عبد الله الشيخ  للغربة أوجاعها ، وللبقاء بين ظهرانيهم ثمن،أكثر فداحة من الغُربة.. والله يجازي اللي كان السّبب..! 

كان صاحبنا مُدللاً ، وكان، وحيداً، و”مِشيحيداً” عِند أُمّو..لم يقترف جُرماً في حق نفسه وفي حقّها ،عدا اشتغاله بالسّياسة.. وفجأة جاء “الصّحابة الزُّرُقْ” في ذلك اليوم ، فأحالوه على بيوت أشباحِهِم، ثم ضايقوه في سُبل كسب العيش حتى ترك لهم الخرطوم، ورجع الحِلّة، واشتغل تربال، يمرُق الصّباح ، ويدخُل مع المُغربية.. وبعد قليل ، وصل الصّحابة الى الحِلّة، وعملوا ليهو الزِّراعة كلهّا ، كُسور وبواقي..هَجَرَ الزِّراعة والسّودان، ومرق فى بلداً طيرا عجمي..وصلت خُطاه المُتْعَبة الى حدود هولندا.. شرِب الريّاح والبرد، و بدأ من هناك حياته الجّديدة.. بعد كم سنة من الغُربة، حَنّ الى الدِّيار ، وقرر أن يربط روحه المُشتاقة لأرض السودان، عن طريق إكمال نِصف دينه، لعلّ وعسى،”كلُّ دورٍ إذا ما تمّ ينقلِبُ”..!

 راودته هواجساً من هذا النّوع ، فأرسل طالباً يدها، فوافقت على الحياة معه تِلك فى الغربة البعيدة، وانحرطت فور وصولها الي هولندا فى برامج تعليم اللُّغة.. وريداً رويداً، تبدّدت دهشتها الأولى من بُعد الشُّقّة بين دولة “الصّحابة الزُّرُقْ ” في الخرطوم ، ودولة الخواجات اليانِعة القائمة فوق تلال الصّقيع، وكيف أن نوعيّات الأجبان في تلك البلدان، أكثر من مؤتمرات الصّلح القبلية في السودان..! أصدقاؤها الجدد فى المعهد لاحظوا أنها ، تخْرُج مُسْرِعةً من معهد تعليم اللُّغات كما السّهْم، فور إنتهاء الحِصص..! سألوها ذات يوم ، بعد أن تمدّدتْ جسور التّفاهم بين شرقٍ وغرْب ، وشمالٍ وجنوب.. سألوها بِلغتها الجديدة : ” لماذا تخرجين هكذا، دون دردشة أو مُراجعة للدُّروس مع الزُّملاء والزّميلات..؟ قالت لهم بالسوداني :”سَجَما..! كيف تنتظر بعد الدّوام ، ولها زوج للغداء ، وعليها مسئوليات البيت، مِن غسيل وطبيخ..قالوا لها : “كيف الكلام دا ، زوجك ، مفروض يساعدك ، ومفروض يطبُخ ويغسِّل ، و يعمل كل الحاجات في البيت، لأنِّك إنت زيّو واحد، بتمرقي للشُّغُلْ وهو برضو بيمرُق للشُّغُلْ..! قلتو كدي..؟!قالت ، سَمِحْ ..ومِن دِريبها داك ، الزّولة عملت طاشّة من البيت..إتمحركت زينْ في المعهد تعليم اللُّغات، وتفسّحت فى الشوارع ، وعمَلتا ونسة ومراجعة فقرات، وتسكعاً فى الرُّدَهات،، وآبتْ إلى منزلها الكائِن بين الأشجار الباسقة و جدت أخونا ، الوحيد المِشيحيدْ، ينتظر غداءها ، كعادة التّرابلة قِدّام “مويّة التّالان”..! وما أظِن ، زولاً فيكم ، بيعرِف الآن ، “مويّة التّالان”..!

 الزّولة ، أول ما دخلت عاينت المطبخ، وقالت :”سَجَما”.. إنت لسّه ما “تَبَخْتا”..!  يعني لِسّه راجيني، وما علمت أي حاجة..؟! أخونا المِشيحِيدْ ،عِرِفْ إنّو ريّاح العولمة، قد لأغدقت عليه العطاء ، فكيف يصمُد أمام عطاءها الجّزيل هذا بعد أن أصبح من رعاياها ومن دُعاتِها..! قال لها بسرعة :لا، لا.. الحِكاية بسيطة ،و ما بتِسْتَاهلْ..! وأضاف على مضض، أنّه سيقوم بعمل ساندوتشات سريعة كِدا، وانتهى الموضوع ..! ثم أنّ أخونا الوحيد المِشيحيد، أضمر حكاية ” التّبِيخْ” فى حنانه، وقرّر أن يرُد عليها ذات يوم..! وتتلاحق السنوات، ليعود معها إلى السودان.. ومِن داخل الحوش الكبير ، جاءه صوتها،مع كركبة البِسْتِلّة..كانت تناديه بإصّرار ، وتدعوه أنْ يخْرُج سريعاً،عشان يحصِّل يجيب الفول، مِنْ بِتّاع الدُّكان..! عقد أخونا الهولندي حاجِب الدّهشة على وجهه وقال لرفيقة الحضارة والغُربة: فول شنو، يا وليّة ، إنتِ لِسّه ما تَبَخْتِي”..!

 و قول معاي.. الله يجازي اللي كان السّبب..!