د. محمد محمد الأمين عبد الرازق نشر الأستاذ بكري المدني في عموده (الطريق الثالث) بصحيفة الوطن، بتاريخ 6/3/ 2015م، تعقيبا للأستاذ عوض محمد الهدي بعنوان: (هل كان نقد يصلي؟؟)

جاء فيه: ” الأستاذ بكري المدني.. بعد التحية والسلام.. واستأذنك أن أسلك عمودك عن (هل يصلي نقد؟)، والتعقيب على فقرة واحدة منه وهي قولك يصلي أم لا يصلي تلك قضية تخص نقد.. كلا يا أستاذ فللمسألة وجه آخر، فإذا كان سؤال السائل غير موفق، فرد نقد خطأ فادح!! ولعلك تتفق معي أن ترك الصلاة معصية تهدر الدم ولم يكن في مكنة نقد إلا أن يجاهر بالمعصية!! ويعترف بأنه لا يصلي- ولو كان مازحا أو ساخرا- كما قلت، لأن مسألة العبادة والصلاة لا يجوز فيها الهزل، وهي علامة فارقة بين (الإيمان والكفر) ألا ترى لمجهود محمود محمد طه كيف اتخذ من صلاة الأصالة التي زعمها جنة، أي وقاية بدلا عن قولة (لا أصلي)”.. انتهت كتابة عوض محمد الهدي..

وأصل الموضوع هو أن صحفيا سأل الأستاذ محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي السوداني عندما كان يقدم مشروعه في التلفزيون أثناء الدعاية الانتخابية لرئاسة الجمهورية السابقة، وكان السؤال، هل نقد يصلي؟ وكانت إجابة نقد محتواها أنه مبدئيا ليس ضد الصلاة، وقال: أنا أحيانا أصلي وأحيانا أتركها، وحاليا لا أصلي.. فالأستاذ عوض، كما ورد عنه أعلاه، يرى أن سؤال الصحفي كان غير موفق، لكنه يقول أن رد نقد كان خطأ فادحا!!

الحقيقة رد نقد كان صادقا وصريحا، والصدق قيمة أخلاقية أساسية في الإسلام، وهو عبر عن حال الكثير من المسلمين اليوم، فالاتجاه الديني أن يأخذ المسلم نفسه بالصلاة، ولا يتكاسل عن أدائها، ولكن قد تسيطر الغفلة والكسل على المسلم، فتراه أحيانا يصلي وأحيانا لا يصلي.. وفي حالة تركها كسلا فإن مجرد الشعور بالتقصير سيحفز المجاهدة في محاولة الانضباط في الصلاة، وعلى قاعدة الآية: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، سيكون مآل المصلي إلى خير.. فهل في إجابة نقد، هذه أي مفارقة للإيمان كما قال عوض الهدي أم أن عوض لا يرى في شخصية نقد مسلما ابتداء لأنه سكرتير الحزب الشيوعي!!؟؟ الشيوعيون في السودان مسلمون يصلون ويصومون كسائر المسلمين، والأستاذ نقد تحديدا قال على صفحات الصحف قبيل وفاته: يا جماعة إلحاد الماركسية دا ما تلصقوه فينا ساكت!!

إن الفجور في الخصومة، من خصال النفاق، فقد ورد في الحديث: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر).. أرى أن الأخ عوض فاجر في خصومته للشيوعيين، وربنا يستر ما تظهر خصال أخرى بين ثنايا هذا البحث!!

وأحب أن أؤكد أنه ليس من الصدق أن ندمغ غير المسلم نفسه بأنه عديم الأخلاق تماما أو نعتبره صفرا على الشمال في مجال الخلق الإنساني، فحركة المجتمع البشري تسير بين (فترة) و (بعثة).. الفترة ليس فيها رسول مبعوث، وإنما تكون الهداية بالعقل البشري، أما البعثة فهي المرحلة التي يبعث فيها نبي برسالة تتولى توجيه الناس، فينظر النبي المبعوث في الواقع ليثبت وينمي الأعراف الحسنة والأخلاق الفاضلة ويجتث السيئة، وفي هذا الإطار يفهم الحديث النبوي: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وعندما بعث النبي الكريم في مكة وجد إكرام الضيف فثبته ونماه، ووجد وأد البنات فاجتثاه من جذوره..   

