د. محمد محمد الأمين عبد الرازق       قلنا إن الصلاة مستويان: الأول هو صلاة (المعراج) وهي الصلاة التي نقلد فيها النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما المستوى الثاني فهو صلاة (الصلة) وهي تعني الحضور مع الله داخل صلاة المعراج.. 

فنحن عندما نقلد النبي في صلاته، إنما نعمل على تحقيق الصلة بالله في أنفسنا، لنترقى بمنهجية التوحيد نحو إنسانيتنا، حتى ننال صلاة أصالتنا.. و(الصلة) علاقة فردية بالله، و(المعراج) شريعة فردية في حق النبي الكريم، لكنها جعلت شريعة للجماعة، من أجل أن نرتفع بها نحو تحقيق صلاة الأصالة الفردية أسوة بالنبي.. والسبب في حتمية تحقيق الأصالة لجميع الناس في مآلهم، هو أن الفردية هي جوهر التكليف الروحي، فقد ورد في القرآن: (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا)، أو (لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة).. وقد شبه الأستاذ محمود مسألة النمو الروحي لدى السالك في الطريق النبوي، بنمو (السيوسيو) داخل (البيضة)، فالجنين داخل البيضة، ينمو باضطراد حتى يكتمل في تكوينه، فيكسر القشرة، ويخرج للحياة، فكأن القشرة هي التقليد، والحياة التي اكتملت هي (الصلة)، فعندما يخرج (السيوسيو)، تكون القشرة قد أكملت رسالتها تجاه (السيوسيو)، وكذلك السالك عندما تكتمل (الصلة)، بأن يملأ صلاة التقليد بالحضور يكون التقليد قد أكمل رسالته نحوه، فيسقط التقليد، ولا تسقط الصلاة وإنما يرتفع السالك من صلاة الجماعة إلى صلاة الأصالة الفردية.. هذا الشرح، المختصر يعطي تصور، عن معنى صلاة الأصالة في الرسالة الثانية، فالنبي الكريم كان ولا يزال أصيلا في صلاته التي جعلت لنا معراجا، وليس مقلدا لأحد، وهذه النقطة أحب لها أن تكون مركزة في الأذهان..

 ولما كانت صلاة الأصالة فردية فإنها تخص صاحبها، ولا علاقة للآخرين بها، ولذلك فلا معنى للسؤال عن تفاصيل صلاة الأستاذ محمود.. لكن السؤال دوما عن الثمرة التي أخرجتها هذه الأصالة، فالأصلاء بما تحققوا من حضور مع الله، فهم أصحاب رسالة تجاه الناس في إصلاح النفوس وقضايا المجتمع..

وهناك أمر في غاية الأهمية، وهو أن تحقيق الأصالة لجميع الناس، لا يتم في دورة حياة البشر الحالية حسب طرح الفكرة الجمهورية، ولا يحق لأحد بيننا أن يدعي أنه أصيلا خارج التقليد بناء على دعوة الأستاذ محمود، فالأصيل واحد في هذه الدورة، ومن الناحية العملية هو الأستاذ محمود لأنه هو الذي طرح الفكرة نظريا من وحي اكتمال تحقيقه الروحي، فقد أخرج الأستاذ محمود في عام1982م كتابا بعنوان(التقليد والأصيل والأصلاء) جاء فيه حول هذه النقطة:

” فشريعة العارف طرف من حقيقته، وهو فردي الحقيقة فردي الشريعة.. ووقت تحقيق هذه الشرائع الفردية، ومستوى تحقيقها، يختلف من فرد لآخر، إلا أنها، في مستوى القمة، المستوى الذي يسقط فيه التقليد، تتحقق في هذه الحياة الدنيا لرجل واحد، هو قمة الهرم، أما كل من عداه فهم يحققون أصالتهم وشرائعهم الفردية داخل إطار التقليد النبوي، على تفاوت بينهم في ذلك، في زمن التحقيق، وفي مستوى التحقيق “.. انتهى..

