رشا عوض كل عام ونساء السودان لا تفزعهن الحرب، ولايقهرهن الجوع والمرض، ولا تكبلهن الأمية، ولا يهمِّشهن الجهل، كل عام والعالم يتغير في اتجاه استكمال إنسانيته عبر إنصاف نسائه!

لماذا نقول:”رجل بمعنى الكلمة” ولا نقول:”امرأة بمعنى الكلمة”؟

قمة الثناء على رجل أن يقال عنه أنه”رجل بمعنى الكلمة”، وهذا يعني بالضرورة أن لكلمة “رجل” معاني تتجاوز المعنى المباشر، اي”الإنسان الذكر”، فهي مرادف لصفات مثل الحكمة، القوة، الشجاعة، المروءة، الكرم، الصدق، الوفاء، الكبرياء،..باختصار حزمة من الصفات والفضائل الإنسانية الرفيعة التي تشكل معيارا لقياس “القيمة الإنسانية” للكائن البشري في المجتمع،

والسؤال المشروع هنا لماذا لا تمدح المرأة التي تتصف بتلك الفضائل بأنها “امرأة بمعنى الكلمة”؟ بل توصف بأنها امرأة كالرجل، وعندما تحقق المرأة إنجازا عظيما أو تتصرف بجسارة او بحكمة أو تبذل تضحية كبيرة تُكافأ بأن يقال لها: امرأة بعشرة او عشرين أو مائة رجل! لا سيما ان جاء تفوقها في احد المجالات المحتكرة للرجال كالقيادة السياسية مثلا.

لماذا عندما تتفوق المرأة في أي مجال يجتهد الرجال وللمفارقة تجتهد النساء في تأكيد انها فعلت شيئا يتناقض مع طبيعتها؟ أي مع كونها امرأة ويتم تشبيهها بالرجل ، بصورة لا شعورية تعكس خوفا وقلقا من المساس ب”الصورة النمطية” للنساء؟

الإجابة على هذا السؤال هي أن “الثقافة الذكورية” جعلت من مفردة”رجل” مرادفا ل”الإنسان الكامل” وجعلت من مفردة “امرأة” مرادفا ل ” الإنسان الناقص” وعلى هذا الأساس حددت التراتبية الإنسانية والهرمية الاجتماعية، وهي تراتبية تجعل الرجال أفضل من النساء بصورة مطلقة، وبالطبع تشكل هذه الأفضلية أرضية صلبة ينطلق منها التمييز السلبي ضد النساء! فحسب “الثقافة الذكورية” المرأة تحتاج للوصاية بشكل دائم حتى في أمور زواجها وسفرها ومكان عملها او سكنها، ومن ثم لا تصلح للمشاركة في قيادة المجتمع وتحمل المسؤوليات الكبيرة واتخاذ القرارات المصيرية، ليس بسبب نقص في المعرفة أو الخبرة العملية أو قصور فردي تعانيه هذه أو تلك، بل بسبب أنها امرأة! وبطبيعتها النفسية والفسيولوجية ناقصة الأهلية والكفاءة! ولو كان سبب احتلال النساء لتراتبية أدنى في السلم الاجتماعي هو مجرد الافتقار للمعارف والمهارات والتجارب، فهذا سبب “مقدور عليه”، لأنه مؤقت ويمكن تجاوزه بالجد والمثابرة في بناء قدرات النساء وفق برامج مدروسة، ولكن المصيبة ان يكون سبب”الدونية” هو أنهن خُلِقن نساء! وهو السبب الذي تتمسك به “الثقافة الذكورية” حتى تجعل التمييز ضد المرأة “حالة مستدامة” ولذلك يحق لنا ان نتخذها عدوا! وحتى يهزم هذا العدو، لا بد من الدقة في تعريفه وفي تحديد أماكن تمركزه! وكذلك لا بد من إدراك ان الحرب ضد “الثقافة الذكورية” ليست حربا ضد الرجل، بل هي حرب على “فكرة ظالمة” يتبناها كثير من الرجال والنساء على حد سواء، وهي تتغذي من أكاذيب وأوهام وأساطير تاريخية” خلاصتها ان الذكورة تحتل درجة عليا في سُلَّم الإنسانية لأنها بطبيعتها تتميز بخصائص إيجابية، وأن الأنوثة تحتل درجة دنيا لأنها بطبيعتها تتميز بخصائص سلبية!