من الناحية الدينية، الأداء الشكلي للعبادة لا يصح أن يتخذ دليلا على الكفاءة في قيادة الدولة، فقد قال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما أسلفنا: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، والأخلاق هي الصدق، الأمانة، الكرم، العفة …الخ وليس من بينها أداء الصلاة، فالأخلاق يجب أن تكون هي الأساس في الكفاءة.. ولكن الصلاة وسيلة لتحسين الأخلاق، فالمطلوب دوما أن ننظر إلى الأخلاق فإن كانت نبوية فهي الدليل على أن هذا الإنسان يصلي وليس العكس!! والسبب في ذلك هو أن الإنسان قد يؤدي الصلاة شكلا، لكنه من حيث المحتوى لم يصل، ومن أجل أهمية هذه الناحية أنذر النبي الكريم: (رب مصل لم يقم الصلاة) وشدد أكثر: (رب مصل لم تزده صلاته من الله إلا بعدا) ومصداق ذلك في القرآن: (فويل للمصلين .. الذين هم عن صلاتهم ساهون .. الذين هم يراءون .. ويمنعون الماعون) والمعنى واضح، فهم شكلا يؤدون الصلاة لكن قلوبهم فارغة من الحضور فيها، والماعون هو القلب، و(يمنعون الماعون) يعني يمنعون القلب من أن يكون فيه الله.. وكل عبادة يجب أن تكون وسيلة إلى الأخلاق وإلا فهي باطلة، وقد ورد عن النبي عن الصوم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وورد أيضا: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).. هذا وقد قال النبي الكريممَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ ، وَإِنَّمَا سَبَقَكُمْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ

وفي التاريخ جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ليشهد، ويزكي أحد الأصحاب لوظيفة.. فقال له عمر: أتعرف الرجل قال نعم، فسأله عمر أربعة أسئلة وهي: هل أنت جاره الأدنى تعرف مخارجه ومداخله، هل عاملته بالدرهم والدينار، وهل رافقته في سفر قال الرجل: لا، قال عمر هل صاهرت منه وصاهر منك، فقال: لا، قال : لعلك رأيته يطيل الركوع والسجود في المسجد، قال: نعم فقال : اذهب فإنك لا تعرفه!! فالاحتكاك في المجتمع هو الذي يبرز أخلاق الرجال..

إذن ليس هناك أي معنى لأن يسأل سائل مرشحا لرئاسة الجمهورية، عن صلاته أو عدم صلاته، فهذه مفارقة للدين واضحة، وفيها دسيسة غاية في السوء، فالسؤال يجب أن يكون عن تفاصيل البرنامج الذي يطرحه المرشح لمعالجة قضايا البلاد الملحة، في السياسة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية، ليحدد الناخب مرشحه على بينة من الفكر لا العواطف الفجة.. فهذا الصحفي بسؤاله هذا، أراد أن يضعف الأستاذ نقد بغير حق، فهو يعلم أن مثل هذه الخدعة يمكن أن تمر في البسطاء من الناس، فيتحولوا من نقد إلى المرشح الآخر بحجة عدم الصلاة، وهذا من أسوأ أنواع تضليل الناس باسم الدين.. ولعل تجربة الحركة الإسلامية في السلطة، أوضحت تماما المدى الذي يمكن أن يصله مدعي التدين في الفساد وأكل أموال الناس بالباطل.. فحب المال هو المحك الذي يفضح المدعين على الدوام، وقد كان الأستاذ محمود يحذر كثيرا من مثل هذا التضليل بشكل العبادة، ويقول: قد تلقى واحد صلاي وقد يكون صوام، لكن إذا عايز تعرف عندو دين أم لا شوفوا في المال بيتصرف كيف!!

قال صاحبنا عوض محمد الهدي: (لأن مسألة العبادة والصلاة لا يجوز فيها الهزل، وهي علامة فارقة بين (الإيمان والكفر) ألا ترى لمجهود محمود محمد طه كيف اتخذ من صلاة الأصالة التي زعمها جنة، أي وقاية بدلا عن قولة (لا أصلي)..)..

إذن كل ما فهمه الأخ عوض الهدي من كتب الأستاذ محمود حول الصلاة، هو، أن الأستاذ محمود قرر أولا، أن يترك الصلاة ثم جلس ثانيا ليبحث عن فكرة يغطي بها هذا الترك، فجاء بمفهوم صلاة الأصالة!! لماذا؟ لكي يفوت على الناس أن يتهموه بالكفر!!