السؤال هو: ما هي الثمرة التي قدمها الأستاذ محمود في الدعوة إلى الإسلام، بوحي من تحقيقه الروحي في الأصالة!!؟؟

الثمرة هي الرسالة الثانية من الإسلام، والأساس فيها هو بعث السنة النبوية بمعنى عمل النبي في خاصة نفسه لتربية الأفراد، وتنظم المجتمع كشريعة عامة، بدل الشريعة السلفية التي بين أيدينا والتي طبقت في القرن السابع الميلادي.. وجوهر هذه الفكرة، هو أن الإسلام مستويان: المستوى العلمي الذي كان عليه النبي الكريم في خاصة نفسه، والمستوى العقائدي الذي طبق في المدينة.. فلنأخذ الجانب السياسي في تأسيس الحقوق الستورية..

    الإسلام في مستواه العلمي أسس الدستور الإنساني، في مكة على مدى ثلاثة عشر عاما، والسند لذلك، إنما يلتمس في آصل أصول القرآن في إقرار مبدأ المسئولية الفردية أمام الله.. قال تعالى: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) وقال: (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) وقال: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) وقال أيضا: (كل نفس بما كسبت رهينة).. ولما كان الإنسان رجلا أو امرأة، مسلما أو غير مسلم، مسئول ومحاسب بصورة فردية بهذه الدقة، وهذا الشمول، فلا بد أن يكون الإنسان حرا، وإلا، فلا معنى للحساب.. ولذلك فقد أعطى القرآن في أصوله الحرية كاملة للإنسان، لكي يتصرف، بلا حدود، بشرط ألّا يتعدى على حريات الآخرين، وإذا تعدى يتحمل مسئولية تصرفه أمام القانون، ثم دعم الفرد بالمنهاج التربوي ليقوى عقله فتزيد باستمرار مقدرته على إحسان التصرف في الحرية..

والآيات التي أسست مبدأ الحرية نزلت في مكة: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)، (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)..الخ.. ذلك هو المفهوم العلمي للدستور، وهذا هو السند من أصول القرآن..

هذه الأصول لم يستجب لها المجتمع الجاهلي، فتآمر المشركون علي حياة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فاجتمعوا في دار الندوة بمكة، ودبروا مكيدة لاغتياله، وكانت الخطة بأن يتجمع عدد من الشبان الأقوياء حول بيته في إحدى الليالي، فيضربوه ضربة رجل واحد، ليتفرق دمه بين القبائل، فيقبل بنو عبد مناف بالدية.. وشرعوا في تنفيذ الخطة يوم الهجرة، بالصورة المعروفة في التاريخ، فكان ذلك انتهاكا صارخا للدستور، وتعدي علي حقوق النبيِّ الكريم الأساسية، في حق الحياة وحق الحرية.. ومن هنا، ثبت عمليا، قصور المجتمع وعدم أهليته للحكم الدستوري، وحدثت الهجرة النبوية.. فنسخ الدستور ونسخت الآيات المؤسسة له واستبدلت بالآيات المدنية بعد الهجرة، وجعل النبي وصيا على الأمة بموجب آية الشورى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) وفرضت الجزية على أهل الكتاب، وفرضت قوامة الرجل على المرأة بموجب الآية: ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ).. وجعل المسلمون عامة أوصياء على المشركين بموجب آية السيف: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ).. وقامت الشريعة الإسلامية في المدينة علي الجهاد لإخضاع الخارجين علي الدستور والقانون من أهل الكتاب والمشركين بالسيف، كمرحلة إعداد للمجتمع ليتأهل للحكم الدستوري الذي نسخ، في المستقبل.. وبهذا الأسلوب العنيف انحصر الناس جميعا داخل ميدان الإسلام بغض النظر عن مستوى قناعتهم، فدخل المنافقون خوفا من السيف، ويذلك أمكن انتزاع الحقوق الأساسية للضعفاء اجتماعيا، كحق الطفلة في الحياة الذي انتزع بإنهاء عادة وأد البنات..

