صلاح شعيب  نجاح الدولة بمفهومها العصري في زمن الميديا، والاتصالات الحديثة، يحتاج إلى تكامل عناصر الإبداع في النظام الإداري لشؤون الحكم، وإلى استغلال مواردها لصالح تنمية الاقتصاد، وإلى تحسين شروط علاقاتها الدولية، والإقليمية، والقارية.

ولعل هذه العناصر مجتمعة هي القاسم المشترك لسلام، واستقرار، وتطور، البلدان. ما لم نقله، ولكن قاله الإسلاميون المغبونون لعوامل شتى، إن البلاد وصلت إلى طريق مسدود قبل مذلة البشير في الإمارات، ومصر مؤخرا. المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فالدولة التي سيطر عليها الإخوان، وجراء تهديمهم قطاعاتها المهمة التي تقوم عليها، فضلا عن التحديات القضائية التي تواجه مسؤوليها، حرمت نفسها من وجود الرادع المجتمعي لمسارها السياسي طوال ربع قرن.

وبسبب هذه المعطيات السياسية انسحق عطاء القوى التقليدية المعارضة التي كانت إلى حد ما تؤدي دورا في حفظ ذلك التوازن السياسي منذ الاستقلال، وعوضا عن هذا نهضت قوى عسكرية جديدة صارت جزء أصيلا في الملعب السياسي. ولعل لها من القدرات الذاتية، والعسكرية، التي إذا تجمعت آحادها لفاقت قدرات المؤسسات النظامية التي ورثها الإخوان المسلمون ثم أدلجوها. والحقيقة أن كثيرين يعزون مسؤولية تردي عمل القوى الحزبية التقليدية إلى سياسة النظام التي قصدت تحطيمها للاستئساد على الواقع السياسي. ولكن، مع بعض الصحة في هذا الرأي، فإن هناك عوامل عضوية عميقة هي التي أقعدت هذه القوى دون أن تكون بمستوى التحدي الكبير. ولذلك عجزت قوانا السياسية القومية عن تطوير خطابها معرفيا، وتحديث هياكلها تنظيميا، خصوصا وأن هناك تحولات اجتماعية، وديموغرافية، وجيوبوليتكية، وتعليمية، واجهت هذه القوى، قبل، وأثناء فترة نظام الإخوان المسلمين.

إضافة إلى ذلك الانسحاق شهدت البلاد هجرات شبه منتظمة لمثقفي الطبقة الوسطى ضمت أفضل الكوادر التي تعد من التكنوقراط الماهرين، والنزيهين في مجالات الخدمة العامة، وسائر المجالات العلمية، والصحية، والصناعية، إلخ. وأولئك التكنوقراط أنفسهم كانوا هم الذين يقدمون الخدمة المتقنة للمواطن، وفي ذات الوقت فإنهم بمقاييس، ومواصفات الصلاحية، يكفون الناس شر رداءة الطعام المعاد التعبئة خارجيا، والسماد المسرطن، والأدوية المنتهية الصلاحية، ويرسمون الخطط لاستجلاب العون الخارجي.

وبجانب تكنوقراط الدولة فقد فقد القطاع الخاص أيضا أمهر كوادره في الاقتصاد، والتجارة، والثقافة، والإعلام، والفن، وحلت محلهم كوادر الحركة الإسلامية التي لم تكن تمثل وزنا مهما وسط هذه القطاعات قبل خطة غزو الدولة. والآن يغنينا واقع السودان من معرفة حول ما إذا كانت هذه الكوادر المؤدلجة قد استطاعت أن تطور ما ورثته، أم أنها أهدرت كل ما تحقق نسبيا من تنمية في بحر الفقر، والجهل، والمرض، بالمقاييس العالمية.

