عيسى إبراهيم* نشرت صحيفة ألوان في صفحتها الأولى يوم الأربعاء 18 فبراير 2015 ما ينوِّه على أنها ستقوم بنشر التاريخ السري للأخوان الجمهوريين،

كما أنها ستكشف خفايا وخبايا تاريخهم، ثم قامت يوم الخميس 19 فبراير 2015 في صفحتها السادسة بنشر ما يدل على وفائها بعهدها الذي قطعته على نفسها، فهل كشفت ما ادعت؟! وهل كان للجمهوريين سرٌ يخفونه عن الناس؟!، هذا مانحاول الاجابة عنه في هذا المقال:

الحقيقة التي هي أظهر من الشمس

لم يكن للجمهوريين إبان حركتهم مع الأستاذ محمود محمد طه أسرارٌ يخفونها من الناس، وقد كان عملهم في العلن، وكان عملهم في حمل الكتاب والدعوة في الشارع العريض لا يحتاج إلى برهان ولا شهادة من أحد كائناً من كان، وعملهم الذي يجري حمله الأخوان الجمهوريون والأخوات الجمهوريات (خرجت الجمهوريات ولأول مرة في تاريخ البشرية المعاصر يظهرن المرأة الانسان التي تطالعك بعقلها الراجح وزيها السوداني الساتر، لا بجسد الأنثى) في الشارع ليل نهار، كما أن جلسة الانطباعات جلسة الـ (feed back) كما يحلو للصحفيين القول، كانت تدار في الشارع العريض أمام منزل الأستاذ محمود محمد طه بالحارة الأولى (شارع جامع الختمية من جهة الثورة بالنص وشارع عز الدين من جهة الشنقيطي)، وهي جلسة مهمة للغاية تريك ما لاتعرف عن وقع اتصالك بالناس، وقد حفيت أرجل أجهزة الاتصال الجماهيرية المرئية والمسموعة والمقروءة لتعرف ردود فعل المشاهدين والمستمعين والقراء عن رسائلها دون جدوى، وهي جلسات تدل على عبقرية الأستاذ محمود وتلاميذه من بعده في ادارة وقياس الحركة، كانت هذه الجلسات تدار في الشارع ويغشاها من يغشاها ويعلم ما يدور فيها “الغاشي والماشي”، وهل يُبقي هذا المسلك سراً لصاحب سر يخفيه عن الناس!!..

الأستاذ محمود والأربعة:

الحقيقة التي لم تكن سراً عند الأستاذ محمود محمد طه أنه كان يعلم أنه سيقتل في آخر الأمر، ولقد اكتشفت أنا شخصياً أن الأستاذ محمود كان يسابق الزمن لإيصال ما يريد للناس، وكان يعمل لتربية الجمهوريين والجمهوريات على الطريق النبوي، ولم يكن يدخر جهداً في سبيل هذا الأمر، وقال يوم 19 ديسمبر 1984، يوم اطلاق سراحه وعدد كبير من الجمهوريين من المعتقل الذي دام أكثر من عام ونصف العام (مايو 83 – ديسمبر 84): “نحن خرجنا لنواجه مؤامرة بتستهدف حياتنا ونحن ما مبالين، لا يمكن لانسان يرى الشيخ الكبير يجلد، والمرأة الحامل تجلد، والطفل يُقطع؛ ويجلس في بيتو مطمئن على دينو”!..

أما قول ألوان في توثيقها على لسان  الأستاذ محمود: “أصالته تملي عليه أن يمضي في هذا الطريق إلى نهايته”، فليس صحيحاً على الاطلاق، وما جرى (كما بلغنا من شهود العيان) أن الأستاذ سأل الأخوان الأربعة: “هل إنتو بتعتبرو أنفسكم عملتو واجبكم المباشر؟” قال الأخوان: “نعم” فقال ليهم “إذن ترضو بالنتيجة”!..”أمشو وراء الله؛ إن خلاكم بي هنا خير ليكم وإن وداكم بي هناك خير ليكم”، حدثهم الأستاذ عن محاربة “الحسين” لمعاوية وعن “الحسن” الذي بايع وترك الحكم لمعاوية بعد أن قال قولاً ذهب حياً في الناس وجعل معاوية يندم لتركه الحسن يقول ما يشاء!..

أول “أسرى” أسرار ألوان:

اتفق الناس على أن العالم أصبح “قرية” صغيرة!، وقال البعض: “لا بل صار غرفة!”، وأحدث ما سمعت من الابن أمين صديق “المعيلق”: “العالم أمسى شاشة”، وأشار ضاحكاً إلى شاشة “الموبايل” الذي يحمله، ألوان أخطأت في اسم الأخ محمد سالم بعشر (أحد الأربعة مع الأستاذ محمود) فكتبته: “محمد صالح بشير”!، وتوافق الخطأ مع خطأ ورد في موقع السرداب السلفي، وموقع صيد الفوائد، ولا نزيد، وللذي يريد التأكد أكثر أن “يقوقل” موقع السرداب على الرابط: (http://www.alserdaab.org/articles.aspx? … cle_no=384)، ويبحث ذلك في موضوع “الحزب الجمهوري في السودان”..ولا نزيد، كما أننا (تأدباً) لا نتهم!.

