محمد جلال أحمد هاشم توليد المعاني والمفردات في اللغة النوبية: التوليد الدلالي والتركيبي نواصل ما انقطع من حديث بخصوص التوليد دلاليّاً وتركيبيّاً. في البدء إسمحوا لي بتوضيح بعض النقاط الفنّية والتي ربّما لا يستسيغُها البعض على أهمّيتها.

هناك طريقتان لكتابة اللغات الأفريقية والعربية بالحروف اللاتينية (الإنكليزية) تجريان على النحو التال:

الصّوتيّة Transcription: مثل كلمة الشّمس حيث أن اللام هنا كما نعلم جميعا شمسية أي لا تظهر في النّطق. هذه الكلمة تُكتب على النحو التالي (ashshams)، باستخدام هذه الطريقة، أي حسب النّطق.

الحرفيّة Transliteration: كلمة الشّمس هنا تُكتب بطريقة مختلفة على النحو التالي (alshams أي بمقابلة كلّ حرف بما يُعادلُه في اللغة الأخرى بصرف النّظر عمّا إذا كان يُنطق أم لا. وهنا عادة ما توضع فاصلة خطّية بين أداة التعريف وجذر الكلمة مثل (al-shams). أهمّيّة هذه المسألة تكمن في أنّنا سنتّبع مزيجاً من الطريقتين، الحرفيّة (transliteration) والصّوتيّة(transcription)  في الإظهار الكتابي (orthographic rendering)  للكلمات النوبية. لكن النقاط الفنّية لم تنتهِ بعد! إذ ينبغي التحذير من أن يذهب الظنُّ بأحدكم إلى أنّ أيّاً من الطريقتين تُمثّل نظاماً كتابيّاً (Writing System) للغة النوبية أو يمكن أن تصلح كنظام كتابي. لا يا سادتي! فكلا الطّريقتين تمثّلان أنظمة كتابة فنّية (technical) ولا توجد لغة على وجه الأرض يقوم نظامُها الكتابي على أيٍّ من الطّريقتين. ومن المؤسف أن جميع استخدامات النوبيين في السودان ومصر للأشكال الكتابية الخاصة باللغة النوبية القديمة (الحروف) تقوم إمّا على الـtransliteration  أو على الـtranscription  فهل يعني هذا أنّهم حتّى الآن لا يعرفون الفرق بين هاتين الطريقتين مجتمعتين وبين النظام الكتابي  (Writing System) ؟

وأرجو أن أستميحُكم العذر لخوضي في هذه التفاصيل. فكتابة وإحياء اللغة النوبية مسألة علم ولا أقلّ من أن نتعرّف على بعض القواعد الأوّليّة لهذا العلم إن كنّا نُريد إجراء مناقشة يُرجى منها.

بعد هذا دعونا نُبيّن بعض القواعد التي سنلتزم بها في الإظهار الكتابي للكلمات النوبية. وتختصّ هذه القواعد بما يُسمّى حروف اللين أو حروف التصويت (Vowels) قصيرُها وطويلُها:

الأصوات القصيرة:

a: في مثل كلمةaman  والتي تعني “الماء” أو “نهر النيل”.

e: في مثل كلمة eged والتي تعني “المعزى”.

i: أي مثل كلمة kisir والتي تعني “الطنبور” أو الغيثارة أو القيتار (guitar). لاحظ أنّها جميعاً تعود إلى أصل واحد.

o: في مثل كلمة obol  والتي تعني “القيف” أو “الجرف” على شاطئ النهر.

u: في مثل كلمة uburti  والتي تعنيالأُثفية” وجمعُها “أثافي”، وهي الحجارة توضع حول موقد النار وعادة ما تكون ثلاث؛ أنظر المثل: “ثالثة الأثافي”.

الأصوات الطّويلة: وهي نفس هذه الأصوات القصيرة في حال مدّها طولاً:

aa: أي مثل كلمة kaasir وتعني “العمامة”.

ee: في مثل جذر الفعل neer  وتعني “ينام” (في حالة المذكّر باعتبار المتحدّث).

ii: في مثل كلمة siiw  وتعني “الرمل”.

oo: في مثل كلمة noog  وتعني “المنزل” أو “الغرفة”.

uu: في مثل كلمة nuurti وتعني “الدقيق”.

القاعدة الثالثة: وتتعلّق بكيفية كتابة الكلمات التي تستلزم الأشكال الثنائية (أي صوت واحد لكنّه يُكتب بحرفين لتعذّر كتابته بحرف واحد) مثل:

ny: في مثل كلمة aany  وتعني “الحياة”.

ng: في مثل كلمة angissi  وتعني “السّمك”.

ch: في مثل جذر الفعل achchin  بمعني “يعُضّ”.

