الظلم الذي يتحدث عنه د. حسن مكي، لا يكفي لتبرير العنف  تلك البشاعة تنبع من "النظرة الرومانسية لقضية الخلافة"! ألم يأتك نبأ المنشور الداعشي حول "سبي ومواقعة النساء المسترقات"؟   

بابكر فيصل بابكر

في حوار أجراه الأستاذ بهاء الدين أحمد السيد و نشرتهُ صحيفة “الوفاق” الأسبوع الماضي سُئل الدكتور حسن مكي عن الأسباب التي أدت لإنتشار الحركات الإسلامية العنيفة في كثير من دول العالم بهذه الصورة الكبيرة, فأجاب بالقول : (  الظلم ، وسفك الدماء، والقتل ، الذى تعرض له الأفغان والعراقيين ،أدى الى ردود فعل وإستجابة من هؤلاء ،ومعلوم أن الظلم يؤدى الى إستجابة ).

ثم سئل السؤال التالي : هل تعاني داعش من ضلال فكري ؟ فأجاب (هي رد فعل كما ذكرت . لذلك لايمكن أن يقول أحد مثلاً أن المك نمر كان يعيش في حالة ضلال فكرى حينما أحرق اسماعيل باشا وهو مسلم مثله).

وعندما إستدرك المُحاور بالسؤال التالي : ربما يفهم القارئ من هذا السياق كأنك تبرر قيام داعش ؟ فأجاب قائلاً ( بالطبع هناك مسوق وهو الظلم ،والغزو والفساد، وسفك الدماء ،وإهدار دم المجتمعات المسلمة، لذلك من الطبيعي أن تظهر حركات عنيفة ). إنتهى

يستعجبُ المرء ويُصاب بالدهشة عندما يستمعُ لهذه الإجابات “الفطيرة”, خصوصاً وهى تصدر عن رجُلٍ “أكاديمي” تطلق عليه أجهزة الإعلام كثيراً من الألقاب “الجزافية” من شاكلة “الخبير في القرن الإفريقي”, و”المفكر الإسلامي”, وهى إجابات سطحية لا تصمدُ أمام التشريح والتحليل, ويُمكن أن يقول بها أية إنسان إلا من يحملُ على كتفيه “أثقال” تلك الالقاب عن جدارة.

بداية نقول أنَّ الظلم الذي يتحدث عنه الدكتور حسن مكي لا يكفي ليكون مُبرراً لبروز ظاهرة العنف الديني التي تساهم في تشكيلها عوامل نفسية و سياسية وإجتماعية وإقتصادية,والأهم من ذلك فكرية عديدة, فالعنف ظاهرة معقدة ومركبة , ولا يُمكن بأية حال من الأحوال ردَّه لسبب واحد.

وكذلك فإنَّ الإدعَّاء أنَّ الجماعات المتطرفة هى مُجرَّد”رد فعل” أو إستجابة للظلم الواقع على مُجتمع أو جماعة ما, لا تسنده شواهد تاريخية, أو آنية, فهل هناك ظلم وقع على شعب أكثر من الشعب الفلسطيني ؟ ومع ذلك لم تقم المقاومة الفلسطينية بحرق الأسري أحياء أو تذبحهم مثل الخراف على طريقة داعش.

لقد وقعت في جنوب السودان مظالم كثيرة, وقد حصدت الحرب أرواح أكثر من مليوني مواطن جنوبي ومع ذلك لم تتكون في الجنوب جماعات مثل القاعدة وداعش, تذبح وتحرق, وكذلك وقعت مظالم كثيرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على دول أمريكا اللاتينية ومع ذلك لم يلجأ هؤلاء لممارسة هذا العنف وهذه البربرية.

العامل الحاسم و الأهم الذي يقف وراء هذه الممارسات البشعة هو العامل “الفكري”, هو التفسير الخاطىء والمغلوط لمفهوم “الجهاد”, والنظرة الرومانسية الحالمة لقضية إستعادة “الخلافة الإسلامية”, والإلتباس في تعريف مفهوم “الأمة الإسلامية”, وكذلك علاقة المسلم “بالآخر” المُختلف, وغير ذلك من القضايا.

