"في الظروف الراهنة والحاليَّة، تمُرُّ بالبلاد تجربة مُختلفة تماماً عن ما حدث في 1964 و1985، حيث الحزب الحاكم لا يزال مُتمترساً في السُّلطة، مِمَّا يجعل إملاء شروط المعارضة وتصوُّرها للانتقال مسعىً غير واقعي سياسياً."

مع وضع المخاوف السابقة في الاعتبار، تسعى الإدارة الأمريكيَّة لتغيير النظام بطريقة من شأنها أن تخلق قدراً من التحوُّل الديمقراطي، مع توسيع هامش الحريَّات العامَّة، وخاصَّة حرية التعبير والتنظيم، والتوصُّل لتسويةٍ سِلمِيَّة للصِّراع السياسي والنزاع المُسلَّح، وذلك تمهيداً لانتخاباتٍ نزيهة وشفَّافة. كما أن التنسيق في هذا الشأن بين أمريكا وألمانيا، والتي دَعَت جميع الأطراف المُتنازِعَة إلى برلين (25-26 فبراير 2015) لا يُمكن أن تُخطِئه عين. حقاً، فقد هَمَسَ دونالد بوث، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، لمصدرٍ موثوق بقنواتِهِم للتواصُل مع حكومة السُّودان، تقتصر فقط على ثابو امبيكي والألمان. ويهدف الألمان من جمع كُلِّ الفُرقاء إلى تقريب وجهات النظر بينها حول سُبُلِ حَلِّ الأزمة السودانيَّة، وإيجاد وسيلة لتليين شروط وثيقة “نِدَاء السُّودان”، كما أنها دعوة لفتح الطريق للتواصُل بين المؤتمر الوطني وفصائل المعارضة المدنيَّة والمُسلَّحة.

5- زيارة نائب الرئيس لأوغندا والاستقبال الحار للمُضيف، بما في ذلك اجتماع الرئيس موسيفيني، من الأحداث التي أرسلت إشاراتٍ غير مُطمئِنَةٍ للجالية السودانيَّة في كمبالا.

6- بعد سنواتٍ من الفُتُور الملحوظ في العلاقات الثنائيَّة، تمَّ تمديد دعوة مفاجئة للرئيس البشير لزيارة دولة الإمارات العربيَّة المتحدة لمدَّة خمسة أيام، بدأت في 21 فبراير 2015. ويرى “أليكس دي وال” أنه بالرغم من أن زيارة الرئيس البشير لدولة الإمارات العربيَّة المتحدة ركَّزت على المواضيع التجاريَّة، إلا أنها أيضاً أشارت إلى الجُهود الجارية لتحقيق التوازُن السياسي في علاقة البلدين.

7- وتشهد العلاقات مع مصر تطوُّرا لا يمكن إغفاله في مجالاتٍ عديدة، وتُبشِّر بفكِّ عُزلة السُّودان من محيطه العربي، وإشراكه في مواجهة خطر تمدُّد التطرُّف من قِبَلِ جماعاتٍ إرهابيَّة، مثال “داعش” و“بوكو حرام”.

8- وفي تطوُّرٍ لافِت، بدأت، في 15 فبراير بالخرطوم، الاجتماعات المشتركة بين حكومة السُّودان والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، للاتفاق حول مرجعيَّات فريق العمل المُشترك، المُناط به الإعداد العملي لإستراتيجيَّة خروج البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لدارفور “يوناميد”. كما أفاد، لاحقاً، تقريرٌ للأمين العام للأمم المتحدة، قدَّمه لمجلس الأمن في 6 مارس الجاري، بأن المنظمة الدوليَّة تضع “خارطة طريق” لإعداد انسحابٍ تدريجي لقُوَّتها المشتركة مع الاتحاد الأفريقي في دارفور ونقل بعض مهامِّها إلى الحكومة السودانية وفريقٌ مُصغَّر من الأمم المتحدة مقرُّه السُّودان.

9- وفى سياق الانفراجات التي بَدَت على سطح العلاقة ما بين المجتمع الدولي والحكومة السودانيَّة، حفظت المُدَّعيَة العامة للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة التحقيق في جرائم حرب دارفور لعدم تحرُّك مجلس الأمن للضغط من أجل تنفيذ أوامر القبض الصادرة من المحكمة.

