د.ناهد محمد الحسن ،، عبّرت بثينة عن ما يهم الأنثى السودانية ومخاوفها الخاصة..تلك التي تعلّمت عبر الكثير من الطقوس ..من الختان الى ميلاد الطفل.. والتعميد في النهر..ان جسدها مهم..وانه قربان لاستمرار الحياة في الأرض.،،

ككاتبة روائية وقصصية تختبر بثينة خضر مكّي نقدا لاذعا بأذواق ومعايير السلطة الأبويّة التي حدّدت شروط الكتابة وجمالياتها. وأنا أطوّف على عوالم السرد عند بثينة..أبحث عن طريقة لطيفة للتحليق في عالم الذات..حيث تخلّقت خبرات بثينة الروحية وسعيها نحو الكمال والاكتفاء.. حين تجرّأت بثينة أن تتحدث لتصف العالم من حولها ..خبرتها كأنثى ..التي تمنح الأشياء من منظورها قيمة وتجرّد أخرى من ذات القيمة..حيث ترتّب أنثى الكون والحب والوطن..وتمنح الهويّة معنى جديدا ..لا كما تحدده علوم الجغرافيا والتاريخ والإجتماع وغيرها..ولكن التضاريس التي تبرز في وعي الأنثى والتاريخ الذي تهتم به الأنثى والقيم التي تبرزها وتهتم لها الأنثى..وهي اذ تفعل ذلك انّما تحقّق سعيها الروحي الذي تمنحه المشاركة عبر الكتابة بعدا آخر ..مستبصرا..يحقق البصيرة والإندماج للذات المتشظية..كتبت بثينة عن بطلة روايتها العقيمة..والتي عجزت عن منح نفسها وحبيبها طفلا..فتزوج عليها..وكانت بين نارين..فراقه على قسوته او مشاركته مع أخرى..فاختارت ان تذهب في رحلة طويلة مع الذات عبر تاريخها الشخصي والأسري..علّها تحسن الإختيار..قد يرى البعض انّ اختيار بثينة لموضوع مكرور كهذا في الواقع لا يعطي السرد اي قدرة على الادهاش..وما تفعله بثينة حين تصف تجربة عادية ..ان تمنح معاناة النساء صوتا..وان تنضج عبر المشاركة خبرتها وخبرة أخريات..حين تقف معهن على ذات التخوم وتتساءل..وعبر خبرتها..تشعر النساء الأخريات بضرورة ان يسمعن اصواتهن ويتحررن.. وقد ترى بعض النسويات ان هكذا موضوع انما يتماهى مع الذكورية التي تسجن المرأة في عالمها السفلي..حيث لا معنى لذاتها بعيدا عن الجنس والاطفال..وتراني استلف رؤيا الصوفية النسوية التي لا ترى فرقا بين (ديميتر) واهبة الحبوب المغذية والحافظة للعالم العلوي وابنتها بيرسيفون كملكة للعالم السفلي..فالصوفية النسوية لا تنظر بتعالي لآلهة العالم السفلي ولكن كرمز ..كمكان للأعماق والتحول..حيث تستمد المرأة من ممارستها للعدم بقدرة أكبر على السيطرة عليه والإندماج مع ذاتها والتحوّل..وعبر استعادة بثينة للخبرات العدمية للنساء اللواتي يعانين الحزن والكآبة..تصبح بثينة بروايتها ومشاركتها لخبرتها اكثر قوة..وكذلك نحن الذين اختبرنا ذات الحيرة والآلام..بالنسبة لبثينة جغرافيا المكان في ذاكرتها المدينية والريفية..بين بريّة الحياة على النهر وتماسيحه المرعبة..والمدينة بمنازلها التي تحفل بالنظام حتى في بيوت الخفراء والفقراء..وتماسيح النيل التي شكلت ذاكرة الخوف عند بطلة الرواية وصديقتها..كانت ربما تعبيرا مجازيا عن رغبات الجسد الأنثوي وأشواقه التي تهدد القيم المجتمعية والقوانين العرفية..النهر الجارف الذي حملته بثينة طوال الرواية بكامل صهيله وعنفوانه دون ان تنتصر له…عبر انكارها لحاجتها الجنسية وكبتها لها..عبّرت بثينة عن ما يهم الأنثى السودانية ومخاوفها الخاصة..تلك التي تعلّمت عبر الكثير من الطقوس ..من الختان الى ميلاد الطفل.. والتعميد في النهر..ان جسدها مهم..وانه قربان لاستمرار الحياة في الأرض..إنّ جسدها مصدر قوتها ..ففي طقس رقيص البنات أصاب أحدهم بالهوس الجنسي الى ما بعد الكهولة..عليها ان تظهره وتلوح به..لا ان تسهر على حاجته..فهذا الجسد..يمكن ان يجر كارثة الفناء كما فعل بنضال وسناء..لعنة الجسد الجميل..وعبر حنينها وشوقها لزوجها ومسرات اللقاء العابر..اختارت بثينة ان ترحل بطلتها سعيا وراء ذاتها..لكنها تبدو في الختام مترددة وغير أكيدة من رحلتها التي لم تسكت صهيل جسدها..عندها بدت لي هذه التجربة حبيسة الأعماق والعدم بحاجة لطقس اكتشاف وتحول..يوحد الذات ويسكت الصهيل..