قال تعالى في حكمة منهج النسخ في القرآن: ” ما ننسخ من آية أو ننسئها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم بأن الله على كل شيء قدير”.. قوله ” ما ننسخ من آية ” يعني ما نلغي ونرفع من حكم آية.. قوله: ” أو ننسئها” يعني نؤجل من فعل حكمها.. ” نأت بخير منها” يعني أقرب لفهم الناس، وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة.. ” أو مثلها ” يعني نعيدها هي نفسها إلى الحكم حين يحين وقتها.. فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي مرجأة إلى أن يحين حينها..

على هذا الفهم الجديد ووفق التسلسل الواضح للأحداث أعلاه، يبدو جليا وبلا أدنى شك، أن الإسلام قد أسس مفهوم الدستور في أصوله وأرسى دعائم الحقوق الأساسية من قبل أن يعرف الناس شيئا عن هذه الحقوق، وما منع التطبيق إلا قصور الناس عن مستواها وفي كلمة: حكم الوقت.. ولكي نكون أكثر وضوحا، وتحديدا، فإن الشريعة الإسلامية التي طبقت في القرن السابع في المجتمع الجاهلي، تتعارض مع الدستور المستند على أصول القرآن المكية، وذلك لأن الشريعة،كما أسلفنا، قامت على الوصاية، مستندة على فروع القرآن.. والدستور بهذا المستوى حين يطرح لا يسمى إسلاميا بالمعنى العقائدي للإسلام، وإنما هو دستور إنساني تلتقي عنده جميع المعتقدات وتتوافى عليه جميع الملل والنحل، لأنه دستور الفطرة السليمة، جاء في الحديث: ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه”..

 هذه هي رؤية الدعوة الإسلامية الجديدة التي أسسها الأستاذ محمود، أو الرسالة الثانية من الإسلام، وهي تدعو إلى تطوير التشريع الإسلامي من الفروع المدنية إلى الأصول المكية، من أجل تأسيس ثقافة للحقوق الدستورية من قلب الدين الإسلامي.. ولما كانت فكرة تطوير الشريعة على النحو الذي أوضحناه حول الدستور، غائبة عن أذهان السلفيين عموما، فقد ظلوا يعيشون تناقضا مزريا بين البقاء في غرفتهم السلفية وبين الوفاء بحاجة العصر إلى تأسيس مبادئ حقوق الإنسان.. ولقد عطل هذا التناقض طاقاتهم وجنى على ملكاتهم، ولذلك تظهر مواقفهم باستمرار مخجلة، ومخيبة للآمال كلما برز على السطح حوار حول ضرورة مبادئ حقوق الإنسان.. أسوأ من ذلك، تكون ممارساتهم مشوهة للشريعة وللإسلام، ومصداق ذلك، التقارير الموثقة التي تعرض من وقت لآخر، من المراقبين حول الأوضاع في بلادنا، ففي أغلب الأحيان تكون غير مشرفة بسبب عدم الفهم الصحيح للدين..

الشاهد في الأمر أن الإسلام عندما رفع رايات الحقوق الدستورية في مكة، كان يواجه بيئة خالية من أي دعوة للحكم الدستوري، واليوم كل المجتمعات تبحث عن وسائل تدعم بها ثقافة حقوق الإنسان، ولكننا نحن المسلمين، نقف عاجزين عن اكتشاف أعظم ما في ديننا !! فنتهم بأننا إرهابيون !! 