هذه فكرة “ظالمة” للمرأة لأنها تطعن في كرامتها الإنسانية، وتنتقص من حقوقها وتسلب حريتها، و”ظالمة” للرجل لأنها تمنحه مالا يستحق وتحوله إلى ظالم، أي تضعه في خانة “غير أخلاقية وغير إنسانية”، و”ظالمة” للمجتمع لأنها تعوِّق نهضته بتعطيل نصفه، وتجعل التفاضل والترقي فيه رهينا لمعايير غير موضوعية.

لذلك يجب أن تكون “الثقافة الذكورية” مرفوضة ومحارَبة من الرجال العقلاء والمستنيرين، بقدر ما هي مرفوضة ومحارَبة من النساء العاقلات والمستنيرات، وعندها فقط، يكون الرجل “رجلا بمعنى الكلمة”، وتكون المرأة “مرأة بمعنى الكلمة”، حيث يتشارك الاثنان في”الحق الإنساني”..في أن تكون  لكل منهما “ذاتا جوهرية” لها مبناها ومعناها المكتمل المستقل الذي يضيف إلى الحياة.

===================

لماذا يستنكرون مكافحة زواج القاصرات؟

رغم أن تزويج طفلة في التاسعة او العاشرة من عمرها يستحق أن يوصف بأنه مجرد جريمة “اغتصاب طفلة”، حيث لا يستقيم قانونيا ولا أخلاقيا ابرام عقد زواج مع طفلة غير مدركة لماهية هذه العلاقة، ورغم أن الأضرار والمخاطر الصحية والنفسية المباشرة لهذه الجريمة مرئية رأي العين وملموسة لمس اليدين في كل المجتمعات التي تستشري فيها هذه العادة البشعة، رغم كل ذلك نجد مقاومة شرسة لمكافحتها، تتحصن بالدين تارة، وبالعادات والتقاليد تارة اخرى.

قضية زواج القاصرات من نوع القضايا المركبة التي لا يجدي في معالجتها التبسيط، وإنقاذ الطفلات من هذا الجحيم لن ينجح إلا ضمن برنامج متكامل ل”تنمية الريف”، فما دامت أريافنا في السودان حتى تلك التي لا تبعد عن العاصمة سوى بضعة كيلوميترات بلا امدادات ماء صالح للشرب وبلا كهرباء، وبلا مستشفيات او مدارس وتعيش حياة بدائية متخلفة حتى بالمقارنة مع مدن السودان الذي تصنف عاصمته الخرطوم نفسها كثالث أسوأ مدينة في العالم من حيث النظافة وصحة البيئة ومستوى الخدمات والبنية التحتية! ما دام الحال كذلك، كيف نتوقع من مواطنين يعيشون في عزلة خارج “العصر الحديث” أو  على هامشه ان يستوعبوا “رطانة المجتمع المدني” عن أضرار الزواج المبكر! وهل لكلمة “مبكِّر” هذه معنى في قاموس حياتهم وهم يقيسون الزمن بعبارات”الشمس شرقت” و”الشمس غابت” و”ضل الضحى” وضل “العصر” ومن النادر ان يمتلك احدهم او احداهن شهادة ميلاد أو أي ورقة تثبت انتماءه لهذه الدولة السودانية ؟   

ولكن الغريب حقا ان الدفاع عن جريمة”زواج القاصرات” لا يقتصر على ضحايا الجهل والتهميش في الارياف والقرى النائية فحسب، بل يتصدى له برلمانيون و”علماء دين” داخل الحواضر والمدن ويمنحون هذه “الجريمة” مشروعية دينية! وهذا يقضي على أي أمل في تحقيق تقدم ما في إقناع أهل القرى والارياف والمهمشين داخل المدن بترك هذه العادة لأن المنبر الوحيد المتاح للتوعية والتثقيف ويحظى بثقتهم  هو المسجد! فإذا اختطفت المساجد من قبل الذين  يصفون كل من حارب “زواج القاصرات” بأنه يطعن في الإسلام الذي تزوج نبيه عليه الصلاة والسلام بالسيدة عائشة وهي في التاسعة من عمرها! سوف يكون المسجد معززا ومكرسا لهذه “الجريمة”.

