إذا كانت هناك انتخابات ديمقراطية في بلد ما، بمعنى وجود تنافس حر ومشاركة واسعة فإن الوضع الطبيعي هو ان يحبس "الحزب الحاكم" أنفاسه خوفا من نتيجة الانتخابات لأنها بطبيعتها "امتحان عسير" 

وربما تفقده السلطة كليا أو جزئيا، وفي المقابل تكون المعارضة متشوقة للسباق الانتخابي أملا في التغيير لصالحها، ويكون الشعب متفاعلا بقوة مع العملية الانتخابية لأنها فرصته الثمينة لاختيار من يحكمه.

ولكن في “سودان البشير ” الأمر مختلف تماما، حيث الانتخابات بالنسبة لحزب “المؤتمر الوطني”  “امتحان مكشوف”! مضمون النتيجة! الكل زاهد فيها ومعرض عنها، والوحيد المتشبث بها هو “الحزب الحاكم” لانها ليست سوى “تمديد قسري” لحكمه الفاسد المستبد، الفاقد للشرعية.

ولذلك لم تعد المعارضة بحاجة لأن تتحدث كثيرا عن أن قيام الانتخابات يجب ان يسبقه وقف الحرب وتوصيل الإغاثات الانسانية لمن يتضورون جوعا في مناطق النزاع وهؤلاء يصل عددهم الى ملايين البشر، وهم مواطنون سودانيون محرومون من أساسيات الحياة، ثم الغاء القوانين المقيدة للحريات وإطلاق حرية التعبير والتنظيم لتمكين الشعب من ان يقول كلمته، وإجراء الإصلاحات اللازمة لتحويل البيئة السياسية والقانونية في البلاد إلى بيئة معافاة تصلح لإقامة انتخابات ذات مصداقية، وهو ما يتطلب قيام حكومة انتقالية قومية  تشرف على العملية الانتخابية، التي يجب ان تكون تتويجا لمشروع وطني متفق عليه للسلام الشامل والتحول الديمقراطي، مشروع ناتج عن حوار وطني حقيقي يمثل كل القوى الفاعلة في الساحة السياسية،

لم تعد المعارضة في حاجة لترديد كل ذلك كي تقنع الشعب السوداني بأن ما يدور في البلاد الآن ليس انتخابات بل هو مسرحية هزلية تخص “المؤتمر الوطني” ورئيسه الهارب من “محكمة الجنايات الدولية”.

فالشعب السوداني مدرك تماما أن هذه الانتخابات لا تعنيه من قريب أو بعيد، وان نجاح العملية الانتخابية في 12 أبريل 2015 هو جائزة للمؤتمر الوطني ورئيسه، لذلك أصبحت الاحتجاجات المطلبية في كثير من أقاليم السودان تهدد بعرقلة أو منع قيام الانتخابات كوسيلة للضغط على الحكومة! ففي القضارف هدد المحتجون على قطوعات الماء بعرقلة الانتخابات! كما هدد المناصير الحكومة بذات الشيء إذا لم تف بمطالبهم! أما موسى هلال مؤسس مليشيات الجنجويد فهدد الحكومة بأن ينسف الانتخابات في ولايات دارفور في حال عدم تنفيذ الحكومة لاتفاقها معه! لا أحد يقول لو لم يفعل “المؤتمر الوطني” كذا وكذا فإننا سوف نسعى لهزيمتة في الانتخابات! لأن الجميع يعلم ان النتيجة محسومة سلفا وليست هناك انتخابات ولا يحزنون!

والجميع، الأخيار والأشرار يدركون ان أكثر عقاب موجع لنظام البشير هو حرمانه من “حلاوة انتخابات” هذه! وبهذا تكون المسرحية انتهت قبل ان تبدأ!