الشريعة، إذن، وكما هو واضح، ليست الكلمة الأخيرة في الإسلام، فالقصور ليس فيها هي، وإنما هو في العقول التي تحاول إقحامها في مشاكل مجتمع لم تفصل له أصلا.. فهي_ أعني الشريعة السلفية_ قد كانت حكيمة في غاية الحكمة حين فرضت الوصاية على أناس قصر، واستخدمت السيف في معالجة مشاكلهم، فهي استعملت السيف كمبضع الطبيب لا كمدية الجزار، فاستأصلت أمراض مزمنة، كعادة وأد البنات، ما كان ممكنا، من الناحية العملية، استئصالها إلا بالطريق العنيف..

الدستور يمكن القول إجمالا، أن مصدره هو روح القرآن، في آيات الأصول، وقد أشرنا إلى طائفة منها كمصدر للحقوق الأساسية، حق الحياة وحق الحرية.. ولكي نرسخ اتجاهنا، لتوضيح كيف أن القرآن مصدر الدستور، نسوق مثالا الآية: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أو أنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير”.. هذه الآية مكية لأنها تخاطب كل الناس وليس المؤمنين وحدهم، فهي آية تعتبر الناس مسئولين، وهي تدعوهم إلى أن ينصهروا في بوتقة المجتمع في وحدة، لا تمييز بينهم على أساس العقيدة أو الجنس أو اللون أو العرق، وهذا هو معنى “شعوبا وقبائل لتعارفوا” وتدعوهم أيضا إلى أن يعتمدوا حسن الخلق، أي الكفاءة ميزانا للمفاضلة بينهم، وهذا هو معنى ” أتقاكم” وقد قال النبي الكريم التقوى ها هنا وأشار بيده إلى قلبه، ليوضح أن صفاء السريرة في داخل النفس هو المقصود وليس مجرد الاعتقاد الشكلي بلا محتوى.. إذن روح القرآن في هذه الآية، هي أنها أسست للتواصل بين الناس من أجل نبذ التعصب القبلي، والعنصرية وتدعو إلى ترسيخ دعائم الوحدة الجغرافية، خاصة بين أطراف البلد الواحد، ثم الاجتهاد على الدوام، لخلق وسائل للتواصل مع المجتمعات حيث وجد البشر..

إن القاعدة الأساسية التي انطلقنا منها لتأسيس مفهوم الدستور، كما أسلفنا، إنما ترتكز على الانتقال من الشريعة التي طبقت في المدينة إلى شريعة جديدة تقوم على السنة النبوية، وخطتها بعث آيات الأصول المكية التي نسخت في ذلك الوقت، ونسخ الآيات المدنية المحكمة في الشريعة السلفية، أي هجرة عكسية من المدينة إلى مكة من جديد!!

 إن مثل هذا التحول الكبير بكل المقاييس،كان يقوم به في الماضي الأنبياء الرسل، فكيف يتسنى لإنسان أن يدعو لمثل هذا التحول الأساسي الجوهري في الدين وهو ليس نبياً ؟؟

الجواب هو: إن الله فتح طريق المعرفة أمام الناس، ودعاهم لتطبيق المنهاج النبوي بتجويد وإتقان، ليعلمهم أسرار دينه، وليس لهذا التعليم حدود، فكلما زاد الإنسان في التقوى زاده الله في العلم.. ولذلك قال النبي الكريم: (إن من أمتي عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله)..

 ما هي وسيلة الدعوة إلى الناس؟

الجواب: هي الحجة والمنطق والإقناع بحسن السيرة  والاستقامة، وبالحوار..

       إن الرسالات السماوية مرتبطة ارتباطا وثيقاً بحركة تطور المجتمع وبالأعراف التي يتواضع عليها الناس.. ويمكن أن نلخص مسيرة البشرية من خلال دورتين: الأولى دورة الحقيقة والثانية دورة الشريعة، والدورتان محكومتان بالآية: (هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم)..