أما المجتمع الأهلي القائم على المبادرات الشعبية فقد تأثر بظروف التمكين العقائدي، وبالتالي قل مجهوده، أو واكب كثير من الفاعلين فيه عمليات النهب المستمر لموارد الدولة والتي سنتها الحركة الإسلامية قبل انشطارها. أما النزيهون وسط هذا المجتمع فقد أقعدتهم قلة الحيلة، واغتربت داخل نفسها، فانقطع إسهامها خارج حوزات القطاعين العام، والخاص..

الآن انسد الأفق تماما أمام الإخوان السودانيين، سواء الذين في الحكم، أو الذين يعارضون بلا مصداقية. فالانتخابات التي تقام في ظروف الحرب، وعدم الرضا الوطني بها، وبقاء المؤتمر الوطني حكما، وخصما، ومستثمرا فيها، قد لاحت مظاهر فشلها مثلما أقر كتاب إسلاميون، لا شيوعيون. أما الاقتصاد فتكفينا أيضا شهادات الكتاب الإسلاميين، وأعضاء برلمانهم، من الاستطراد في تفسير أوجه الضائقة المعيشية السيئة التي تواجه المواطنون. وإذا سألنا عن اتفاقيات السلام، أو مسار التنمية، وتحقيق أمن المواطنين، في المدن، والقرى، فكأنما نحن نتحذلق بالسؤال في واقع مأسوي مشهود لا يغفل الإحساس به أي مواطن راشد في كل مناطق البلاد. بل إن مسؤولي الدولة ما فتئوا يجأرون بالشكوى من فداحة القلة في الإنتاج الزراعي، والذي ظل تاريخيا عصب الاقتصاد التقليدي للدولة بجانب الرعي. أما الصناعة فأمرها مقدر بشكل سوء التخطيط، والمقاطعة الاقتصادية، وغياب المحفزات الحكومية، وعدم الشفافية في التعامل مع المستثمرين من أبناء البلد، وتفضيل الأجنبي.

إذا تركنا كل هذه  الوقائع الداخلية التي كأنها بركان يغلي، فإن العامل الإقليمي ألقى بآثار خانقة في دولة الإخوان السودانيين. فالواضح أن الخليجيين أرسلوا من خلال مؤتمر شرم الشيخ لدعم الاقتصاد المصري رسالة واضحة لدولة الإخوان برغم المحاولات الأخيرة التي بذلها البشير في تحقيق اختراق في العلاقة مع الإمارات. ونعتقد أن التعامل الفاشل للنظام مع الخليج يدل على ما قلناه عاليه بأن البلاد دفعت ثمنا باهظا في تشريدها الكوادر التكنوقراطية التي كان يمكن أن تقدم نصائح دبلوماسية، إن كانت تقبل، لتقي النظام، ورئيسه، إراقة ماء الوجه، والذي عبر معارضون كثر حزنا عليه، وعلى رؤية رئيس دولتهم الافتراضي يعرض البلاد إلى السخرية منها.

إن وزارة الخارجية التي يترأسها أبرز المؤدلجين في النظام، والذي كان يوما يدير مؤسسة الدفاع الشعبي لا يستطيع أن يكون ناصحا لرئيسه في الشأن الإقليمي العربي. فهو يقدم الايديولوجيا الضيقة للنظام على دبلوماسية المصالح التي تضع في بالها قدرات البلاد. أما السفراء الذين وظفوا ليعتاشوا فلا يعتقد المرء أنهم قادرون على إصلاح ما أفسده الدهر. إذ إن دبلوماسيي وزارة الخارجية الذين يتكامل عملهم مع عنف الذين يعذبون الشرفاء في بيوت الاشباح فليس من بينهم من هو رشيد في الإفصاح عن رأي يقدم مصلحة البلد الذي يمثلونه قبل مصالحهم الشخصية، وهم ببساطة مؤدلجون، ومغلوبون على أمرهم. وسيظل بعضهم مستمسكا بالوظيفة، ولا يهم من هو الذي يحكم، وكيف، وذلك بحجة واهية هي أن الدبلوماسي ليس بسياسي وإنما يمثل البلاد، وكفى..أي “كرير” ساكت!. الطريف أن معظم الدبلوماسيين السودانيين، تاريخيا، تحصلوا على درجات عليا في العلوم السياسية، والعلاقات الدولية، ويفهمون معنى المقدمات الصحيحة للتطور السياسي. ولعلهم لا يدركون معنى الديكتاتورية!

