خالد فضل " لا أستبعد وجود فتاوى بجواز الاغتصاب , وحرق القرى, وقصف المستشفيات , وابادة المجموعات المتوقع عدم موالاتها لحكم الطغيان الاسلامي, واعتبار المال العام فيئ أفاءه الله على عباده الصالحين"

   اطلعت على افادات مهمة أدلى بها الاستاذ فتح العليم عبد الحي   الأمين العام لجماعة الاصلاح والنهضة (سائحون) المنشقة عن تنظيم الاسلاميين السودانيين “المؤتمر الوطني”, ذلك في اللقاء الصحفي الذي أجرته معه رئيسة تحرير صحيفتنا  الأستادة رشا عوض , في تقديري أتاح اللقاء فرصة على الأقل لمعرفة بعض المعلومات عن الحياة الداخلية لتنظيم الاسلاميين الحاكمين , وكشف جوانب من ضحالة منهلهم الفكري الذي منه يغترفون , وبعدهم عن المثال الاسلامي المتصور في أخيلة غالب المسلمين , ففي حديثه عن الأسرى مثلا يقول الاستاذ عبد الحي إنّ الفقه السائد في أوساط اسلاميي السلطة وفقهائهم هو (قتلهم ), هنا تبرز احدى أوجه الرياء والخداع التي يمارسها الاسلاميون, ففي المنتديات والمعاهدات الدولية يقرون بمعاهدات حقوق الانسان يوقعون ويصادقون عليها ويوافقون على القانون الدولي الانساني , بل يحاججون بما وافقوا عليه في آلية المراجعة الدورية الشاملة بمجلس حقوق الانسان , إنّهم يظهرون أمام العالم بمظهر الأناقة وربط الكرفتات وتلميع الأحذية ويستخدمون الانجليزية في التعبير, ثم عندما يعودون الى الفعل والممارسة والتطبيق يرتدون الى أقبية المقابر ودهاليز الفقه الميّت فيبعثونها ممارسة ذميمة متخلفة متوحشة , ولا يتورع فقيههم (المستأجر) في القول بأن مقاصد الاسلام أقرب (للعفو) ولكن جماعته يريدون فقه القتل فيمتثل لهم! وهذا الحديث من جانب شخص عليم بما يحدث داخل تنظيمهم يؤكد ما يقال عن (فقهاء السلطان) وأدوارهم الخبيثة في تثبيت الطغيان وبنيان الباطل , وبالتالي يلغي أي مصداقية عما يصدر عنهم من فتاوي وافادات في الشأن العام , ولعل عامة الناس يستفيدون من مثل هذه الافادات المهمة من الداخل لمعرفة وتقييم مثل هذه الواجهات الفقهية السياسية التنظيمية ووضعها في مكانها الملائم كأحد أذرع الطغيان والاستبداد وأخذ الحيطة والحذر من فتاويها المفخخة . هذه الجزئية كذلك تعضد من المطالبة بوضوح بضرورة محاسبة كل من ارتكب جرما وأهدر حقوق الانسان مباشرة أو عن طريق الفتوى واجازة تلك الممارسات كالتعذيب والقتل وانتهاك الحرمات, كما تضئ تلك الافادات مساحات من العتمة التي يمارس من خلالها اسلاميو السلطة أبشع أنواع الانتهاكات لحقوق الانسان , فلا يستبعد والحال كذلك أن تكون هنالك فتاوى تتعلق بجواز الاغتصاب , وحرق القرى بمن فيها وما فيها , وقصف المستشفيات , وابادة المجموعات المتوقع عدم موالاتها لحكم الطغيان الاسلامي , مثلما أشيع عن صدور فتوى تبيح المال العام باعتباره فيئ أفاءه الله على عباده الصالحين , وكما ذكر السيد عبدالحي فإنّ الاسلاميين تربوا على فهم حيازة الدولة باعتبارها الأداة الفعالة لتنفيذ رؤيتهم للحياة الدنيا (والآخرة خير وأبقى), أمّا الجديد في وعي الاستاذ عبدالعليم , فهو وظيفة الدولة , وهذه نقطة تحول مهمة جدا , الدولة الوظيفية كجهاز اداري يقف على مسافة واحدة من الأديان والمعتقدات , نسف تام لوهم (اسلامية الدولة ) التي يجب أن ترق كل