خالد فضل " العمل السياسي الفعّال في مناسبة سياسية حاسمة كالانتخابات أو سمّها (التمديد للطغيان) يحتاج الى تحضير محكم ودقيق تتضاءل فيه نسبة الخطأ لأدنى حدود ممكنة ، فماذا أعددنا لحملة ارحل؟ "

حملة مقاطعة الانتخابات الأحادية التي يعتزم نظام الاسلاميين السودانيين اجراءها في شهر أبريل المقبل , تعتبر من وجهة النظر السياسية إحدى وسائل العمل السياسي السلمي ذي الصبغة الديمقراطية , من هذه الزاوية فهي تعدّ واحدا من الخيارات السلمية التي يحق للمعارضة ممارستها , ولكن تبدو المعضلة الرئيسة لممارسة هذا الحق الطبعي مصدرها طبيعة النظام الحاكم , وما إذا كان بوسعه تحمّل أي عمل سلمي جماهيري ديمقراطي ؟ الاجابة الواضحة جاءت من خلال الحملات الامنية الكثيفة والمنع والايقاف والمداهمات لبدايات هذه الحملة  والتي تبارت عناصر النظام في الوعيد والتخويف منذ البداية  واعتبار أنّ أي عمل لا يصب في خانة دعم هيمنة وسيطرة الفئة الفاسدة القاتلة الملاحقة جنائيا على المستوى الدولي يعتبر عملا عدائيا وتخريبيا يستوجب التعامل معه بهذا المستوى من التجريم.

 وإذا أخذنا في الاعتبار الصلاحيات والسلطات المطلقة التي يتدثر بها جهاز الأمن والمخابرات قبل التعديلات الدستورية الأخيرة , فإنّ أي نشاط انساني عادي يعتبر جريمة إذا تمت ممارسته دون اذن مسبق من الجهاز , ولا أدلّ على ذلك من الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي تقام داخل أسوار المراكز الثقافية والاجتماعية , نموذجا لها أنشطة مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي بأم درمان فقد شهدت ذات مرة إلغاء نشاط ثقافي بحجة عدم الحصول على ترخيص مسبق لذلك النشاط , بمعنى أوضح نعم يمكن منح المواطنين تراخيص لتأسيس مراكز اجتماعية أو ثقافية , وأنشطة هذه المراكز معلومة بالضرورة , ولكن مع ذلك يشترط الحصول على الأذن لممارسة النشاط الذي بموجبه منح المركز المعني الترخيص أصلا , فهل من حجر أكثر من هذا ؟ كان هذا قبل التعديلات الأخيرة , أمّا الآن فإنّ الوضع قد اختلف جذريا , إذ صار لجهاز الأمن كل السلطات بما فيها القتالية , وهي التي كانت من اختصاص القوات المسلحة , الآن صارت من مهام جهاز الأمن , وما دون ذلك بكل تأكيد من سلطات الاعتقال لآماد تتطاول وفترات تجدد , وتحقيقات وتقديم لمحاكمات وغيرها من سلطات النيابة العامة والشرطة والقضاء , صار جهاز الأمن يمارس سلطات وزارات المالية والخارجية والاعلام والشؤون الانسانية والعدل والثروة الحيوانية وديوان الزكاة واتحاد كرة القدم والسباحة والسياحة , تمدد جهاز الأمن واستحوازه على كل الفضاء الوطني جعله هو الحزب والدولة والحركة الاسلامية , ولا غرو فإنّ الامتداد الأفقي للمتعاونين مع الجهاز يمكن ا لجزم بارتياح بأنّهم كل المنتمين للحركة الاسلامية , والمنتسبين لحزب المؤتمر الوطني , وأصحاب المصالح والمنتفعين من السلطة من التجّار وأرباب الأعمال  الطفيليين, وصولا الى بعض مشائخ الطرق الصوفية , وبعض الفئات الاجتماعية المستضعفة والتي تهاب مجرد ورود اسم الأمن , مثل فئات اللاجئين الذين يتم استغلال بعضهم بالضغط والتهديد للتجسس ومراقبة مواطنيهم والمواطنين السودانيين الذين يقعون في دائرة عملهم أو سكنهم , ضف لهولاء بعض عناصر المستوعبين من الحركات السياسية  المسلّحة الذين يتماهون مع سلطة الاستبداد كإجراء نفسي تعويضي عن شعورهم بالهزيمة والخيانة لمواطنيهم وأنفسهم وأفكارهم , والفئة الأخيرة من أشدّ الفئات خطرا على أي تحرّك سلمي , لأنّ الاطاحة بالسلطة تعني لهم فقدان مصدر العيش والمال وفقدان القيمة الاجتماعية جراء الوصمة التي لحقت بهم نتيجة اشتراكهم مع من تعتبرهم حركاتهم السابقة ومواطنيهم (خاصة في الجنوب الجديد) مجرمين وقتلة . هولاء العملاء المتوقعين لجهاز الدولة والحزب والحركة الاسلامية (تقرأ جهاز الأمن )منتشرون بكل أسف في كل حي ومكان عمل وحافلة مواصلات ومسجد وخلوة ومكتب وجمعية خيرية وحتى جمعيات القرآن الكريم وأئمة المساجد , وهم بكل أسف ينحدرون من كل الاثنيات تقريبا بمن فيهم دينكا السودان , ومن مختلف المعتقدات , وتشمل الكجور .