وهنا يتضح ان لهذه القضية جذرها العميق في “الثقافة الذكورية” التي دائما ما تستنجد بالدين لتكريس نفسها! فهناك حقائق مثبتة في كتب التاريخ الإسلامي المرجعية مثل الطبري، تؤكد بطلان رواية البخاري عن ان  الرسول عليه الصلاة والسلام تزوج السيدة عائشة وهي في التاسعة، وتؤكد أنها كانت في  الثامنة عشرة من عمرها، ولكن لا يقبل العقل السلفي مجرد مناقشة ذلك(رغم ثبوته في مراجع موثوقة ورغم انه ينسجم مع مقاصد الدين العليا ويبرئ سيرة رسوله الكريم من التشويه الذي تسببه هذه الرواية المغلوطة)، وسيصرون على التشبث بالرواية الخاطئة  ليس حرصا على الدين، بل لأن زواج القاصرات يصادف هوى “الثقافة الذكورية” التي هم سدنتها! وهي  ترفض فكرة الندية والشراكة في الزواج! ولذلك الأفضل ان تكون الزوجة طفلة غير مؤهلة أصلا للشراكة كي يتم ترويضها  وتدجينها منذ نعومة أظافرها، فهي من قبل ومن بعد يجب ان تكون تحت الوصاية! وبالتالي فالحديث عن ان الصغيرة لا تدرك ولا تستطيع تحمل أعباء الزواج والمشاركة في المسؤولية لا يقدم ولا يؤخر عند هؤلاء! فالمطلوب أساسا من الزوجة ان تكون كائنا تابعا! لا كيانا شريكا! وأن تكون آلة للامتاع! فإن عجزت عن وظيفة الامتاع هذه لصغر سنها وأهلكها نزيف أو تهتك أنسجة، او إجهاض او ولادة مبكرة، فآلات الإمتاع متوفرة بكثرة ولا بأس من إعادة الكرَّة مع ضحية أخرى!

==================

كيف نؤنث السياسة؟

ليتنا نتساءل باستمرار عن مغزى حضورنا ومشاركتنا في الفضاء العام بمختلف مجالاته، ما هي القيمة المضافة التي نسعى لإثراء الحياة بها؟ هذا العالم بكل تفاصيله هندسه الرجل وشبَّعه بخصائصه و”تحيزاته الذكورية” واستبعد منه المرأة حسا ومعنى! وما زلنا نناضل من أجل انتزاع حق الحضور الحسي للمرأة في ميادين العلم والأدب والسياسة والإدارة و..و..و ولكن ماذا بعد الحضور؟ ماذا سنفعل بعد ان تشارك النساء في البرلمانات والوزارات والجامعات وكل مجالات الحياة العامة بنسبة 50%؟ هل عند تحقيق ذلك سيكون مشروع تحرر المرأة قد اكتمل؟ اعتقد انه سيكون قد ابتدأ لتوه! فالسياسة مثلا لا تتأنث بمجرد الحضور الكثيف للنساء في العمل السياسي! بل تتأنث عندما تكتسب السياسة الأبعاد الأنثوية المفقودة فيها والتي تم استبعادها مع سبق الإصرار والترصد باعتبارها غير ملائمة للفضاء العام! إن هذا العالم الذي يشتعل حربا وتلتهم “صناعة الموت” مئات التريليونات من موارده احوج ما يكون لتصميم سياسات “صنع الحياة”! يحتاج لسياسة تغمره بالسلام والطمأنينة وتدر عليه الرفاه كما يدر صدر الام الحليب! لكي تحقق المرأة ذلك، فلا بد ان تتقن فك “الشفرة السياسية والاقتصادية” المحركة للعالم وتستوعب كيفية اشتغالها وفنون تطويرها أو تغييرها ومن ثم تتحول إلى شريك أصيل في إدارة هذا العالم.

تأنيث السياسة لا يعني أكثر من جعلها تبصر بعينين اثنتين بدلا من عين واحدة.