عيسى إبراهيم * * مسميات كثيرة تسمَّت بها حركة الاسلام السياسي السودانية، الحركة الاسلاموية في السودان،  (حركة الأخوان المسلمين في السودان)، جبهة الميثاق الاسلامي، ثم الجبهة الاسلامية القومية، وصولاً للمؤتمر الوطني

بعد استيلائها على السلطة في السودان في 30 يونيو 1989 (تذهب إلى القصر رئيساً وأذهب إلى السجن حبيسا)، ثم الانقسامات المتتالية، قصر (وطني) ومنشية (شعبي)، إصلاح غازي، وحركة الطيب زين العابدين للتغيير، وحركة ود إبراهيم، وسائحون و…!..

* لم يكن لهذا الطيف السياسي العريض مذهب ديني محدد، ولا مذهب سياسي واضح سوى الالتفاف حول راية الاسلام حمالة الأوجه، ومن هنا ليس مستغرباً أن يبرز من داخل التنظيم بعد اهترائه وتمزقه “شَذَرَ مَذَر” من يقول: “من الجماعات التي تبنت المنهج السلفي في توجهها العام …فصيل من جماعة الأخوان المسلمين في عقد ستينيات القرن المنصرم”، “كانت نشأته في شعبة جامعة الخرطوم للطلاب في حوالي 1965″، “كان رائده…جعفر ميرغني، …وراعيه جعفر شيخ إدريس”، (المصدر: الأمين الحاج محمد – السلفية والسلفيون في السودان – صفحة 79 – ط أولى، دار الصفوة مصر القاهرة)..

* من هنا يتضح أن الانقاذ – البشير، في تقليبها لكرة الحركة الاسلاموية (وفي ظل انشقاقاتها المتكررة) وبحثها عن الولاء وجدت وجه الكرة المناسب لها (فصيل المنهج السلفي) فرعته، وقدمت له الدعم اللازم (أعلنت جماعة أنصار السنة – الهدية، فض شراكتها مع الوطني بحجة أنه لا يحترم الآخر)، كما أنها تحتفظ بعلاقات متوازنة مع فصيل “السلفية الجهادية” الذي مد جسور التواصل مع الانقاذ بعد “حرد وانشقاق” عدوها اللدود “الترابي”، وحينما “فرفر”  الفصيل وبدأ في اصدار فتاوي التكفير عند اقتراب الترابي من الانقاذ، تحركت يد “الحاوي” المختصة لتعيد الأمور إلى نصابها ترهيباً وترغيباً!..

* علاقة السودان مع إيران “الشيعية” سمن على عسل، فالسودان وإيران تشكلان مع سوريا وقطر وحزب الله (لبنان)، وحماس (فلسطين) دول الممانعة، وإيران تسعى باستمرار (وإن كانت على هامش الملعب العسكري) على اظهار مقدرتها على لعب دور سياسي في الشرق الأوسط (شداً وجذباً)، وعينها على أوربا وأمريكا والنووي وصراعها المذهبي مع حلفاء الغرب التقليديين – السنة، وتقدم نفسها كبديل يمكن الاعتماد عليه “بترولاً ونفوذا” في ترويض الـ “دواعش”، ولعل نفوذها في سوريا وتعاونها مع فزاعة الغرب “روسيا” قد لعب دوراً مكنها من أن يكون لها موضع قدم في لعبة التوازنات الجارية!..

* إيران لا يمكن أن تفصل بين نفوذها في مجالي السياسة والقوة العسكرية، ونفوذها الفكري الثقافي المذهبي المتمثل في حسينياتها، وأخبار اغلاق السودان للحسينيات إرضاء للسلفيين، قوبل بسيل اخباري مضاد من المسؤولين الايرانيين ينفي حدوث الاغلاق..ووراء الأكمة ما وراءها!..