ثمّ تنويه أخير ألا وهو أن جميع هذا يقع ضمن النظام الحرفيtransliteration  مع بعض عناصر من النظام الصوتيtranscription  دون أن يكون ذلك نظاماً كتابيّاً للغة النوبية. ففي النظام الكتابي الذي تمّ بتطويره بناءا على كتاب محمد متولّي بدر وذلك باستخدام الحروف النوبية القديمة ستُلاحظون فرقا كبيرا. فعلى سبيل المثال لا يضع ذلك النظام أيّ اعتبار لقصر أو طول حروف التّصويت وذلك اتّباعا وتمشّيا للنظام الكتابي الخاص باللغة النوبية القديمة. كما تُلاحظون أن الشكل ch يتمّ إظهارُه كتابيّا بالتّكرار المزدوج للشكل /j/ على النحو التّالي: /jj/ وهكذا دواليك. 

التوليد الدلالي

كما ذكرتُ أعلاه سنتعرّض في هذه المداخلة للأساليب والأدوات النحوية والصرفية التي اتّبعتها اللغة النوبية القديمة في مسألة التوليدات الدلالية والتركيبية. بدءاً أُشيرُ إلى أنّ اللغة النوبية القديمة نعني بها تلك التي كانت بمثابة لغةٍ محكّيّة لأجدادنا النوبيين منذما يقرب من 500 عامٍ من الآن وإلى ما قبل 2000 عام (أي من عام صفر ميلاديّة وإلى عام 1500م). هذا بينما إرثها الكتابي مرصود تاريخيّاً من القرن الثامن الميلادي. وكُشف النقاب عن هذه اللغة في حوالي عام 1896م من قبل عالمين ألمانيين وذلك عندما عثرا في أحد دكاكين الورّاقين في القاهرة على مخطوطة قُدّمت لهما باعتبارها مكتوبة باللغة القبطية. ولكن عند التحقق الشديد منها تبيّن لهما أنّها تحتوي على أشكال كتابية (حروف) مخالفة للقبطية. وقد كانا أوّل من تعرّف عليها باعتبارها الحروف التي كانت تُكتب بها اللغة النوبية القديم.

فيما بعد قام عالم الآثار واللغوي البريطاني قريفيث بفكّ طلاسم اللغة النوبية القديمة في كتابه المنشور عام 1913م حيث تسنّى له حينها دراسة كميّة معتبرة من النصوص أشهرُها “أسطورة القدّيس مينا” ثم “ترانيم الصليبوبعض النصوص الدينية الأخرى فضلا عن المقتطفات المجتزأة والخربشات الجدارية والورقية التي عُثر عليها هنا وهناك.

وبعد ستّينات القرن العشرين مع بدء التنقيب الأثري في النوبة السفلى ضمن حملة إنقاذ النوبة لدى الشروع في بناء السدّ العالي عُثر على كميّة أخرى من الكتابات باللغة النوبية القديمة خاصّة تلك التي وقع عليها العلماء في قصر إبريم والتي لا زال التنقيب مستمرّا فيها إلى الآن. ويُعتبر أغلب المواضيع التي عُثر عليه مواضيع دينية وكنسية بالإضافة إلى وثائق غير دينية تتعلّق بمستندات البيع والشراء من أرض وحيوان والتي كانت تتمّ بإشراف القساوسة والملوك فيما يُعرف بمملكة دو توّ.

الآن لنا من الوثائق المكتوبة بالنوبية القديمة ما حجمه عدد 100 صفحة مطبوعة. وقد خضعت اللغة النوبية القديمة للدراسة المتأنّية والتمحيص العلمي المركّز منذ سبعينات القرن العشرين من قبل العالم الأمريكي جيرالد مايكل براون والذي فارقنا مأسوفا عليه العام الماضي إذ توفّي إثر علّة لم تُمهله طويلا. وأغلب هذه المعلومات مأخوذ من كتابيه:

  • Gerald M. Browne (2002), Old Nubian Grammar , Lincom Europa, Muenchen.
  • Gerald M. Browne (1996), Old Nubian Dictionary, Lovanii: in Aedibus Peeters

وسيكون اعتمادي أساسيّا على الكتاب الأوّل منهما في استعراض أدوات التوليد الدلالي والتركيبي في اللغة النوبية القديم.

نبدأ بالتوليد الدلالي والذي يقوم على إسقاط معنى حديث على كلمة موجودة أصلا في اللغة النوبية الحديثة أو النوبية القديمة. من ذلك مثلا في التمارين الملحقة بكتاب محمد متولّي بدر ترد كلمة “أسئلة” بصيغتها العربية. من جانبنا قمنا بتوليد كلمة issigiid بعد استشارة راشدة مع الهادي حسن أحمد هاشم لتعني دلاليّا “أسئلة” كمصطلح مرافق للتمارين التعليمية دون أن يعني “تساؤل” والتي تواضعنا على كلمة issigaad  لتعنيه.