هنا انحدر الأخ عوض الهدي إلى درك سحيق ودمغ نفسه بجميع خصال النفاق، فهذا الحديث كذب، وعدم أمانة وفجور في الخصومة!! فالأستاذ محمود لم يقل قط أنه ترك الصلاة، وإنما أكد أن الصلاة لا تسقط إطلاقا، وإنما يسقط التقليد، فالأمانة تقتضي أن تنقل عنه قوله كما هو ثم تبين صحته من بطلانه، لكن ليس من حقك أن تحرف الكلم عن مواضعه وتقول عنه أنه جعل من صلاة الأصالة وقاية لترك الصلاة!!

ثم ما الداعي للزج بالأستاذ محمود في هذا الحوار ابتداء!!؟؟

ختاما نستمع إلى الأستاذ محمود يحدثنا في كتابه (تعلموا كيف تصلون) عن المستويين في الصلاة:

( إن صلاة ((المعراج)) ـ الصلاة الشرعية ـ وسيلة إلى صلاة ((الصلة)).. فنحن إنما لنا صلاتان: صلاة كبرى، وهذه لم يكن جبريل حاضراً فرضيتها، وإنما فرضت على النبي وقد سقطت، من بينه وبين ربه، وساطة جبريل.. وأخبرنا عنها النبي فقال: ((الصلاة صلة بين العبد وربه)) وصلاة صغرى، وهذه قد جاء جبريل بكيفيتها، وأوقاتها.. وأخبرنا عنها النبي فقال : ((الصلاة معراج العبد إلى ربه)) ولقد أمر تعالى النبي أن يعرج بصلاة ((المعراج)) إلى صلاة ((الصلة)) قال تعالى في حقه: ((ومن الليل فتهجد به نافلة لك.. عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا !!(( فصلى النبي صلاة معراجه يرتقي بها، كل يوم، إلى صلاة الصلة.. وندبنا نحن لنصلي صلاة معراجنا، لنسير بها، كل يوم، إلى صلاة صلتنا.. وصلاة المعراج هي شريعته الخاصة به، كنبي.. وهي شريعته لأمته، كرسول..  يجيء من هذا الوضع أننا نصلي صلاة المعراج، من حيث الهيئة، كما يصليها، غير أنه هو أصيل، ونحن مقلدون.. ولقد جاءت عبارته لنا في التقليد هكذا: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).. فإذا نحن استعملنا صلاة المعراج في تقليد النبي بإتقان ـ حركة أجسادنا ، وحالة قلوبنا ـ فإننا نعرج بها إلى صلاة الصلة.. وبصلاة الصلة تتم العبودية.. وعند العبودية تسقط الواسطة ، ويقوم العبد في مواجهة الرب..  ) انتهى

هذا النص باختصار يعطي معنى صلاة الأصالة أو الصلة، في مقابل صلاة التقليد، فالانتقال يتم بتجويد صلاة التقليد، لنرتقي بها كل يوم إلى صلاة الصلة، وهي صلاة الأصالة لأنها فردية.. وليس هناك ترك للصلاة مطلقا، كما زعم عوض الهدي،  وكما هو واضح من هذا النص.. فإذا كان الأخ عوض الهدي قرأ كتب الأستاذ محمود عن الصلاة، بحياد لما ولغ في هذا القدر من النفاق.. وكان ممكن يكون أمينا مع نفسه ويقول مثلا: الأستاذ محمود قال ننتقل من صلاة التقليد إلى صلاة الأصالة، لكني لا أوافق أن هناك صلاة أصالة، وهذا هو الأسلوب العلمي في الحوار الموثق بالنصوص.. لكن أن يحرف المعاني ويدمغ الأستاذ محمود بأنه قرر مسبقا ترك الصلاة، ثم بحث عن صلاة الأصالة كجنة، فهذا كلام أيسر ما يقال عنه أنه ساذج، وفجور في الخصومة!!

اقرأ كلام عوض الهدي ثانية: ألا ترى لمجهود محمود محمد طه كيف اتخذ من صلاة الأصالة التي زعمها جنة، أي وقاية بدلا عن قولة (لا أصلي)!!

على كل حال، سأتناول مسألة صلاة الأصالة وعلاقتها بفكرة تطوير الشريعة المعروفة بالرسالة الثانية من الإسلام بتفصيل، في الحلقة القادمة..