عبد الله الشيخ  الحرب هي حظ الجهلاء. وبعبارة أدق، الحرب قدر "الحقّارين، المُستضعِفين" لبعضهم البعض. الحرب نار فى النفوس، قبل أن تتمظهر في الآفاق لتحرق الارض وتُفقِر البشر.

ونحن بمقاييس الغِنى المادي أغنياء، لولا أننا نصنع للحرب أبطالاً نتلقّاهم بمظاهر التبجيل..! الحرب هي أسوأ ما يقع فوق أرض الناس،و ما تمثله من بشاعات التّشفي و القتل وأرتال الضحايا والجرحي، وما تخلِّفه من يُتم وفقدان وخسائر جسيمة، وما تبثه من عجزٍ حقيقي داخل النفوس، هو كارثة حقيقية، عانت منها شعوب السودان، طوال نصف قرن من الزمان..قرأت هذه المعاني في رواية “ذكرى حروب قادمة”، للصحفي القاص، عثمان شنقر، والتى صدرت مؤخراً عن دار المصورات  بالقاهرة..ومن غرائب الصُّدف أن يتزامن وصول هذه رواية  شنقر الى الخرطوم، مع تصريح مُرعِب،جاء على لسان رياك مشار،غريم سلفاكير ونائبه السابق. فقد أكد مشار، فشل جهود الوساطة لوقف القتال بين الدينكا والنوير ،بقوله:” أن الحرب في جنوب السودان لن تتوقف إلا بانتصار أحد الفريقين على الآخر”..!  فيا ويل المستضعفين من “ذكرى حروب قادمة” ستشتعل ، وستكون أكثر ضرواوة من هذه التى اشتعلت لنصف قرن،، فالنار تلد الرّماد، أمّا الحرب فتلِد الحرب. ولو توقفت الحرب الآن ، فإن غبائنها كافية لاشعال النار مرة  أخرى، ولن تُمحى آثارها و حرائقها  بالكلمات الجوفاء، والعمر لو تدري، قصير..!

 يحاول  الراوي عثمان شنقر ،من خلال السرد أن يحكي  القضية المحورية والمركزية فى تاريخ السودان الحديث، ألا وهي الحرب، وما ترتب عليها من أوضاع مأساوية على مجمل الوضع الانساني لشعوب السودان.. الحرب لا تذر سوي ذكريات المنكسرين والباحثين عن أشلاء المكان بين أنقاض البشر.. تحكي الرواية من خلال الشخوص بداية ونهاية علاقة صداقة شائكة التفاصيل، نشأت تحت سماء البارود ، بين ثلاثة رجال هم منصور الطاهر، بشير الشافعي، وحامد المسيكتابي. وقد خبأت الجّبخانه  لكل واحد منهما قدراً لعيناً ، حيث ” فقهت” إحدى القذائف رأس الشافعي، ليختفي بعدها حامد المسيكتابي هرباً من مواجهة حقيقة موت صديقه.. ويظل الطاهر منصور،مهزوم الدّواخل، يتجول في أقبية حشاه المُحترق ، منتظرا ما تأتي به الأيام، وهو يقبعُ في ركنٍ قصيٍّ من الذاكرة، التي تنفجرُ وجداً وحنيناً، حين يظهر حامد المسيكتابي في حياته مرةً أُخرى، بعد أعوامٍ من الضّياع..

الأصدقاء الثلاثاء: الطاهر، بشير، وحامد، جمعتهم صداقة ملتبسة ومحيِّرة، في أجواء الحرب. و حاول الرواي أن يكشف بعض  ظلال المسكوت عنه في مثل تلك الصداقات التي تنشأ بين الناس في ظروف الخطر..إنها رواية من واقع المأساة ، لا تُحكى لكي يتعاطف القارئ مع شخصوصها ومصائرهم المفجعة فحسب، وإنما لكي يقف علي وضعٍ إنساني وثقافي، شكَّل واقع هذه البلاد،  فى هذه الرقعة الجغرافية المسماة مجازاً بـ “السودان”.. و الرواية ليست تشخيصاً لأزمة دولة الجنوب، أو ما كنا نسمية أزمة السودان فى الجنوب، فذلك الجزء العزيز من بلادنا قد انفصل ، وشبِع انفصالاً وعِراكاً ،كما هو حالنا في الشمال..ولكن هذه صرخة ضد الحرب، وإدانة لصانعيها “أبطالها”، رغم أن الراوي، لم يُفصح عن الأسماء الحقيقية لأولئك القتلة ،” للذكرى وللتاريخ”..! إذ من غير المعقول إخفاء خنجر الغدر، التزاماً بفنية السرد..!و لكنّها الكتابة التى تريد أن تحكي الوقائع، بإمتاعٍ ومؤانسة حميمة مع المتكئين في مراتع المدينة..بيدَ أن التزام فن الرواية، لا يمنع من فضح جلاوذة الحرب من المتدعشنين والانفصاليين، الذين  مزّقوا وحدة هذا التراب..لعنة الله علي هؤلاء، في “القِبَل” الأربعة..!