سرها الثاني: “ألوان تناقض ألوان”!

كتبت ألوان في صفحتها الأولى الأربعاء 18 فبراير تحت عناوينها المثيرة “ألوان تكشف التاريخ السري للأخوان الجمهوريين – من خفايا تاريخ الجمهوريين”، وقالت بالنص: “ومن أسرار الفكر الجمهوري حكاية الكوادر الأربعة الذين سجنوا مع الأستاذ محمود وحوكموا معه ورضخوا قبيل أيام الاعدام للاستتابة فاستجابوا وأطلق سراحهم فيما ظل الأستاذ رافضاً للاستتابة حتى لحظة اعدامه المدوية في أخريات عهد نميري”، وفضح هذا الالتباس وعدم الدقة من ما يمكن كشفه بسهولة، وتركيزنا على قول توثيق ألوان غير المحايد الذي يقول عن الأربعة رفقاء الأستاذ: ” ورضخوا قبيل أيام الاعدام للاستتابة فاستجابوا وأطلق سراحهم”، فتاريخ الاستتابة ثابت بعد 18 يناير 1985 وقد تم يوم السبت 19 يناير 1985، والصور الفوتغرافية الموجودة تثبت أن الأخوان الأربعة حضروا وشاهدوا التنفيذ، كما تؤكد ذلك ألوان نفسها في توثيقها بتاريخ الخميس 19 فبراير 2015 صفحة “6” إذ كتبت: “فقد تم تنفيذ حكم الاعدام في الرجل في صباح الجمعة 18 يناير 85 بعد أن أخرج (الأربعة) لمشاهدة الموقف العصيب بأمر من مولانا فؤاد الأمين عبدالرحمن رئيس القضاء” ونكتفي بذلك ولا نزيد أيضاً!!..

سر آخر لألوان أكثر هواناً أمام الأدلة الموضوعية:

تقول ألوان الخميس 19 فبراير 2015 صفحة “6”: “وافق الأربعة على التوبة ووقعوا عليها بالمحكمة وأطلق سراحهم”، وتبني ألوان على كلامها هذا فتقول: “حتى شيوخ الجمهوريين وقادتهم ومثقفيهم (تعني “ألوان” أنهم وقعوا على صيغة الأربعة نفسها) وعلى رأسهم الدكتور عبدالله النعيم وعصام البوشي وعوض الكريم موسى ودالي والقراي والسيمت والنور حمد وبنات الأستاذ وفي مقدمتهم أسماء” (إنتهى التنصيص من ألوان)، الكلام الذي يخص “شيوخ الجمهوريين وقادتهم ومثقفيهم” وذكرته ألوان عارٍ من الصحة لسبب بسيط هو أن هؤلاء الذين ذكرتهم ألوان في توثيقها لم يوقعوا على شيئ، ولم يطلق سراحهم، لأنهم (ببساطة) لم يكونوا قيد اقامة جبرية ولم يكونوا معتقلين آنذاك (من النعيم إلى أسماء إلى عصام البوشي مروراً بعوض الكريم موسى ودالي والقراي والنور حمد)!!..

ليلة الخميس الشاتية والذكر: 

قالت “ألوان”: “في ليلة الخميس الشاتية بسجن كوبر التي توافق السابع عشر من يناير 1985 ظلت إدارة السجن من كبار الضباط ترقب في توتر حلقة ذكر يتوسطها الأستاذ محمود محمد طه المحكوم عليه بالاعدام ويدور حوله أربعة من تلاميذه وهم يرددون في صوت رتيب (الله الله الله)”، أول الدفوعات ضد هذا القول يكمن في أن النميري كان قد أذاع في نشرة الثالثة عصر يوم 17 يناير 1985 أنه سيتم التنفيذ في الأستاذ في العاشرة من صباح الجمعة 18 يناير 1985 وقد عم الخبر القرى والحضر، ومن البداهة أن الخبر وصل إلى إدارة كوبر، فعملت على عزل الأستاذ من أبنائه الأربعة في تكتم شديد قبل غروب شمس الخميس، هذه واحدة!، والثانية قول ألوان (تناقض نفسها): ” ومن أسرار الفكر الجمهوري حكاية الكوادر الأربعة الذين سجنوا مع الأستاذ محمود وحوكموا معه ورضخوا قبيل أيام الاعدام للاستتابة فاستجابوا وأطلق سراحهم”، فكيف يكون أطلق سراحهم “قبيل أيام الاعدام” ثم هم يتحلقون حول الأستاذ ليلة 17 فبراير 1985 أي قبل ساعات قليلة من تنفيذ الحكم صباح الجمعة، ثالث ما يرفع في وجه هذا القول، صحيح أن الجمهوريين يرفعون الذكر المفرد “الله الله الله” وهم في حلقة يكون في أحد أركان دائرتها الأستاذ محمود وليس في وسطها كما ادعت ألوان، وهم لا يدورون حول الأستاذ، وانما يذكرون وهم ثابتون في أماكنهم ولا يتحركون جائلين!، والأستاذ والجمهوريون كما هو معلوم يذكرون أحياناً كما ينشدون، وقطعاً لم تكن هناك حلقة ذكر في ذلك التاريخ، وهذا يكفي هنا!!..

