خالد فضل "من جملة راتبه خلال أربع سنوات 440 الف دولار , عاش موخيكا ب40 ألف منها، ووزّع ال400على جمعيات النفع العام من تشغيل للشباب ومكافحة للفقر ورعاية للفقراء والمحتاجين ,مع ذلك لم يمتن موخيكا على شعبه!!"

على مدخل كبري الجريف المنشية قرأت لوحة دعائية في اطار التمثيلية السمجة المسماة انتخابات في السودان , اللوحة تدعو لترشيح البشير باعتبار ذلك مدعاة لخير وفير , لا أدري إنْ كان من خطّ تلك العبارة جاد أم هازل , أحيانا تجد بعض الأشياء وكأنها وقعت بالصدفة لكنها تعبر في الواقع عن ضدها , أو تتوافق تماما في بعض الأحيان , من ذلك صورة نشرها أحد الأصدقاء على حائطه بالفيسبوك لحافلة ركاب في الخرطوم يحمل زجاجها الخلفي ملصق دعائي كبير لعمر البشير مرشح الرئاسة بعد ست وعشرين سنة من الرئاسة المستدامة , المهم تحت الملصق الدعائي, كان صاحب الحافلة قد خطّ على حافلته مسبقا الآية القرآنية ( وما للظالمين من أنصار) فتطابقت الحال , ومما يروى على أيام أوكامبو أنّ الأمن قد اعتقل سائق امجاد صدف أنّه كتب على سيارته مقطع اغنية مشهورة ( راحت عليك) وبجوارها تم الصاق صورة عمر البشير, ولا أدري مصير صاحب حافلتنا الآن في الغالب سيكون قد تعرّض للمساءلة الأمنية فنحن في بلد تحكمة فئة مستبدة معقّدة مهزومة نفسيا جراء المظالم والجرائم التي اقترفتها في حق الناس والوطن , تحسب كل صيحة عليها وتنظر الى أي عمل ولو عفوي بأنّه مهدد لبطشها واستبدادها , في الأيام الفائتة تم اعتقال أحد شباب مدينة الدندر لأنّ نادي الوطن في تلك المدينة الريفية الوادعة قد أقام اسبوعا ثقافيا درج على اقامته كل حين , حجة الاعتقال أن ذلك العمل الثقافي يعتبر تدشينا لحملة ارحل التي تقودها قوى المعارضة , أفرأيت كيف هي حال الخير الوفير الذي ينتظر السودانيين على يدي رئيسهم المنتخب السابق واللاحق عمر البشير !

     يوم الأحد الماضي , كان رئيس الأرغواي المحبوب خوسيى موخيكا يسلم مهام الرئاسة لخلفه المنتخب , دستور تلك البلاد اللاتينية حدد مدة الرئيس بفترة واحدة لا تجدد . البعض طالب بتعديل الدستور ليتمكن موخيكا من الترشح مرّة أخرى لكنه رفض تلك الفكرة , لأنّه رئيس منتخب من الشعب وابن للشعب وجزء من الشعب , لم يكذب ولم يسرق السلطة بخداع وغش وتآمر مع شيخه الغشّاش بالدين , لم يمتلك موخيكا مزرعة في مشروع زراعي بعاصمة بلده تدر عليه مليار ونصف سنويا بعملة بلاده , ومنزلا بحي نما من سحت , يزيّنه مول تحته دار عبادة بجامع المتاجرة في الاثنين , لم يزهق موخيكا أرواح مئات الآلاف من أبناء شعبه في حروب الابادة والتطهير العرقي , لم تغتصب الحرائر في عهد موخيكا وزعم أنّ في ذلك شرف لهنّ , لم يقل موخيكا إنّه لا يريد أسيرا ولا جريحا في حروبه الأهلية , ولم يعيّن واليا شعاره أكسح أمسح ما تجيبو حي , موخيكا المنتهية ولايته قبل اسبوع في الأرغواي , عاش مثله مثل أي مواطن في بلده , سكن منزله القديم مع زوجه , يعد الشاي ووجباته بيديه ويذهب لمكان عمله في القصر الجمهوري بسيارته الفولكسواجن موديل سنة (دو) ومن جملة راتبه خلال أربع السنوات 440 الف دولار , عاش موخيكا ب40 ألف منها ووزّع ال400على جمعيات النفع العام من تشغيل للشباب ومكافحة للفقر ورعاية للفقراء والمحتاجين , مع ذلك لم يمتن موخيكا على شعبه بكباري مضروبة وشوارع منهوبة وكهرباء مسروقة وجامعات ملعوبة يدخلها الطالب بربط عصابة حمراء على جبهته تقيه همّ الكد والسهر ونصب الدرس والمذاكرة , يجلس لامتحانات الجهاد التي يشترط فيها على المدرس أنْ ينجح كل من سجّل اسمه فيها وإنْ لم يجلس لها أساسا , موخيكا سادتي انتهت ولايته المحددة بالدستور , فلم يتصد لنواب برلمانه بالوعيد , أجيزوا التعديلات دون مجمجة و لم يكرس السلطات في يديه ولم يستعن بجنجويد أورغواي ليحلوا محل الجيش الوطني والشرطة والنيابة والقضاء وكل شؤون الدولة , موخيكا لم ينتم لتنظيم دولي للارهابيين منذ أن كان طالبا بالثانوي ولم يبايع والده مؤسس ذلك التنظيم الارهابي , ثم جاء مؤخرا ليتنكر له , موخيكا لم تكن حملته الدعائية بوعود سوق شعب اورغواي الكافر الى (جنّة عرضها السموات والأرض) , ولم يقل لمزارعي مشروع زراعي سابق في بلاده أنهم يحتاجون لبناء جراجات لسياراتهم ,بعد أن خرّب البنية التحتية لذات المشروع ودقّ جرس الدلالة في ممتلكاته في حصاحيصا أورغواي وبعد أنْ قالت لجنة د. عبدسلام اورغواي أنّ فسادا مؤسسيا وراء دمار ذلك المشروع !! لا سادتي موخيكا عاش رئيسا نبيلا , لم تتهمه محكمة جنائية دولية بتهم مخجلة ضد شعبه , ومع ذلك فقط اكتفى ب4سنوات غير قابلة للتجديد , ولأنّ أسورة الدهب موجودة في كل مكان فقد حاول بعض أسورة دهب اورغواي تسويق التجديد لموخيكا لكنه انسان يعرف قيمة القيادة ومغزى الريادة والقدوة , فاوقفهم عند حدّهم شاكرا جهدهم ملتزما بدستور بلاده , مؤكدا أنّ الأورغواي التي أنجبته ستنجب من هم أفضل منه دون شك , إنّه شديد اليقين بشعبه وبحوائه الولود , فلم يردد بلاله وزير اعلامه ودقيره مساعده وتابيتته وزيرة دولته وعثمان عمره وزير تجارته وسيسيه رئيس سلطته الانتقالية في دارفور اورغواي , الا بديل لموخيكا الا موخيكا ! وعلى مدخل كبري دخله عطب بسبب الجقور ولم تمض على انشائه سوى بضع سنوات توجد لافتة دعائية لترشيح البشير من أجل الخير الوفير ! وأنعم به من خير ذاك الذي هلّت بشائره بقيام حزبين متزامنيين للعدالة والتحرير , وبمجزرة الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل على أعتاب التعلق باستار الاستبداد وسلطة الاذلال , بينما الرمزان الكبيران فاروق أبوعيسى وأمين مكي مدني يحاكمان فتأمل في الخير الوفير , وأعد التأمل في مأثرة موخيكا يأتيك الخبر اليقين .