د.ناهد محمّد الحسن بعد سنوات من العمل في مجال الطب النفسي ورؤية المئات يعانون من مشاكل الإدمان على الكحول وغيرها.صرت انظر الى تلك العلاقة بين الفن والخمر بالكثير من الإسترابة.

فهنالك الكثير من الإسباب التي تدفع البعض لمعاقرة الخمر وأهمها بالنسبة لي تلك الرغبة في التطبيب الذاتي من أعراض القلق والإكتئاب . حيث يلجأ مريض القلق او الإكتئاب او المصاب بأي من هذه الأمراض للخمر كوسيلة للتخفيف من أعراض مرضه..والحقيقة إن الخمر لها أثر سيء على مستقبل هذه الأمراض  اذا انها تسبب القلق والإكتئاب والذهان وغيرها.

كتب العرب عن الخمر والشعر متفاخرين بقدرتهم على شراء اجود الأنواع وشراب أكبر الكميات من الكحول دون أن يؤثر هذا على سلوكهم الشخصي من كرم وغيره. وربما يعد أبونواس من أشهر من كتب عن الخمر ..ومن ذاك ميميته المشهورة التي ألقاها في حضرة الخليفة الأمين:

(ملكٌ أغرُّ إذا شربتَ بوجهة لم يَعْدُكَ التبجيلُ والإعظامُ/إنّ الذي يرضى الإله بهديه مَلَكٌ تردّى المُلكَ وهو غلامُ). وابونواس كتب عن الخمر كما لم يكتب عن الحبيبات (لا تبكِ ليلى ولا تبك إلى هند واشرَب على الورد من حمراء كالورد). وكما وردت الخمر في شعر ابونواس معلنة فلسفته الشخصية ورؤيته للحياة..تبرز الخمر عند عاطف خيري الشاعر السوداني المرهف كمحاولة للإستطباب من حالة القلق ومن معاناة الرؤية والإستبصار..فميلاد القصيدة عند عاطف تجربة معاناة عميقة تغص بالرؤى والخيالات..تتزاحم فيها الأفكار والأخيلة الى درجة انك تشعر أحيانا بتطاير الأفكار..إن مزاج عاطف وحالته الوجدانية يرسمان خطوط الفرح والحزن على رؤاه.. (يا هدهد قيام / من السما الأول قيام/ من السما السابع قيام/ وأنزل مسافة تهبشك غنوة وأناولك كاس).. فهل هكذا تعود عاطف ان يعالج هدهده كما يعالج ذاته بالشراب؟! الهدهد في سينايو اليابسة ليس مجرد طائر ينقل الأخبار بحياد..ولكنه كائن مورّط في الكشف والبصيرة..وهو كعاطف نفسه يعي ورطة الحياة والقيامة (كل المجرات النيازك / والشُهُب/ ودع راميهو الله على السما/ والدنيا زار ).. والخمر عند عاطف ..شيء يساعد على الرؤية كما يخفف أوجاعها..( ﻣﻌﺘﻮﻗﺔ ﻭﻣﻌﺘﻘﺔ ﻭﻣﻨﻌﺘﻘﺔ/ ﻧﻮﺍﻓﻴﺮ ﺇﻧﺘﺸﺎﺀ /ﻭﺣﺸﻤﺔ/ ﻭﺣَـﻤﺎﺭ ﺍﻟﻌﻴﻦ ../  تنقّي من القبور السكلبة/ ومن بيت بكاك/ زيف المعزّين/ ﺗﻀﺤﻚ ﻛﻠﻤﺎ ﻭﻗﻌﺖ ﻣﺼﻴﺒﺔ/ ﺗﻤﺸﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺠﻴﻦ ﻭﺗﻠﺨﺒﻄﻮ/ ﻭﺗﺮﻃﻦ ﺇﺫﺍ ﺟﺎﻫﺎ ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ)..كلّما قرأت الأبيات السابقة تألمت بشدّة لهذه الحالة من الصفاء الشديد التي تبعثها الخمر..وتنتهي بك وحيدا في مواجهة أحزانك الجادّة..بلا زيف..هذا ما أتحدّث عنه..الحنين الذي يجرح والأحزان التي كما يقول عاطف ( تتعتق فيما لا تود)..وبالتالي هربا من ضوضاء الحزن والقلق الى الأحزان الصامتة المفعمة بالحنين..الخمر كما قدّمها عاطف..طريقة مختلفة في الألم…( العاشقُ والمفلوق قرب جملة الحذر / ثم التي في المهب / تقيس النوايا يضيق عليها الحذر/ العاشق يبكي، الفالق يبكي / كلهم في نزيف والحجر
أسقيك؟ / لا أشرب وحدي، يشيلون حالي/ ودمعةَ بالي / حبيبي بعيدٌ، ورأسي خفيف)..للعاشق والمفلوق والمجروح والفالق يقدم عاطف ولنفسه كأسا من الخمر!..وفي فلسفته الخاصة بالحياة يجالس عاطف الذين يختارون آلامهم(دسيهو منك فيهو / أو سميهو في الخيل الصحاب / البِخشو الحَضره دون ما نوبه/ من غير ما يدقوا الباب /البَدَسو الفكره في ضحكة بنات نَعَشْ/ البِنادَن قمره, تغسل جمره,

في ريق السحاب/ البحرسو الخمره, في النخل / البَصَحي التمره, نص الليل

إذا نقص الشراب)..وأصحاب عاطف جامحون ..وشفيفون مثله..يغرقون دون ذكر ولا ايقاع/ يزرعون الرؤى ويفهمونها ويجملون الأفكار بالبصيرة الموحية..يستعجلون مثله الليل ..ليطاردوا الوحي ويشقوا بكشفهم..مهما كلّف النخل..!..