  أولا: دورة الحقيقة: الحقيقة في معناها العام، هي ما عليه الخلق من خير وشر.. وهي الفترة التي ليس فيها رسالة نبوة، وإنما تتحرك البشرية من خلال الصراع في الحياة بوسيلة العقل حسب ما تعطيه التجربة في الوقت المعين.. فتنبت أعراف من هذا الواقع، وتصبح قواعد ثابتة ينبني عليها العمل في تنظيم المجتمع..

ثانيا: دورة الشريعة: تبدأ  دورة الشريعة، بظهور نبي مكلف برسالة، فيقوم هذا النبي المرسل الممدود بواسطة الوحي الملائكي بتنقية تلك الأعراف، فيبقي على الصالح منها ويزيل غير الصالح.. وبهذا تكون شمس الشريعة قد سطعت في كبد السماء.. ثم يمضي الزمن ويطول، وتتغير أوضاع الناس، فتضيق تلك الشريعة أمام المستجدات، خلال حركة المجتمع الصاعدة، فيخرج المجتمع عنها شيئا فشيئا، حتى يدخل الناس في دورة الحقيقة مرة ثانية وقد تتبقى صور شكلية من الشريعة السابقة لا وزن لها في ميزان القيمة الإنسانية.. فتنبت أيضاً أعراف جديدة لا تنضبط إلا إذا جاء نبي مرسل جديد بشريعة جديدة، وهكذا تستمر حركة التطور.. إن مثل الأنبياء في التعامل مع الأعراف الاجتماعية، كمثل المزارع الذي يزرع القمح فتنبت الحشائش الضارة، فيقوم المزارع بإزالة الحشائش ويترك القمح لينمو.. واعتماد التشريع على أعراف المجتمع وارد في القرآن بكلمات العرف والمعروف في حوالي تسعة وثلاثين موضعاً، وكمثال: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)..

       إن هذه المسيرة لم تتوقف، وإنما هي مستمرة، وعندما جاء الإسلام في مكة نظر في الأعراف التي تواضع عليها الناس، فأقر ودعم إكرام الضيف وإغاثة الملهوف، وأزال وأد البنات وعبادة الصنم.. ثم أقام شريعته في المدينة من وحي ذلك الواقع، فنسخ القيم الرفيعة، التي ثبت بالتجربة العملية أنها أكبر من طاقة المجتمع في ذلك الوقت، ولكنه ترك الآيات الداعية إليها في المصحف، بالرغم من أنها معطلة في الحكم لإتاحة الفرصة أمام الناس، للعودة إليها متى ما توفرت الظروف..

 وبمرور الزمن ضاقت تلك الشريعة عن أن تواكب حركة التطور السريعة، فاستجدت الآن في الحياة الحديثة مفاهيم وأفكار جديدة انطلقت من التطور في العلم المادي.. نحن إذن، في فترة حقيقة، ونحتاج إلى دورة شريعة تعيد شمس الشريعة إلى كبد السماء، فتوجه البشرية التوجيه الروحي المطلوب بنفس القدر الذي كان يقوم به الأنبياء السابقون من حيث المحتوى الرسالي.. فإذا نهض عارف بالله قوي الحجة مستقيم السيرة فتصدى لهذا التحدي وأخرج من القرآن معالم الشريعة الجديدة، فليس للناس حجة في رفض هذه الدعوة لمجرد أنه ليس نبياً.. وإنما يجب أن ينظروا في الاستقامة والخلق، وقوة الاستدلال بالقرآن والسنة النبوية.. إن الدور الذي كان يقوم به النبي المرسل في الماضي لم يتوقف، وإنما توقفت النبوة الممدودة بالوحي الملائكي لحكمة أن الناس يمكن أن يأخذوا المعرفة من القرآن..

هذا ملخص للثمرة، التي أخرجها لنا الأستاذ محمود، وهو بعث آيات الأصول المكية لتكون هي هادية التشريع الفردي والجماعي في وقتنا الحاضر، فانظروا بدقة في محتوى هذه الدعوة..