د. نبيل أديب تنص المادة "3" من الدستور على أن" الدستور القومي هو القانون الأعلى للبلاد، ويتوافق معه الدستور الإنتقالي ودساتير الولايات وجميع القوانين"وهذا النص يلزم السلطة التشريعية بأن تلغي أو تعدل كل الأحكام غير المتوافقة مع الدستور،  

والواردة في القوانين التي كانت سارية وقت صدور الدستور من جهة، و أن تراعي الحدود الدستورية للتشريع حين تقوم بإصدار قوانين جديدة، من جهة أخرى. غني عن البيان أن أياً من ذلك لم يحدث. دفعت بعض المحاكمات التي جرت وتجري حالياً بمسألة إصلاح قانون الإجراءات الجنائية، لمقدمة الإهتمامات لدى أهل القانون. تحدثنا في الأسبوع الماضي عن مسألة إستقلال النيابة العمومية، ونتحدث اليوم عن أحكام التفتيش

أمر التفتيش هو أمر كتابي من شخص مخول له ذلك موجه للشرطة، يأمرها فيه بالبحث عن شخص له صلة بجريمة يجري التحري فيها، أو شئ إما يمثل دليلاً متصلاً بتلك الجريمة، أو تشكل حيازته جريمة، وذلك بغرض ضبط ذلك الشخص أو الشئ. والتفتيش نوعان: الأول شخصي، ويتم بالبحث في ملابس الشخص نفسه، وثنايا جسده. والثاني تفتيش الأماكن الخاصة التي يحتاج دخولها لإذن. وقد أباح قانون الإجراءات الجنائية تفتيش الشخص عند القبض عليه لتجريده من أي سلاح  يكون لديه، كما وأباح تفتيش الأماكن بغرض تنفيذ أمر القبض أو في حالة تعقب متهم أو قبضه بدون أمر في الأحوال التي يجيز القانون ذلك، وفي غير هذه الأحوال فإن القانون يتطلب أمراً لتفتيش الأشخاص والأماكن. 

التفتيش يخرق حق الخصوصية

كان القضاء الأنجلوسكسوني فى أول الأمر يعتقد أن التفتيش من شأنه أن يخرق حق الملكية، فذكر اللورد كامدن في إنتيك ضد كارينجتون أن( الغرض الرئيسي للأفراد في تكوين المجتمعات هو حماية ممتلكاتهم. لذلك فإن أي إجتياح لملكية خاصة، لأي مدة من الزمن، يشكل تعدياً و يوجب مسئولية عن ذلك التعدي). وقد سار القضاء في أمريكا على ذلك بحيث جعل معيار إنتهاك حق الملكية هو الأساس في تقرير دستورية أوامر التفتيش. وبلغ الأمر ذروته في دعوى أولمتيد ضد الولايات المتحدة، حين قضت المحكمة العليا أن المراقبة التلفونية لا تنتهك الحق الدستوري، طالما أنه لم يصاحبها دخول فعلي إلى منزل المتهم. ولكن المحكمة العليا غيرت موقفها بعد ذلك وذكرت فى دعوى كانز الشهيرة، أن أساس تحديد سلطة التفتيش هو فى التعديل الدستورى الرابع، الذى هدف لحماية حق الخصوصية وليس حق الملكية.

أما فى السودان فحق الخصوصية مقرر بموجب المادة (37) من الدستورمما يُلزم القانون أن ينظم التفتيش بشكل لا يصادر حق الخصوصية، ولا ينتقص منه، وفقاً لأحكام المادة (27) (4) من الدستور.

تنص المادة (86) من قانون الإجراءات الجنائية على ما يلي:

(1) ( يجوز لوكيل النيابة أو القاضي في أي وقت من تلقاء نفسه أو بناء على طلب من الجهة المختصة في أية دعوى جنائية، أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش الخاص لأي مكان أو شخص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض التحرى أو المحاكمة أو التنفيذ، بحسب الحال .

(2) يجوز للقاضي في أي وقت بناء على طلب من الجهة المختصة أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش العام لأي أمكنة أو أشخاص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض إكتشاف الجريمة .

ويعيب هذا النص أولاً أنه أغفل ذكر الغرض من التفتيش إذ أن التفتيش أصلاً الغرض منه يجب أن يكون ضبط شئ أو شخص، ولا يكفي أن يكون السبب في في التفتيش هو أن يكون من شأنه المساعدة في أغراض التحري أو المحاكمة أو التنفيذ، بل يجب أن يهدف إلى ضبط شئ أو شخص. كما ويعيبه أيضاً إغفاله لضوابط يجب توافرها حتى يمكن أن تكون في الإطار الدستوري.