قيادة عوض الكريم لمجموعة محمودية؟!:

قولاً واحداً ليست هناك مجموعة “محمودية” كما هو تعبير ألوان، أو لا “محمودية”، يقوم بقيادتها (بتنظيم أو بلا تنظيم) الشاعر والمفكر عوض الكريم موسى عبداللطيف (نقطة سطر جديد)!.. 

بشير بكار “حقيقة الموقف”:

العزيز (المرحوم) بشير عيسى بكار الدبلوماسي السوداني (المقال) هو الذي “صاح” في كوبر بالآية الكريمة “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم” كما ذكرت ألوان، وهو صحيح في السياق، ما ليس صحيحاً أن بكار لم يوقع على شيئ لا لأنه يرفض التوقيع، وإنما لأنه لم يدخل المعتقل وسُلَّم من رجال الأمن لحاج نور (أحد قضاة العدالة الناجزة) الذي جلس معه لفترة يناقشه في ما يرى ثم أطلق سراحه!..

النعيم وأسماء وعلمانية الحزب:

تقول ألوان في توثيقها المشار إليه، بعد أن ذكرت أن البعض ترك الفكرة إلى غير رجعة، والبعض اتبع مشائخ الجمهوريين (شيخ الجمهوريين – حسب الأستاذ – هو النبي صلى الله عليه وسلم): “والبعض صاروا علمانيين حتى النخاع مثل الدكتور عبدالله النعيم الذي تمثل المدرسة الأمريكية كمواطن تماماً فكراً وسلوكاً…والحزب الجمهوري الذي تحاول أسماء تسجيله هو من هذا المنبع وهذا السبيل”، فإذا صح حديث ألوان هذا عن الحزب الجمهوري في توثيقها الذي نحن بصدده، فلماذ رفض مسجل الأحزاب تسجيل الحزب بحجة أنه حزب عقائدي وطائفي؟!..

أما حديث ألوان عن دكتور النعيم فهو ينم (في زمن الانفجار المعلوماتي الآني – المعلومة بـ “نقرة” أصبع، وعم قوقل “قاعد” يترقب) أنها لا تعرف النعيم، وأطروحته عن “الاسلام وعلمانية الدولة” متوفرة وتحت الطلب، ولا تعرف تحديداً موقف النعيم من الحدود فكراً وممارسة، والنعيم موجود بكثرة وبقليل من الـ”قوقلة” يمكن أن تحصل عليه “طازجاً”، وهي أيضاً لا تعرف ما العلمانية؟!، و”بَسْ”!..

المستتابون الأربعة والفكرة الجمهورية:

تساءلت ألوان عن من أسمتهم المستتابون الأربعة، أين هم الآن؟!، ولن أتبرع بالاجابة نيابة عنهم لأشفي غليل ألوان وتوثيقها، ويمكنها كصحيفة، وهذا من صميم عملها الصحفي، أن تسعى لتجيبنا هي عن: أين هم الآن، والرزق تلاقيط كما يقول السودانيون، أما سؤالها الآخر: “وأين هم الذين استتابوهم”؟، فعلى ألوان أن تسعى أيضاً لتزيل حيرتها وحيرتنا أيضاً!..

سؤال بريئ:

لماذ لم تستطلع ألوان أصحاب الشأن (عبداللطيف، بعشر، تاج الدين، خالد) قبل انزال توثيقها هذا؟ ولماذا لم تسع إليهم للافادة في أمور تهمهم وهم أبطالها وشهود العيان فيها؟!، ولماذا ترجم بالغيب، والحقيقة “فركة كعب”، و”مفتاح سويتش ودواسة بنزين”، والحقيقة “رنة موبايل”، خاصة وهي تقول عن عبداللطيف “وهو الآن في ضعف شديد ومرضٍ أشد”؟!، فالذي سرب لها ذلك يستطيع أن يوصلها بعبداللطيف (أطال الله عمره وسدد عمله وأقامه عقلاً وبدناً وأحسن عاقبته في الدارين)..

** لقد حاولت ألوان جاهدة، أن تضع الجمهوريين في سرج واحد مع تنظيمي الشيوعيين والحركة الإسلامية، وتنسبهم إلى العمل السري، رغم علمها أن سبب السرية في عمل تلك التنظيمات مرتبط جذرياً بسعي التنظيمين للوصول الى السلطة ولو عن طريق الانقلابات، والمعلوم أن عمل الجمهوريين كان، ومازال، ولعله لن ينفك (على المدى المنظور) عن الانحياز لجانب التوعية لا السعي وراء كراسي الحكم!!..

* eisay@hotmail.com