الدماء من أجلها , وهي فكرة تقرّب زعيم السائحين ليس من مفهوم علمانية الدولة (كمصطلح يتحسس منه) بل من الفهم الصحيح  للدولة وعلاقتها بشعبها , وهو ذات ما تنادي ونادت به كل القوى الديمقراطية في السودان , ومما نسب للراحل د. جون قرنق حكمته ذائعة الصيت أنّ الدولة لا تصلي ولا تصوم ولا تحج , في تقريب وتبسيط لفكرة علمانية الدولة بطبيعتها , ولكن مع الأسف في سودان اليوم تجد من ينصب نفسه حارسا للإسلام زائدا عن بوابته ضد الأعداء المتوهمين , وقد قال اسحق أحمد فضل الله إنّه يكذب ويتحرى الكذب لأنه يزود عن الاسلام, أفرأيت مصيبة النفاق الفادحة عندما يسود الوهم , وحمدا لله أنّ بعض الذين غرر بهم فيما مضى قد بدأوا العودة الى رشدهم , وحسنا قول بأنّه يجب محاسبة الترابي على موقفه المخزي في مسألة اعدام الاستاذ محمود محمد طه , أمّا جملته (بأنّ العلمانيين المعتدلين أقرب اليه من الاسلاميين المتطرفين ) , فقد سمعت شيئا قريبا من هذا قاله الأستاذ كمال عمر المحامي , الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي , في غمرة نشاط حزبه ضمن قوى الاجماع الوطني , قال بأنّه اكتشف أنّ الشيوعيين أقرب اليه من كل القوى السياسية الأخرى بما فيها الاسلاميين , لأنّه وجد فيهم الصدق والجدية , وبالطبع فإنّ الحزب الشيوعي السوداني ظلّ منذ نشأته الأولى يدعو للدولة  التي تقف على مسافة واحدة من الأديان دون أن يخضع لمزايدات الاسلاميين المستمرة , فوجدهم كمال عمر أهل صدق , ووجد البشير في الراحل محمد ابراهيم نقد نموذجه المفقود والمثال الرايح منو . وفي اعترافات البشير الأخيرة ما يشير حقا الى أنّ الوهم لن يصبح حقيقة , وما يفصل الاسلاميين السودانيين عن الحقيقة المكابرة والمزايدات والتربية القائمة على الدغمسة , ومن الطرائف التي أوردها عبدالحي اسلوب العقاب بالجلد وأكل الشطة الحارة والمبيت في المقابر , كنت أظن أنّ عقوباتهم تشمل حفظ سور القرآن مثلا!! من ضمن اعترافات البشير مؤخرا قوله بأنّ منافسه الحقيقي على منصب الرئيس في انتخابات 2010م كان الأستاذ ياسر عرمان لما يتمتع به من شعبية كبيرة في الجنوب والشمال ويسنده حزب كبير , هذا الاعتراف يؤشر الى أنّ المؤتمر الوطني قد عرقل بالفعل مواصلة ياسر لحملته واكماله شوط المنافسة باستخدام الضرب تحت الحزام وممارسة الابتزاز للحركة وربما عبر بعض قيادييها وقتذاك ممن كانت تدور شبهات حول تواطئهم مع المؤتمر الوطني , هذه ناحية أمّا الناحية الأهم في تقديري في ذلك الاعتراف النادر من البشير فهو حجم وشعبية الحركة الشعبية وقوتها شمالا وجنوبا وباعتبار الراهن يمكن التركيز على قوتها شمالا , مما يجعل منها رقما صعبا يصعب تجاوزه في أي أطروحة لمستقبل السودان , وللحركة إرث مبذول في المناداة والنضال من أجل بناء سودان جديد على القيم والمبادئ التي لا يبتعد عنها زعيم الاسلاميين السائحين كثيرا , وهو مؤشر الى حصافة الأستاذ عرمان وهو ينادي صباح مساء بضرورة بناء سودان جديد قائم على الحقائق لا الأوهام , ومد يديه بيضاء من غير سوء للجميع بمن فيهم الاسلاميين الذين يثوبون الى الرشد ومن خلال اجاباته في الحوار محل النقاش نجد أنّ الاستاذ عبدالعليم يخطو بوضوح ناحية المستقبل وإن كبلته الكوابح .