     هل من الصواب الوضع في الحسبان قوة وجاهزية الخصم الذي نستعد لمنازلته , وتحليل مكامن قوّته جيدا والعمل من ثمّ على اضعافها أم مثل هذا الجهد قد بذل بالفعل ولكن نتائجه لم تعلن للجمهور؟ هل تم عمل تحليل ميداني وواقعي وذي مصداقية وعلمية لهبّة سبتمبر 2013م , أم تم اجترار حديث ملؤه الشجن في ذكرى شهدائها وجرحاها ومعاقيها , ما هو الأثر الظاهر والقوي للجنة التضامن مع كامل الاحترام لجهودها ومواقفها ونضالاتها , فتقديري الشخصي لها ولجهدها لا يعني ذيوع  أثرها على مستوى جماهيري , بل أكاد أجزم أنّ تسعة وتسعين بالمائة من مواطني قريتي في جنوب الجزيرة لم يسمعوا بلجنة التضامن ذاتها ناهيك عن جهودها , هذه وقائع وشواهد من الواقع ما من أكثر , ولذلك فإنّ عمل سياسي كبير وفعّال وفي مناسبة سياسية حاسمة كالانتخابات أو سمّها (التمديد ) للطغيان يحتاج الى تحضير محكم وفائق الجودة ودقيق تتضاءل فيه نسبة الخطأ لأدنى حدود ممكنة , مثل هذه الظروف بالطبع لا تتوفر فالمعارضة لا تعمل في بيئة  ديمقراطية وحرّة بل في الواقع المعارضة تعمل من تحت الأرض وطبيعة العمل السري تقتضي متطلبات غير العمل العلني , وجهاز الدولة وامتداداته والتي يشملها كلها جهاز الأمن هي صاحبة الصيت الأعلى والامكانيات الأضخم والقدرة على التأثير والترغيب والترهيب بما لا يقارن مع امكانات المعارضة التي لا تمتلك مجرد قناة فضائية أو اذاعة موجهة تبث من خلالها أدبياتها وأفكارها وأطروحاتها لتجذب الجمهور من غير المنتسب لفئات السلطة وأجهزتها , وهذا بطبيعة الحال ينعكس في تفاعل غالبية المواطنين مع أطروحة المقاطعة وشعار أرحل , مع ما يشوبه من غموض في كيفية التنفيذ , فكيف يفهم مواطن في بادية الكبابيش أو صياصي الشرق أو آبار التنقيب الأهلي عن الذهب , هذه الادبيات ؟ إنّ كثيرا من المواطنين والمواطنات خاصة في المناطق الريفية لا يفقهون من شؤون الانتخابات الا ما يرشدهم اليه الشيخ أو الناظر أو رئيس اللجنة الشعبية على أقلّ تقدير , أعمل /ي علامة كذا أمام الشجرة أينما وجدت على ورقة الترشيح وانتهى الأمر . كيف يمكن لمثل هذا المواطن /ة حمل ورقة ثانية عليها (أرحل) ومن أين له بها ؟ أم هذه الخطة حصرية على المتعلمين والناشطين والمنتسبين للأحزاب المعارضة أو قوى نداء السودان بمنظمات مجتمعه المدني ؟ كم تبلغ نسبة هولاء ومدى تأثيرهم الفعلي على الشارع ؟ونفوذهم وصيتهم واعلامهم  في واقع يغلق فيه جهاز الأمن كل بؤرة ضوء ويحطم في أي أساس مدني , ويزيد من تشوين آلته الحربية وتدريبها وتسليحها لوأد أي تحرك سلمي جماهيري في المدن والقرى , ولا يخفى الأدبيات الدينية والعنصرية ومفردات التهوين والحط من الشأن واغتيال الشخصية الذي تمارسه يوميا أبواق الاستبداد عبر أجهزة الاعلام الممولة بالكامل من موارد الشعب وأمواله , فهل تم عمل دراسة جدوى واقعية وتحليل لكل الهبّات السابقة منذ احتجاجات الطلبة الشهيرة في منتصف التسعينيات وعلى أيام نشاط وحيوية وقوة التجمع الوطني الديمقراطي , كذلك المناخ الاقليمي والدولي , والانشغالات الاعلامية العالمية وغيرها من وقائع وملابسات , آخذين في الاعتبار أنّ عناصر النظام وأجهزته بالمرصاد لكل حركة مهما كانت ضئيلة , وفرص السلطة ضاقث بالفعل الى حد الحراسة الأمنية فقط إذ لا فكر ولا طرح سياسي مبتكر ولا مصداقية قد بقيت لعناصر النظام وخطابه السياسي , ودغدغته للعواطف الاسلامية, نظام هذه معطياته لا يتورع في ارتكاب أي كبيرة ولو كانت ازهاق أرواح مئات الآلاف , فهل هناك حماية كافية للتحرك السلمي أم يترك الموضوع لكل فرد وتصرفه ؟ هذه رؤوس تساؤلات نرجو أن تجد حظّها من النقاش الموضوعي والوصول الى ما يطمئن بالفعل أنّ العمل هذه المرة جد مختلف , ويبقى شعار أرحل شعارا محببا للملايين دون شك وغالبية السودانيين ساخطون علي القمع والاذلال ,ولكنهم مع ذلك يحتاجون الى قيادات ملهمة تأخذهم الى طريق الخلاص , وهذا الدور أي القيادة أهل له القوى الموقعة على نداء السودان دون شك ,اذا أحكم العمل, فهل نأمل في غد أكثر اشراقا لبلادنا وشعبنا أم هي مجرد تمنيات ودعوات تعوزها الآليات ؟ويبقى صديقنا مظفر النواب ملهما :لأنّ الثائر لا ييأس من دفع الصفر بوجه الليل .