هذه الجماعات تعاني بالفعل من “ضلال فكري” و “إغتراب زماني” جعلها تحلمُ بإستعادة الماضي ليتحكم في الحاضر بصورة بلهاء, يسيرون عكس إتجاه التاريخ, ومع ذلك لا يعدمون سنداً من القرآن والسنة النبوية والفقه والفتاوى التي تبرر كل ممارساتهم الوحشية, وهذا هو مربط الفرس.

إذا كانت هذه الحركات ظهرت كرد فعل للظلم, فلماذا تظلم الأبرياء بهذه الصورة البشعة, لماذا توجُّه سياطها وسكاكينها ونيرانها نحو العُّذل من الصحفيين وعُمال الإغاثة والأطفال ؟ لماذا تقتل 12 شاباً بريئاً عقاباً لهم على مشاهدة مباراة كرة قدم ؟ أىُّ “مسِّوق” يا دكتور حسن مكي تتحدث عنهُ يُبرِّر هذا الجنون ؟

إنَّ محاولة إلقاء اللوم على جهات خارجية بتحميلها مسئولية ظهور هذه الحركات المتطرفة يمثل هروباً من مواجهة الأسئلة الصعبة والحقيقية, فهذه الحركات لم تهبط من السماء, بل خرجت من عباءة فتاوى “إبن تيمية”, وكتب الفقه العتيقة, والقراءة الخاطئة لنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية, وبشرَّت بقدومها خطب الوعاظ الذين يُعبئون الشباب في المساجد وعبر أجهزة الإعلام,ومهدَّت لها مناهج التعليم المتعصبة.

إنَّ أكثر ضحايا داعش – يا دكتور حسن – ليسوا من الجنود الأمريكيين بل هم المسلمين الأبرياء الذين فرضت عليهم هذه الجماعة في مناطق سيطرتها أحكاماً وقوانين في غاية التخلف, أمَّا المسيحيين والأيزديين الذين عاشوا على هذه الأرض لمئات السنين فقد صارت أجسادهم ورقابهم تحت رحمة هؤلاء التتار الجدد.

على الدكتور حسن مكي ومن يُشاركة الرأي أنَّ “الظلم” هو الدافع الحقيقي وراء ظهور هذه الجماعات المتطرفة أن يُخاطبوا الجذور “الفكرية” للمشكلة بدلاً عن الهروب للأمام بإلقاء اللوم على جهات أخرى.

عليهم أن يصدحوا برأي فكري واضح حول “العُهدة العمرية” التي باتت تُمثل مرجعية داعش في معاملة غير المسلمين, عليهم أن يُجاهروا برأي صريح في فتاوى بن تيمية وعلى رأسها فتاوى “ماردين” و “التترُّس”, عليهم أن يناقشوا الأحاديث التي تُبيح “حرق” البشر أحياءً, وعليهم كذلك تفسير “آية السيف” بطريقة مخالفة لما تقول به هذه الجماعات, وهُم أيضاً مطالبون بنقد مفهوم “الخلافة الإسلامية” الذي تنادي به هذه الحركات.

أفراد هذه الجماعات – يا دكتور حسن – هم إخوة “جُهيمان العُتيبي” و “شكري مصطفى” و “محمد عبد السلام فرج”, هم ليسوا ردة الفعل على “الظلم الخارجي” , ولكنهم الأبناء الشرعيون لمدرسة “فكرية” منغلقة ومتعصبة, فالذي يخرجُ منافحاً ضد الظلم لا يُمكن أن يستعبد خلق الله الذين ولدوا أحراراً أو يستمتعُ بمجامعة أو “وطء” (بحسب لغتهم) النساء المُكرهات, ألم يأتك نبأ المنشور الداعشي الذي يحتوي على ( أسئلة وأجوبة حول سبي ومواقعة النساء المسترقات ) والذي يُبيح “شراء وبيع وإهداء” النساء في أسواق “النخاسة” ؟

الذي يخرجُ منافحاً ضد الظلم والعدوان لا يُمكن أن يُجنِّد “الأطفال” الذين لم يبلغوا العشرة أعوام من العُمر في صفوف القتل والذبح والتنكيل, ولا يمكن كذلك أن يختطف مئات “البنات” القاصرات “ويبني” (بحسب لغتهم) بهنَّ و يستخدمهن “كجواري” للمتعة الجنسية كما فعلت “بوكو حرام” في نيجيريا.

