عبد الله الشيخ إستوقفني شريط فيديو يوتيوب ، يظهر فيه  أحد "الدعاة " فى الصعيد المصري  وهو يستطلع رجالاً و نساءاً، 

من مختلف الأعمار ، والغريب أن ذلك الملتحي ، بطل الشريط وصانعه ، ظل مُمْسِكاً ببرودة أعصابه ، لم يبدر منه أي شيئ ينبئ بتعكُّر المزاج، حين وجد كل الذين استطلعهم، لا يحفظون سورة الفاتحة، و لا يعرفون إسم النبي محمد، عليه الصلاة والسلام ، لأن إسمه عِندهم هو ” النبي” ، وبس..! 

 ولو كان هذا الشريط مُسجلاً فى مجاهل أفريقيا ، أو عند كهوف التبت أو الهند، أو قرى آسيا المنسية ، لقلنا أن حاجز اللّغة ــ العربية ــ  هو السبب في  عدم إلمام بعض أهل الصعيد المصري، بما هو معلوم  من الدين بالضرورة..! ولكن ذلك يحدث في الصعيد المتاخم لشمال السودان، والذي يعتبر حاضناً لجماعات الإسلام السياسي وللفرق السلفية والدّاعشية ” الناجية”،،بل هو حاضنة النشاط و نقطة الإرتكاز العسكري و الإنتخابي أيضاً، إذا جاد الزمان على تلك الصحارى بصناديق خشبية..! ساعتها، يظهر الجّماعة “لابسين توب النبي”، ويقدمون أنفسهم لتمثيل المحجّة البيضاء و يروجون بين أولئك الغلابة، كافة أكاذيبهم و أقوالهم القطعية، التي هي أقصر الطرق نحو السُّلطة، وبعد الوصول الى هناك، لا يقنعون أبداً ، من تسخير ذلك الجهل بأحاييل شتى، نعرفها هنا في السودان أكثر من غيرنا،، لا بل، نعرفها أكثر ممّا يعرفها إسلام بحيري، وعبد الفتّاح السيسي..!

 ذكرنى فيلم مصاورة الصعيد هذا، بالحال السائد عندنا فى قرى كثيرة، في شمال ووسط وغرب وشرق السودان، ولكني هنا سأتحدّث عن قرى بالشّمال، الذي يُفترض عند بعض التحريريين، أن يكون محفوفاً  بالعناية و الرعاية الإنقاذية..! في تلك البلاقع ،كم مِنْ “جبْوبْتَنْ لينا” ، وكم كم مِنْ أجدادنا العُظماء، الذين إذا سئلوا  ققالوا إنهم مسلمون، ولكنّهم لا يحفظون “الحمدو” ، ومثلهم  مثل مثقفي الوعاء الجامع الذين لا يرون فرقاً ابداً، بين مصطلحي الإيمان و الإسلام.. مع ذلك، كانت حبوباتنا، وكان أجدادنا ، يُصَلّون ويحرصون عليها ، ولا نعرف على وجه الدِّقة، الآيات التى تُتلى في صلواتها، وإن قد سمعنا،  أن بعضهم،كان يُناجي: ” الصلاة صلاتك و الواطه واطاتك”..! حتى هذه اللّحظة ، يمكنك أن تلتقي برجل أو إمرأة ، و هو فى عمر الخمسين ، ممّن فاتهم  قطار التعليم ،ر لم يستحصد شيئاً من علوم دينه، إلا نذراً اختطفه من مايكروفون الجامع ، أو من ندوة في  ليلة سياسية.. ومِن أسفٍ ، فإن تلك الليالي، ضررها أكثر من نفعها، إذ لا يُسمح  بها، في هذا الزمن اللئيم ، إلا لأُخوة التُّراب المتمكنين بالسلطة والجاه، والذين جعلوا كل همهم فى الحياة ، تقصير ظل الإسلام الوسطي المُتسامح.. هذا الفيلم  الصعيدي / التصعيدي، الذى أحدثكم عنه هنا، ينقل صورة آنية  لمستوى الوعي بالدين بين أهل حضارة وادي النيل..!ومعليش، فالحكاية وما فيها،  أن “أوقافنا” مشغولة بتحصيل العوائد، وباسترجاع  ما ابتلعته بعض كروش القائمين عليها، ولذلك لم تجد “أوقافنا” متسعاً  لنشر مبادئ بسيطة، من فقه العبادات و المعاملات، لكنّها ولله الحمد تستطيع فعل الحشد…! و لولا أن الدنيا مهدية، مثلما كانت منذ أكثر من مائة عام، فقد كان بإمكان ــ العبد لله ــ أن يُتْحِفكم بتسجيلات من عمق الريف، تُبرِز لكم  حقيقه تقصير النخبة كلها فى حق نفسها وفي حق رعيتها.. ولا تذهبوا بعيداً  في الاصقاع ، فهنا عند أطراف الخرطوم ، أسألوا اليتامى، ستجدون أكثرهم يعرف الترابي، ولا يعرف التّيمُم..!