وجوب صدور الأمر من قاضٍ .

تتيح المادة لوكيل النيابة أو القاضي أن يصدر أمر التفتيش وهى سلطة لا يجوز تركها لوكيل النيابة بل يجب أن يتولاها قاضٍ. والحكمة فى ذلك هو أن القاضى محايد، ووكيل النيابه ليس كذلك، فوكيل النيابه هو ممثل الاتهام ويجوز له مباشرة التحرى بنفسه، وبالتالي لا يجوز أن تترك له سلطة مراقبة قانونية أو دستورية الإجراءات التي يباشرها. فى حين أن القاضى يمكنه أن يوازن بين الحاجة لكشف الجريمة، أومنعها، وبين حق الخصوصيه الذى سينتهك إذا ماصدر الامر .

وقد تمسكت المحكمة العليا الأمريكية بذلك حتى في حالات الأوامر الرئاسية بوضع الرقابة على شخص بدعوى التآمر لقلب نظام الحكم، فذكرت أن واجب الحكومة في حفظ النظام العام لا يمنعها من أن تقدم لقاضٍ مستقل سبباً محتملاً لكشف جريمة قبل إقدامها على إنتهاك خصوصية الأفراد. وذكر القاضي باول في الولايات المتحدة ضد بونكيو أن الحاجة للأمر تبدو أكثر جدية في الدعاوي المتعلقة بالأمن العام لأن الحكومة تنظر دائماً لخصومها السياسيين بإعتبارهم خطراً على الأمن .

ضرورة وجود السبب المحتمل

يجب أن يصدر الأمر بناء على طلب من الجهة المختصة، مصحوباً ببينة توضح أن هناك سبباً محتملاً للعثور على ما يراد ضبطه . وهذه البينة يكتفى فيها أن يحلف مقدم الطلب اليمين مع توضيح الظروف التى حملته على الإعتقاد بوجود الشئ أو الشخص المراد ضبطه في المكان المراد تفتيشه. هذا مذهب القضاء الامريكى الذى أرى أن يأخذ به التشريع السودانى لأن الحق فى الدستورين واحد. فى دعوى فنزسكا ضد الولايات المتحدة، قررت المحكمة أن إقراراً مشفوعاً باليمين، يؤكد فيه المتحرى بأن لديه سبباً للاعتقاد بأن هناك عملية تقطير خمور غير شرعية، تجرى فى مكان معين، وأن ذلك الاعتقاد مبنى على ملاحظاته الشخصية، وملاحظة زملائه فى التحرى، ويبدو فيه عدد من الحوادث تدعم ذلك الاعتقاد، يكفي للقول بوجود السبب المحتمل .

 ولكن في أجويلار ضد تكساس، رأت المحكمة أن إقراراً مشفوع باليمين من ضابط بأن مصدراً موثوقاً به أفضى  إليه بأن مخدرات كانت موجودة في مكان معين، لم يكن كافياً لإصدار أمر تفتيش، إذ يجب على الإقرار أن يوضح الظروف التي أدت لأن يستنتج المخبر وجود الدليل، كما ويجب أن يكشف عن المعلومات التي تؤدي لأن يطمئن القاضي إلى أن المُبلِّغ جدير بالثقة .

وجوب أن يكون الأمر محددا 

يلاحظ أن الفقرة الثانية من المادة 86 تتيح التفتيش العام للأمكنة، وهذا مخالف للدستور، لأن تحديد أمر التفتيش من أهم الضوابط التي يجب أن يتضمنها التشريع منعاً لإنتهاك حق الخصوصية. فيجب أن يحدد الأمر على وجه الدقة المكان المراد البحث فيه، والشئ المراد ضبطه، وليس فقط الغرض من التفتيش كما تذكر المادة 87. وقد حكم في دعوى Entick V.  Carrington أن الأمر بضبط كل الأوراق الخاصة بالمدعي، بدلاً من تحديد المستندات المراد ضبطها، هو أمر يخرق كل ما قام الدستور لحمايته، وهو أمر باطل.

وفي Berger .V New York رأت المحكمة العليا أن الأمر بمراقبة محادثات شخص لمدة شهرين، يتعارض مع تطلب السبب المحتمل في أمر التفتيش، لأن الأمر لا يشير لمحادثة معينة، ولا لنوع معين من المحادثات، ولأن مدة الشهرين أصلاً تشير إلى أنه ليس هناك سبب محتمل للأمر.

