خالد فضل ليرحم الله استاذنا وشاعرنا الانسان الخالد محجوب شريف , تمر بعد أيام الذكرى السنوية الأول لرحيله الفاجع , وهو بيننا حيّ ينسرب في مسام الروح والفكرة بؤرة وعي ومنهل عذوبة 

وزاد مشوار نبيل مشاه محجوب من المهد ال اللحد ونرجو أن نكون ممن يقتفون أثره ويتزودون بزاده الثمين , أنفة وهيبة مع البساطة وانسان كامل كأروع ما يكون , عند محجوب كنت محظوظا , كلما ادلهمت الدروب أزوره , عنده تجد اليقين الراسخ بيوم بكرة الأجمل , لم يكن مضطربا أو خائفا بل مطمئنا الى وعد ملؤه صبايا وفتية يمرحوا في صباح الغد , هكذا المبدع الريادي صاحب القضية والنظر العميق والخيال الوثّاب , نتزود من محجوب بالأمل حتى سرت عدواه الجميلة في دواخلنا وصار الشعب في وعينا أكبر وأطهر مما يتخيل الطغاة . الا رحمه الله فقد أعطى ولم يستبق شيئا , وإنْ رحل جسده عن دنيا الفناء فإنّ روحه حيّة ومشروعه الانساني النبيل يسعى بيننا بالأمل والخير والوعد النبيل . ومما غنى محجوب ذلك الحداء المشهور يصف فيه حالة الطاغية الذي يرجف في قصره بينما مساجينه وأسراه يرقصون ويغنون في أسره , إنّها المفارقة البائنة والمعادلة الصحيحة , تلك التي تجعل أصحاب الحقوق لا يأبهون , بينما الظلمة لا تغمض لهم أعين , وإذا جاء في المأثور عن عمر بن الخطّاب خليفة رسول الله (ص) الثاني أنّه كان ينام تحت ظل الشجرة (احترس فقد صارت الشجرة على عهد طغاة السودان الحاليين رمزا للخبث ) , فدلالة تلك النومة أو القيلولة هي راحة البال , فهل ينام السفاحون الآن هكذا وضمائرهم مرتاحة؟ ألا تأتيهم كوابيس قتلاهم ؟ وصرخات بيوت الأشباح المقفرة ؟ وأنّات المغتصبات ؟ وولولة الأمهات الثكالى من لدن والدة مجدي ذاك الذي اعدمه الزبانية بذريعة حيازته لدولارات لم يسرقها ولم يجنّبها ولم ينلها (كومشن) لمشروع وهمي , هل ينام الطغاة بضمائر مرتاحة , وأم جرجس وأخواته ينحن الليالي الطوال على فقده المروع , وأم الصبيّ غسان التي لم يبرأ صدرها بعد من غصة الفقد الممض لفلذة كبدها في معسكرات التدريب الاجباري , وغصص أمهات شهداء مجزرة معسكر العيلفون , وأم الشهيد بشير الطيب وسليم وطارق ومحمد عبد السلام والشهيدة التاية أبوعاقلة ,منذ أوائل عهد التمكين الى شهداء دارفور من أهلنا هناك في قراهم المحروقة وحقوقهم المنزوعة وديارهم المستباحة ودمائهم المهدرة بعنصرية بغيضة , الى ضحايا القصف والترويع في الجبال والنيل الأزرق , الى الاغتيال للطلاب في جامعة الجزيرة ورمي الجثث في الترعة ورمي جثة موسى بحر الدين في القمامة واغتيال علي أبكر في وسط الجامعة وغيرهم كثر كالنعمان في سنار والعاص في الحصاحيصا , الى ألآف المشردين وملايين النازحين ومثلهم المهجّرين والمبعدين والمنفيين , ألآف العناصر والكوادر الكفؤة التي هاجرت بعد أنْ سدّت أمامهم فرص العمل في وطنهم جراء سياسات التمكين , فهل ينام الطغاة مثلما نام ابن الخطّاب ؟ وورائهم أوزار الفشل المدمر لكل أسس الحياة الكريمة لغالبية شعبهم بينما هم ومشاييعهم قد امتدت كروشهم وتملّست جلودهم وانتفخت أوداجهم , يأكلون الطيبات ويشربون المرطبات لأنّ خزائن الأرض السودانية المنهوبة قد دانت لهم بفقه التمكين , يتزوجون ثلاث ورباع ممن هنّ في أعمار بناتهم وعندما تطقّ الرائحة ينسحبون , يبنون في العمارات والفلل وينشئون في شركات الاستثمار والاتجار في كل شي وكل شئ لله , أهزوجة ممجوجة وشعار سمج باخ وفقدت كلماته معناها ومغزاها مثله مثل كثير من الشعارات الفضفاضة ك (تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل الله ) بل حتى الآيات القرانية أبتذلت والطاغية يرددها بوجل (تؤتي الملك من تشاء) كأنّما القرآن نزل موافقا لما يقترفون , وكأنّما آياته حكرا على ما تروم نفوسهم الدنيئة ,

  يرجف الطغاة في قصورهم المشيّدة على شفا جرف هار  , لأنّهم يعلمون علم اليقين أنّها شيدت على أنقاض الوطن الذي استباحوه , ثم يأتون دون حياء ليسألوا الناس , هل كذّبنا عليكم ؟ لا أبدا حاشاكم الكذب يا سلالة الضلال , وجابت ليها كمان شتائم , ورثة الطغاة الكبار للطغاة الصغار , عدم احسان وسلاطة لسان , فبعد نافعهم جاء من يصف المقاطعين لمهزلة التمديد للطغاة المسماة زورا وبهتانا انتخابات بأنّهم ( أرازل القوم) بئس ما يقولون وما يفعلون وبئس من يحاول تبرئة المجرمين الفاسدين . إنّها الرجفة وقد تملكتهم وهم يتابعون انصراف أقوام السودان عن مهزلة التمديد , للناس عقول يميزون بها الطرق رغم محاولات تغبيش الوعي المستمرة منذ عقدين ونصف , من رهق التجهيل ومؤسسات غسيل المخ تخرّجت أجيال من الشابات والشباب يقولون لا وكفاية وقرفنا يقودون المظاهرات ويناضلون رغم المتاريس والأمن والجنجويد , ويسندون أهلهم عند الكوارث نفير ,  وحركات الثوّار تكسب كل يوم دفع جديد والأطروحات الوطنية المميّزة تسد أمامهم منافذ التحايل والتلاعب وتهزمهم فكريا ومعنويا وسياسيا , فتراهم يزايدون ويشتمون , ويتوعدون بفقْء العيون وكسر الاصابع التي تشير الى الفساد والطغيان والاستبداد ولكن هيهات هيهات , كل المؤشرات تؤكد أن الأمر قد خرج عن أيدي الطغاة , لم يعد هناك من يرهبهم ويخشاهم فها هم الشيوخ في المعتقلات صامدون , والشابات والنساء يقدمن أرواحهن دون وجل وسمية آخر الشهيدات , يعرفون هذا ويعرفون أنّ الثورة بركان يغلي في الصدور ولات ساعة مندم لذا تجد لغتهم ضجرة ومفرداتهم زفرة وأمزجتهم عكرة , وعودهم ساذجة ومكررة وسمجة ودعواتهم باهتة يابسة لا تترك صدى , جنّ جنونهم وأجهزة رصدهم تنبئهم بالعزوف شبه التام عن موائدهم اللئيمة  , فالناس تميّز , لذا باتوا يهرفون بالقول ويتنطعون وتلك آيات السقوط الكبرى دون شك . فمن وصف شعبه بالجرذان لم تدم سلطته ومن وصفهم بالبلطجية انهار صولجانه ومن يصفهم بالأرازل على سكة الهاوية يسير ولا نصير .