د.ناهد محمد الحسن إنّ من أجمل البحوث وأغناها تلك الدراسة الرائدة التي قام بها العلامة الراحل د.التجاني الماحي عن الزار والطمبرة في السودان.

وقد قام بتحقيق هذا العمل الكبير بطريقته الدءوبة المعهودة البروفسور أحمد الصافي مستعينا بإضاءات الأستاذة سميرة أمين وخلفيتها في علم النفس. وإن كان أحمد الصافي من المهتمين بتوثيق تاريخ وتراث الطب في السودن الّا إنّ توثيقه للتجاني الماحي يقوم على علاقة خاصّة بالرجل منذ تتلمذ الصافي على يد الأخير في كليّة الطب ..الشيء الذي جعل الصافي مدركا لمقدرات الرجل وموسوعيته. وحرص احمد الصافي على تقديم هذا الكتاب لقبيلة العاملين بحقل الطب النفسي يمكن ارجاعه لعوامل عديدة منها أن حياة التجاني القصيرة ومحدودية عمله بالطب النفسي في السودان جعل الكثيرون يغفلون دوره وأعماله البحثية في هذا المجال وكثيرا ما كنت استمع للصافي وهو يردد بهم كبير (إنّ التجاني لم يقرأ بعد).. بالإضافة إلى أنّ قرب أحمد الصافي من بحوث الطب الشعبي جعلته على دراية بأنّ ممارسات الطب التقليدي في السودان والزار احداها لا زالت مستمرة…

تؤكّد بعض الدراسات أنّ أصل الزار اثيوبي وأن دراسة النماذج الشبحية المتفشية فيه تؤكّد مصدره الأثيوبي. تعتمد دراسة التجاني الماحي على أنّ كلمة (زار) تعني باللغة الأمهرية الأرواح والأشباح، وأنّ الكلمةقد تكون لغويا تحريفا لإسم (جار) إله السماء في الديانة الوثنيّة الأجاويّة القديمة في الدولة الكوشيّة في اثيوبيا، وقد يكون هذا التحريف  قد تمّ بواسطة المسيحيين الإثيوبيين  ليعني الروح الشريرة.

لم يشرك لتجاني الماحي ولا الصافي لاحقا الموقف الإجتماعي الرسمي من الزار بإعتباره دجل او شعوزة او وسيلة لتبديد الأموال. ولكن اعتبره كليهما وسيلة المرأة المقهورة للتداوي الذاتي في مجتمع ذكوري صرف. وهذه الظرة المتقدّمة سبق بها التجاني الماحي الكثيرين بما في ذلك رائدات الإتحاد النسائي اللواتي تماهين مع الموقف الذكوري في حروبهن ضد الزار. فالتجاني كان يرى في (السحر بعض الأفكار التي تنبع أصولها من العقل الباطن مباشرة وفي وضوح تام دون أن يعتري مضمونها أي تبديل لذاته. وفي مضمون ذلك ما يؤيد نظرية (يونغ) القائلة بأن العقل الباطن هو مصدر الأنماط الشبحية  في السحر وما ترمز اليه قواها وما تعبر عنه طبيعتها من نزوات غريزية الى الوصول الى نتائج جدية لا تتأتى عن طريق نبذ دراسة السحر والوقوف منه موقفا أخلاقيا يهدف الى تحقير جدارته بالبحث لأنه ليس في نطاق الحياة والعالم ما لايجدر تحقيقه على الإطلاق..وقد توصلنا بدراسة هذه النماذج التي تعرف (بالمشايخ) إلى نتائج لها صفات تحليلية  أغنت عن تفسير الأحلام لقدرتها على التعبير المباشر عن نزوات النفس وحاجياتها الفطرية والمكتسبة. ووجدنا أن كل نماذجه  أو جلّها تعبّرعن حاجيات نفسية نوعية تحكي ايضا عن سنة تطور هذه الحاجيات والرغبات تمشيا مع تطورات الحياة)..

يرى التجاني في الزار والطمبرة وسيلة علاج نفسية شعبية عبر الطقوس والشعائر. وهي شكل من اشكال علاج المجموعات بإعتبار أن التفاعل الإجتماعي أساس هام لعلاج بعض الأمراض. وإن طقوس الزار لها أهمية رمزية تساعد على معرفة التكوين النفسي للمريض وهي مرتكزات اساسية للعلاج النفسي. كما ان الأيديولوجيا والطقوس المرتبطة بها تؤمن للمريض النفسي خطة العمل الفعلية  التي توجهه للتخلص من صراعاته الداخلية وتؤمن له الإحساس بالأهمية مما يساعده على تحقيق التوازن الإجتماعي.

لقد طرأ على المجتمع السوداني ما طرأ على غيره من تغيرات كبيرة بسبب سرعة الإتصال والإنفتاح على العالم ..وتعقدت خبرات المرأة وتطورت بفعل  العمل والتعليم..وبالتالي تغير طقس الزار ان وجد..او تطورت الوسائل للتعبير عن الذات في كل ما هو متاح من أدوات التعبير..التي أرى الكتابة والسرد كعنصر هام من عناصرها..ولذلك أهميّة هذا الكتاب تتجاوز حلقات الزار لتشمل الطقوس المشابهة والأدوات الجديدة التي بمقدورنا ان نعمل عليها نفس المنهج التحليلي الذي يساعدنا على فهم العوالم النفسية للآخرين..فكما يقول يونج ان الذات لها قدرة ذاتية على تحقيق الشفاء والإمتلاء متى ما توفّرت الظروف لتنشيط هذا الفعل..وعليه فأنا أنظر لمنتديات النساء واجتماعاتهن في الريف والحضر بذات العين..القدرة على خلق بيئة آمنة للتواصل النفسي..يعاد فيها ترتيب الذات اللاواعية ورموزها في عالم الوعي..ومن ثم الشفاء.. من مردودات القهر السالبة على الذات..

ليست (حوامة) ولا (ثرثرة فارغة)..ليست طقوسا جوفاء ولا تبذير..ليست حركات نسوان ..لكنها …حلول ذكية تضاف الى رصيد المرأة التاريخي في مداواة نفسها والآخرين..شيء (كصرة) الكمون في ثوب الجدّة او شاي الحلبة..شيء من عبقرية المرأة السودانية في التداوي..