* يوم الأحد الأول من فبراير 2015 ظهرت تصريحات متضاربة في صحيفتين سودانيتين، صحيفة التغيير “الورقية” الصادرة في الخرطوم جاء في أحد عناوينها الرئيسية في صفحتها الأولى: عصام البشير: ملايين الدولارات تُدفع لنشر التمدد “الرافضي”، (مصطلح الرافضة يعني الشيعة)، قابله من جانب آخر تصريح من الشريف الأمين الصديق الهندي (رئيس المكتب القيادي للحركة الاتحادية) يقول: “الشيعة لا تشكل خطراً علينا ولا مصلحة لنا في الصراع الايراني السعودي”، (المصدر: صحيفة الوطن الأحد 1 فبراير 2015)..

* في خبر نشرته التغيير الالكترونية 19 يناير 2015 نقلاً عن “الشروق” فحواه أن جماعة علماء السودان (وهي جماعة غير محايدة) بصدد إنشاء أكاديمية عليا لمكافحة المد الشيعي بالسودان ولمكافحة التنصير، بتكلفة تقدر بمليار و200 ألف جنيه (من أين لهم هذا المبلغ؟)، وأضاف الخبر أن السلطات السودانية كانت قد أغلقت المراكز الثقافية الإيرانية في ديسمبر من العام الماضى بسبب ترويجها للمذهب الشيعي.

* الصادق المهدي اتهم المؤتمر الوطني برعاية جماعات متشددة في 12 مارس 2012 قائلاً: “إن المؤتمر الوطني يربي العقارب والدبايب وستلدغه يوماً” (سودان تربيون 27 مارس 2012)، د. حسن مكي يرى من جانبه أن هناك تحالفاً بين جماعة الأخوان المسلمين والتيار السلفي، وقال عن داعش: “هي زواج بين التيار السلفي وأفكار الأخوان المسلمين”، وفي تحقيق أجرته معه صحيفة الانتباهة (2 مارس 2015 ) ونشرته في صفحتها الخامسة ، واصل حسن مكي ليقول: “الدولة الاسلامية لها خلايا نائمة في السودان”، وفي اجابته عن سؤال: هل بالامكان تكوين داعش سودانية؟، أجاب: “هي موجودة أساساً ولكن صوتها مخنوق ورأينا مقتل قرانفيل ومجموعة الدندر والخليفي وتوجد خلايا نائمة، ويوجد شباب يفكرون خاصة في ظل الأوضاع الضاغطة”، وفي اجابته عن سؤال: إذن من هي داعش؟، قال: “داعش أصلها شباب أنقياء أتقياء وأعمارهم صغيرة (حيث يتفق هنا مع رأي البشير – فضائية سكاي نيوز عربية – 25 فبراير 2015)!..

* السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يستطيع “حاوي” الانقاذ أن يحتفظ بـ”شحمة” الشيعة و”نار” الوهابية تحت وسادته وهو مطمئن هانئ البال معتمداً على قوة توازناته وحباله المتشابكة تحت سيطرته الأمنية، والفوضى الخلاقة لا تأتي عفواً أو صدفة، إذ لها صانعون وطابخون عيونهم لا تنام عن ما يفعلون وهم متربصون!!..

* سؤال آخر: لا شك أن السودانيين مسالمون بطبعهم وبتأثير من ثقافتهم (ثقافات متعددة متنافرة متعايشة عبر الزمن أنتجت شعيرة الأجاويد) ويرفضون العنف (قال حين طُلِبَ منه مقاتلة آخر: لاكين بلا غبيني؟!)، ولكن – كما يقال – لكل قاعدة شواذ (خاصة وهناك أيدي خفية تعمل بجد لتغيير هذه الطبيعة وعلامة نجاحها تظهر في جعل بعض السودانيين يفجرون أنفسهم كما ظهر ذلك في ليبيا ومالي)، هل في الامكان تحول الساحة السودانية إلى ساحة مواجهة مذهبية بين إيران والسعودية؟!..

 

* eisay@hotmail.com