدر السابق). ولقد زاد تنظيم الاخوان المسلمين تطرفاً، حين برزت في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، افكار سيد قطب رحمه الله، فقد وجد كتابه ” معالم في الطريق” رواجاً كبيراً وسط الشباب… فهو أول من حكم على كل المسلمين بأنهم في جاهلية، ما لم يحكموا الشريعة، ويخضعوا لنظام الخلافة .. وأن على المسلم قتال الحاكم المسلم، إذا لم يطبق الشريعة، ومعاملته معاملة الكافر أو المرتد ومعاقبته بالقتل. ونسبة لخلاف الاخوان مع الملك، واتهام نظامه باغتيال البنا، أيد الاخوان ثورة يوليو 1952م. ولكنهم انقلبوا عليها، حين لم تطبق الشعارات الإسلامية، التي كانوا يرفعونها، واعترضوا على سياساتها، خاصة اتفاقية الجلاء، التي وقعت في يوليو 1954م. وفي اثناء الاحتفال بالاتفاقية في 26 أكتوبر 1954م، في ميدان المنشية بالإسكندرية، أطلقوا النار على الرئيس جمال عبد الناصر، في محاولة فاشلة لاغتياله. فشكلت لهم محكمة خاصة، حكمت على بعض قياداتهم بالإعدام، وعلى المرشد العام حسن الهضيبي بالسجن المؤبد. في عهد الرئيس السادات، رفع الاخوان المسلمون مذكرة تصالح للحكومة، وأبدوا تساهلاً كبيراً. فقد جاء (إن عمر التلمساني أراد ان يسد فجوة عدم الثقة بيننا وبين المسؤولين في الدولة، وأن يفتح طريقاً للتفاهم لطي هذه الصفحة السوداء فرفع الى المسؤولين عن طريق إدارة السجن مذكرة كبيرة حول أهمية اللقاء المباشر مع من يهمهم الامر كبديل لهذه الأساليب البربرية فعل ذلك اعذاراً الى الله وتحمل بعض العنت من قلة من الاخوان ابوا هذه الخطوة عليه). وبناء على هذه الصفقة، خرج الاخوان من السجون. ولقد خدع الاخوان السادات، فقد كان المرشد العام الهضيبي، زعيماً علنياً، ولكن الحركة كان بها جناحان : أولهما الجناح الذي يدعي الاعتدال ويقوده عمر التلمساني، والآخر الجناح الذي يمارس التشدد ويقوده مصطفى مشهور، وبينما كان الأول يتعاهد مع السادات، كان الآخر يدبر لاغتياله. ففي 6 أكتوبر 1981م قام خالد الاسلامبولي، وهو قد كان من جماعة الاخوان، باغتيال السادات، ثم نسب فيما بعد الى تنظيم “الجهاد”، الذي زعم انه انشق عن الاخوان، لتساهلهم مع الحكومة. ويشير أيمن الظواهري، الذي انشق فيما بعد، ولحق بتنظيم القاعدة، الى ان الحوار مع السلطة، يؤدي الى مفاوضات، والمفاوضات، تؤدي الى تنازلات عن المبادئ. ويقول (لقد اسبغ الاخوان ومن والاهم الشرعية على الحكومة الكافرة، عندما قال مرشدهم محمد حامد أبو النصر ” نحن لا نضع أيدينا أبداً في أيدي القائلين بتكفير الحاكم” وعندما أصدر الشعراوي والغزالي بيانهم المشؤوم في 1/1/1989م والذي قالوا فيه إنهم يعتقدون ” في ايمان المسؤولين بمصر وإنهم لا يردون على الله حكماً ولا ينكرون للاسلام مبدأ” وأيد الاخوان البيان الذي يعترف بايمان الحكام بعد ان بايعوه عام 1987م. واسبغ الاخوان الشرعية على الوسائل الكفرية، التي تدين بها الحكومة، فاعترفوا بشرعية الديمقراطية التي تسلب حق التشريع من الله وتمنحه للشعب، ودخلوا مجلس الكفر المسمى بمجلس الشعب، مجلس الارباب الذين يشرعون للناس) ويشير الظواهري الى ان شباب الاخوان المخدوع، يعتبر اقوالهم وافعالهم هذه من “التقية”، ولا يدري ان هذا تبديل لأحكام الدين المستقرة، كما بدل اليهود والنصارى دينهم. ويؤكد رفضه لمثل هذه الحوارات مع أجهزة الحكم مشدداً على ان الطريق واحد وواضح ” قتال هذه الحكومة وخلعها وتنصيب خليفة مسلم” (المصدر السابق).

وهذا الخلاف الظاهر، بين الظواهري وقادته في تنظيم الاخوان المسلمين، ليس خلافاً حقيقياً، بقدر ما هو تبادل للأدوار، وخداع للآخرين. ولهذا حين حكم الاخوان المسلمون مصر تحت قيادة الرئيس محمد مرسي،فتحوا أبواب مصر لكل الحركات المتطرفة، بما فيها تنظيم “القاعدة” الذي يقوده الظواهري، وجماعة حماس وغيرها، وبمجرد اعتراض الشعب المصري على حكم الاخوان المسلمين بدأت هذه الجماعات تثير الفوضى وتعتدي على الشرطة والجيش في سينا وفي مدن الصعيد حتى تخلق اضطراباً يعيدها مرة أخرى للحكومة التي اسقتطها الشرعية الجماهيرية العريضة. ولعل فتح مصر لتدخل أجنبي، بحجة مساندة الجماعات الإسلامية للإخوان المسلمين، مهما تظاهروا بالخلافات فيما بينهم، كان من الأسباب الرئيسية، التي وحدت الشعب المصري ضدهم، واطاحت بحكمهم في فترة قصيرة.  ولقد انتشرت فكرة الاخوان المسلمين من مصر الى جميع الدول العربية، ثم عبرت من الاقليم الى تكوين التنظيم العالمي للاخوان المسلمين، الذي اصبح مؤخراً، مجموعة سياسية، واقتصادية، تقدم مصلحتها على جميع الاعتبارات الدينية والأخلاقية، وتربط نشاطها بمساومات مع دول، وتتدخل في أمن وسياسة الشعوب، بغرض توجيهها الى مصلحة الاخوان المسلمين.