لقد كافح شعب الجزائر ضد الإستعمار الفرنسي لأكثر من مائة عام, وقدَّم “مليون” شهيد في معركته العادلة ضد “الظلم” ومع ذلك لم يُمارس هذه الممارسات البشعة التي تقوم بها هذه الجماعات المتطرفة, وكذلك قاوم “مانديلا” ورفاقه الأبرار نظام الفصل العُنصري في جنوب أفريقيا وكان أحد أعتى الأنظمة التي مارست الظلم ضد “البشر” بسبب لون بشرتهم, ومع ذلك لم يتحولوا “لجزارين” يستمتعون بقطع رقاب الناس في شواطىء البحار, أو حرقهم أحياء في الأقفاص حتى يصيروا رماداً تذروه الرياح.

قد شهد السودان في حقبة التسعينيات من القرن الماضي حوادث إرهابية غير مسبوقة, وذلك عندما قام شخصان متطرفان ( الخُليفي وعباس الباقر) بمهاجمة مسجدين بأحياء الثورة والجرافة بأمدرمان, فقتلوا وجرحوا العشرات من المصلين الأبرياء, فهل كان ذلك أيضاً – يا دكتور حسن – بسبب “الظلم” الذي وقع عليهما (الجناة) ؟ أم أنهُ الضلال الفكري الذي بسببه تحولَّت بيوت الله الآمنة لساحاتٍ للقتل والذبح وإهدار الدماء ؟

من أكبر المناقص التي تضعف بحث الظواهر الإجتماعية والسياسية محاولة النظر إليها و تحليلها من خلال المنظار “الآيديولوجي”, ويستغرب المرء كثيراً عندما يرى شخص أكاديمي مثل الدكتور حسن مكي يُسقط تحيزاته الآيديلوجية في محاولة تفسير ظاهرة العنف فيُعزيها فقط “للظلم” الذي تعاني منهُ المجتمعات الإسلامية, ويعجز عن البحث في العوامل “الذاتية” التي تمثل الأسباب الحقيقية وراء إنتشار تلك الظاهرة.

قد بذل المحاور النابه الأستاذ بهاء الدين جهداً كبيراً في محاولة إستنطاق الدكتور حسن مكي ليقول بأسباب أخرى وراء ظهور الجماعات المتطرفة فلم يظفر منهُ سوى بسبب واحد هو “الظلم” وبمثال في غاية الإدهاش وهو “حريق المك نمر لإسماعيل باشا” وكأنهُ يستدعي تلك الحادثة ليُبرِّر بها حرق داعش للطيار الأردني معاذ الكساسبة, مع أنه لا يوجد رابط بين الحادثتين سواء من ناحية الدوافع أو السياق التاريخي.

إنَّ ظاهرة العنف الإسلامي المتنامية ليست في حقيقتها مُجرَّد “رد فعل” لعدوان “خارجي” بل تقف وراءها أسباب “داخلية” عديدة يأتي في مقدمتها إنتشار التيار الفكري السلفي المنغلق, الذي يستند على القراءة النصية الظاهرية للمصادر الإسلامية ( القرآن الكريم والأحاديث) إضافة لتبني الآراء و الفتاوى الفقهية المنقولة منذ العصور الوسطى دون إعمال أية نوع من الإجتهاد , أو مراعاة حقائق العصر.

وإنَّ أية محاولة لتبرير الممارسات الوحشية التي تقوم بها هذه الجماعات لن تؤدي إلا للمزيد من تعميق هذه الظاهرة وتوسيع رقعة إنتشارها , وسيكون الخاسر الأول منها هو المجتمعات الإسلامية وليس أحدٌ سواها, ذلك أنها ستواصل الضرب على وترالخلافات الفكرية و المذهبية, ولن تتأذى منها الدول التي يتهمها الدكتور حسن ومن يلف لفَّه بالعدوان على المسلمين, فهل يا ترى أطلقت هذه الجماعت طلقة واحدة تجاه إسرائيل ؟