ثمّ هناك كلمة وردت في كتاب متولّي بدر بالعربية ضمن سياق الجملة التالية: haajeekka kuni والتي ينبغي أن تكون بالكاثاريفوسا على النحو التالي: haaja weer-ka kun-i-n. ولنلاحظ هنا أن ورود الفاصلة الخطّية الغرض منه توضيح بداية ونهاية جذر الكلمة أو الفعل المعني بمعزل عن لواحقه النحوية والصرفية. ولكن كما تُلاحظون فإن كلمة haaja هي نفسُها الكلمة العربية “حاجة“. بالبحث في اللغة النوبية القديمة وجدنا كلمة ngeeyil  التي تعني “شيء”  فقمنا باستخدامها.

وبالمناسبة هذه الكلمة تُنطق  neeyil؛ من ذلك مثلا كلمة “دقيقبالنوبية القديمةnguurti ، بينما تُنطق الآن nuurti. والسبب في هذا أنّ حرف النون لم يكن يرد في بداية الكلمة بالمرّة في اللغة النوبية القديمة مثل حرفي الرّاء أو اللاّم اللذين لا يردان الآن في اللغة النّوبيّة الحديثة. لذا الكلمات التي كانت تبدأ بالحرف /ng/ نجدُها قد أصبحت نونا عادية. حتّى كلمة noor نجدُها في اللغة القديمة تبدأ بالحرف /ng/ على النحو التالي ngoor. ولعلم الجميع فإن كلمة noor التي تعني الآن اسم الجلالة “الله”، كانت تعني في اللغة القديمة “الربّ” وهو هنا المسيح عليه السّلام حسب المعتقد النصراني. أمّا اسم الجلالة “الله” في اللغة القديمة فنجده في الكلمة  tilliالتي لا تزال تُستعمل إلى يومنا هذا بين أهلنا الميدوب بشمال دارفور وينطقونها tilla.

من أشهر أمثلة التوليد الدلالي كلمة nuuree التي تعني “درس الحبوب كالذرة والقمح”. وبما أنّ هذه الكلمة “الدّرس” قد تمّ توليدها دلاليّاً في اللغة العربية (وفي العديد من اللغات الغربية) لتعني “الدرس العلمي”، كما في المدرسة، عليه قمنا بإجراء نفس التوليد قياساً على اللغة النوبية. وبهذا استخدمنا كلمةnuureeلتعني مفرد “الدروس”؛ وهكذا بدلاً من أن نتّبع متولّي بدر في استخدام الكلمة العربية “الدرس الأوّل” و”الدرس الثاني”، حيث يوردها بالنوبية على النحو التالي: daris urragillin; daris uwuttillin. من جانبنا قمنا باستخدام التالي: nuuree urragillin; nuuree uwuttillin. من ذلك أيضا مفردتا “المدرسة” و”الفصل” اللتان وردتا عند متولّي بدر في الجملة التالية:madrasa uunil fasil kemso daari ، هذا بينما جاءت إعادة صياغتنا لنفس الجملة على النحو التالي:kullikeer uunila eilaad kemsoli daarin . ولنا أن نُلاحظ الفرق بين الصياغتين؛ فالأولى ممّا قمنا بتصنيفه على أنّه المستوى العامي بينما الثانية ما نُصنّفُه على أنّه المستوى الفصيح أو الكتريوسا. لتبيان الفرق علينا أن نُلاحظ تفكيك التركيب بإدخال الفاصلة الخطّيّة على النحو التالي:kull-i-keer uu-ni-la eilaad kemso-li daar-i-n .

ولكن أهمّ ما في مسألة التوليدات ما يقع في خانة إحياء الكلمات المندثرة من اللغة النوبية القديمة ومن ثمّ بعثها من جديد في ثوبٍ قشيب داخل اللغة النوبية الحالية. من أمثلة ذلك:

* eileekan، وتعني “الآن” أو “حاليّاً”. ونُذكّر بأن الحرفين /ei/ متى وردا في أوّل الكلمة فيُقرآن/i/ .

* eigir وتعني “الكلمة” ذلك عند إيراد قائمة الكلمات الصعبة.

*durti  وتعني “كلّ” حسب الصيغة التالية:gem turtila, eilaad weerli daarin ، بمعنى: في كلّ سنة يُوجد فصل واحد. ولتلاحظوا أنّنا هنا نُثبّت علامة الفاعل في kemso-li، وكذلك في weer-li  باستمرار.

*yaatoros  بمعنى “طبيب” وهي مقترضة من اللغة الإغريقية كالعديد من الكلمات مثل الملائكة؛ الكون … إلخ.

إذن هذا ما كان بشأن التوليد الدّلالي، وفيه أدرجنا أيضا إحياء الكلمات من اللغة النوبية القديمة وهي التي اندثرت في لغتنا الحالية. بعد هذا سنتعرّض للتوليد التركيبي وهو الأخطر شأناً والأكثر تعقيداً، وفيه تقع مجمل اجتهادات النّاشطين النّوبيّين.