وعلى كل حال فأن دبلوماسية الإنقاذ لا تملك شيئا لتبادر به في حل الأزمة مع المجتمع الإقليمي العربي في ظل تفضيل أيديلوجيا الإخوان مصلحة تحالفاتها الدولية على حساب مصالح المواطنين السودانيين. وإذا كان النظام حريصا حقا على علاقته الخليجية كون أن ذلك يعزز فرص المصالح الاقتصادية، والسياسية، للمواطنين لما كانت له حاجة الآن للهرولة المذلة لاستقطاب مجرد ملايين بينما تخرج مصر من مؤتمرها الأخير بعشرات المليارات، هذا بخلاف الدعم الذي قدم لها بعد تحقيق ثورتها على نظام الرئيس مبارك. فالمواقف التي تتخذها الخارجية التي يقف على رأسها كرتي، وسفراؤه المؤدلجين، لا تستطيع أن ترسم سياسة خارجية بناءة، وبناء على تقارير السفراء، وخبراتهم، بوصفهم متخصصين في هذا المجال. وإنما لا يحتاجون حتى أن يفرض عليهم اتباع سياسة الرئاسة التي تحركها الاستراتيجية الدولية للإخوان المسلمين. فما دام كرتي و”كريره” يصدر عن موقف إسلاموي للنافذين في الدولة، فإن النظام لا بد أن يضرب رأسه على الحائط الخليجي. فهو من جهة غير قادر على فك الارتباط بتحالفاته الدولية والغريب ـ من الجهة الأخرى ـ أنه في ذات الوقت يسعى إلى اعتماد سياسة الغش برغم مواقف النظام البائنة في علاقاته مع تيارات الإخوان، والإرهاب الدولي. ولعل لمثل هذه المواقف المضرة بأوطانهم ينشط سفراء الدول المعنية في رصد سياسة النظام وتنوير أنظمتهم عنها.

المشكلة التي يواجها النظام في الإقليم العربي يكمن حلها في عظمة موارد السودان، وليس في الخليج، ولكن المشكلة الأخرى هي أن هذا الحل باهظ الثمن بالنسبة للبشير، وإخوانه. والمشكلة الثالثة أن الخطة الأيديولوجية للنظام منغلقة على حسابات تحالفية لا بد. وعلى ضوء هذا التعقيد لن يكون هناك انفراج في الموقف الخليجي تجاه النظام، وفي ذات الوقت لن يتخلى البشير عن تهديد مستقبل البلدان الخليجية، والسير ضد رغباتها في تثبيت دعائم النظام المصري، والسيطرة على ليبيا بعيدا عن إخوانها، وكذلك حسم الوجود الإسلاموي في المنطقة.  

أحد الكتاب الإسلاميين نصح البشير بإيقاف هرولته المذلة، وأن يعود لتحصين علاقته بشعبه الذي يعينه على تفجير موارد البلاد بما يكفي حاجتها دون العيش “عالة” على جيرانه العرب برغم فرص النهوض الهائلة. ولكن يبدو أن هذا الكاتب لم يستنتج التعقيدات حول إمكانية تنازل البشير، ونظامه، بعد الإجرام الذي ارتكب لربع قرن. إذ لا يرضى السودانيون إلا تقديمه للمحاكمة، ومن أجرم معه، على أن يتنازل الإخوان عن السلطة لحكومة انتقالية. وذلك من أكثر الحلول تسامحا، وأصعبها في الوقت نفسه. أما أي حل تفاوضي غير ذلك فهو إنتاج للأزمة بشكل أسوأ.