ويلاحظ أنه عندما يتعلق الأمر بالحريات العامة تطلبت المحكمة العليا في أمريكا أن لا يصدر الأمر إلا بعد أن يتيقن القاضي نفسه من المخالفة، فحجز نسخة فيلم بسبب أنه يحمل مشاهد مخلة بالآداب غير صحيح إذا تم حجزها بعد تفتيش تلى القبض على المتهم بواسطة الضابط لأنه ليس للضابط أن يقرر إذا كان الفيلم مخلاً بالآداب العامة. وفي ستانفورد ضد تكساس حين تم الحجز على ألفي كتاب ومستندات أخرى وفقاً لأمر يصرح بالبحث عن كتب تتعلق بالحزب الشيوعي في تكساس، رأت المحكمة أن أمر التفتيش كان باطلاً وذلك لأنه حين يتعلق الأمر بالكتب، يجب أن يكون الإلتزام بقاعدة تحديد الأمر أكثر صرامة.

وسائل التفتيش فى القانون

لا يقتصر تتطلب المعقولية على سبب صدور الأمر، بل على طريقة تنفيذه أيضاً. وأول القواعد التي تحكم ذلك قاعدة القرع والإعلان. وهي قاعدة أمريكية تتطلب أن لا تدخل الشرطة المكان المراد تفتيشه قبل أن تعلن عن رغبتها في ذلك. وأن لا تفعل ذلك بالقوة إلا إذا رفض شاغل المكان دخولها، وفي هذه الحالة يتوجب إستعمال القوة المناسبة  للدخول. وهذه القاعدة أساسها الشريعة الإسلامية لأن القران الكريم قد نهى عن دخول البيوت من غير أبوابها، ودون إستئذان من أهلها. وقد أخذ القانون السوداني بهذه القاعدة فوفقاً للقانون فإنه لا يجوز مداهمة المنزل حتى بإذن القاضي قبل الإستئذان في الدخول، لأن المادة (91) تشترط لإستعمال القوة رفض شاغل المكان السماح لقوة الضبط بالدخول. وكما ذكرنا فدخول المكان الخاص لسبب صحيح لا يسقط عنه خصوصيته، إلا فيما يتعلق بسبب الدخول. ويلحق بذلك ما هو معروف فى أمريكا بمبدأ السرية، وهو يعنى أن يقتصر البحث داخل المكان الذي يجري التفتيش فيه على الأمكنة التى يمكن أن يوجد فيها ما يراد ضبطه. فليس من المعقول البحث عن جهاز تلفزيون في سرية، لأن البحث شئ يقتضي البحث  في الأماكن التي يمكن لها أن تسعه داخل المكان المراد تفتيشه. و هدف هذه القاعدة منع إستباحة الأماكن لمجرد صدور أمر التفتيش، إذ تظل للمنازل حرمتها ولا تسقط إلا عن الأماكن التى يقتضى تنفيذ الأمر أن تسقط عنها وفقاً للغرض من التفتيش .

التفتيش الذي يتطلب خبرة معينة

و قد يستلزم التفتيش خبرة خاصة لإجرائه، كالبحث فى الحاسوب، أو فى جوف شخص ما. و قد منحت المادة 151  لوكيل النيابة أو القاضي سلطة إنتداب الخبير لإجراء ذلك التفتيش. وهذه السلطة يجب أن تقتصر على القاضي فقط لإتصال الأمر بإنتهاك الخصوصية. ويجب أن يتقيد الخبير بكل المعايير القانونية، فبالنسبة لتفتيش الحاسوب الخاص بالشخص، فإن الأمر يتصل مباشرة بحرية المعلومات والتعبير، مما يلزم الإلتزام بصرامة بمعقولية الأمر. كما ويجب على الخبير أيضاً أن يلتزم بالبحث فقط عن الدليل الموضح في أمر التفتيش. فإذا كانت المواد المراد ضبطها هى صور خليعة، فليس له أن يضبط مواد سياسية مثلاً. ويلحق بذلك التفتيش الشخصى الذى يتضمن تدخلاً في جسم الشخص، أو وظائفه. فإعطاء الشخص مادة تجعله يستفرغ لإستخلاص دليل من جوفه مثلاً، يجب ان يخضع لضوابط المعقولية. وكل إجراء يهدف للتوصل إلى دليل موجود بجوف الشخص المراد تفتيشه، يجب أن يجري بواسطة شخص مؤهل طبياً ملتزماً بدقة بالإجراءات التى تضمن سلامة من يجرى تفتيشه، و عدم تعريضه لأى أذى جسيم، أو دائم. والمعقولية تتحدد بالنظر للمدى الذي تتعرض فيه صحة الشخص أو سلامته للخطر، وحق الشخص في خصوصية جسده وسلامة أعضاءه، ووجوب أن يكون الشئ المطلوب ضبطه يمثل دليلاً حيوياً لقضية  الإتهام. وينظر في ذلك لمصلحة الشخص المراد تفتيشه أولاً.  لذلك فقد حكم في دعوى بايانورمان الأمريكية،  بأن جعل المتهم يتناول أدوية مسهلة، لكي يتبرز كيساً يحتوى على مخدرات، كان قد إبتلعه لدى مداهمة الشرطة لمكان كان يتواجد به، هو أسلوب غير صحيح يبطل التفتيش، لأن لكل شخص حق في سلامة جسمه، وأن هذه الطريقة قد تعرض المتهم للأذى .

و يلاحظ أن ذلك التفتيش يختلف عن  إجراء الفحص الطبي للبحث عن دليل وليس لضبط شئ مثل الفحص لمعرفة  وقوع المواقعة الجنسية مثلا، أو حالة السكر. فهذه الحالات تحمكها المادة (49) وهي غالباً لا تتضمن تدخلاً في وظائف جسم الشخص، ولا تعرض سلامته للخطر. ولكن ما يؤخذ عليها هو أنها تنتهك خصوصية الإنسان وتجبره على أن يقدم دليلاً ضد نفسه. مما قد يهدر الحق في المحاكمة العادلة. ولذلك فإنه يجب في كل الأحوال أن يصدر الأمر من قاضي وليس من وكيل النيابة أو الضابط المسئول كما تنص المادة (49) والذي يتوجب عليه أن لا يصدره إلا للسبب معقول .

وجوب حضور شاغل المكان للتفتيش

و يتطلب القانون أن يتم التفتيش في حضور شاهدين يكونان بقدر الإمكان من أقارب المتهم، أو المقيمين معه بالمنزل، ما لم يأمر وكيل النيابة أو القاضي بخلاف ذلك، بالنظر للطبيعة المستعجلة للتفتيش. وهذا الحكم أيضاً يحتاج لتعديل ،حتى تكون السلطة في يد القاضي فقط. ويجب أن تخضع لمعيار المعقولية، من حيث تقرير الطبيعة المستعجلة للتفتيش. كالخوف مثلاً من إخفاء دليل، أو خطورة المواد المراد ضبطها. وفي هذه الحالة يجب أن يتقيد منفذ الأمر بحدود المطلوب البحث عنه فقط ، ويبحث في الأجزاء التي يرجح أن يكون بها الشئ المراد ضبطه، دون غيرها من أجزاء المكان الخاضعة للتفتيش. ويلاحظ أن القانون يتطلب دائماً السماح لشاغل المكان المراد تفتيشه، أو من ينوب عنه بحضور التفتيش. وهذا يحظر تماماً ما عرف في القانون الأمريكي بالتفتيش السري، والذي يتيح إصدار أمر بدخول مكان والبحث عن دليل فيه خفية، بشرط إخطار صاحب المكان بما تم في خلال أسبوع من التفتيش، ونتائجه. وهو أمر لا يجوز القيام به وفقاً لأحكام القانون السوداني، لأن إجراء التفتيش خفية يخرق حق شاغل المكان المراد تفتيشه في حضور التفتيش .

ولا يقتصر التفتيش على أحكام قانون الإجراءات الجنائية فهناك عدداً من القوانين يبيح التفتيش ومنها قانون الأمن الوطني. ويتوجب على قوات الأمن عند إجراء التفتيش وفقاً لذلك القانون إتباع كل ما جاء في هذا المقال من ضوابط .وكذلك فإن هناك سلطة تفتيش وفقاً لقانون الجمارك والذي يحتاج لأن نقف عنده في مقال منفصل، ونكتفي هنا بأن نذكر أن التفتيش الذي يجري وفقاً له يتم بدون أمر مما يلزم معه أن يجري التفتيش فقط عند وجود إشتباه معقول بمخالفة القانون وأن يتم بإستخدام وسائل معقولة .

على ضوء ذلك كله فإننا نرى أن أحكام التفتيش في قانون الإجراءات الجنائية تخالف الدستور من عدة أوجه تم إبراز بعضها خلال هذا المقال، ولم يسع المجال البعض الآخر، مما يجعلنا ندعو لإعادة النظر في تلك الأحكام وتعديل المواد الخاصة بها حتى تتلاءم مع الدستور .

نبيل أديب عبدالله

              المحامي