10- وتجدُرُ الإشارة إلى ورقة قدَّمها الأمين العام للحركة الشعبيَّةشمال لمعهد أبحاث السلام – أوسلو، في 8 يناير 2015، أقرَّ فيها بأنه: «في ضوء الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي، نتيجة لعوامِلَ كثيرة، تستفيد الحكومة السودانيَّة من غياب الإرادة السياسيَّة الدوليَّة، بالإضافة إلى التحديَّات الجسيمة لحالة عدم الاستقرار في الدول المجاورة للسُّودان».

خامسـاً:
1-
أميلُ إلى الاعتقاد بأن العقبة الرئيس أمام التوصُّل إلى اتفاقٍ بين الحكومة والحركة الشعبيَّة-شمال، هي خلافُ طرفي التفاوُض على كُلٍ مِن المَدَى والنتيجة المتوقعة، أو بعبارة أخرى “المُحصِّلة النهائيَّةللمُفاوضات (أو الحِوَار الوطني). ففي حين تدعو الحركة الشعبيَّة-شمال إلى إدراج القضايا الدستوريَّة القوميَّة في جدول الأعمال، تُصِر الحكومة على تقييد المُفاوضات وحَصرِهَا في قضايا المنطقتين فحَسْب. لذلك، حَسِبتُ أن على النظام إظهار جِديَّته بشأن مبادرة الحِوَار الوطني، التي أطلقها رئيس الحزب ورئيس الدولة بنفسه، في 27 يناير 2014، وذلك بتقديم تصوُّرٍ واضح للحِوَار وللمُحصِّلة النهائيَّة المتوقعة منه.

2- في هذا الصَّدَد، أرى أنَّ أمر الحِوَار الوطني لا يستقيم ولن تقود نتائجه إلى توافُقٍ وطنيٍ حول كيف ننتقل بالبلاد إلى مستقبلٍ أفضل، إلاَّ إذا اتفقت كافة القُوى السياسيَّة وقوى المجتمع الحيَّة على مدى (scope) “التغيير” المطلوب في البنية/البِنيَات السياسيَّة والمُؤسَّسيَّة للدولة السودانيَّة بعد أكثر من رُبع قرنٍ مِن الزمان مِن حُكم الحزب الواحد. فمِن الواضِح أن المؤتمر الوطني، من جهة، وبقيَّة القوى السياسيَّة، من جهة أخرى، لا يَقرأون مِن نفس الصَّفحة فيما يتَّصِل بالنتائج والمُخرَجَات المُتوقعة من الحِوَار. فبعض قُوى المعارضة، ولو بدرجاتٍ متفاوتة، تسعى إلى إقامة نظامٍ جديد، فيما تتطلع قُوى أخرى إلى وضعٍ وترتيباتٍ انتقاليَّة كاملة الدَّسَم، تُفضِي إلي تفكيك النظام السياسي برُمَّته، على شاكلة الأوضاع الانتقاليَّة التي تنتجها الانتفاضات والثورات الشعبيَّة. وعليه، كنتُ دوماً أطرح على نفسي، وعلى آخرين، سوء الظِلِّ يُؤرِّقني لفترة طويلة: «إن كان الانتقال المُكتمل الأركان خياراً ليس على قدرٍ راجحٍ من الواقعيَّة السياسيَّة، بحسب دُفُوعَات المؤتمر الوطني الموضوعيَّة والذاتيَّة، فما هُو تصوُّر الحزب الحاكم لطبيعة ومدى التغيير الناجم عن مداولات الحِوَار الوطني، حتى ولو وافقت كل القوى السياسيَّة على المُشاركة فيها؟!».

3- لم أجد الإجابة لهذا السؤال في حوارٍ متواصِلٍ مع صديقٍ قيادي كبير في المؤتمر الوطني.. ففي رأيه، ويشاركه عديدون، أنه: «ليس من المُناسب استباق الحوار بأي تصوُّراتٍ، أو إجراءاتٍ، يمكن أن تكون من المُخرجات». ومع ذلك، لم يطُل انتظاري حتى جاءت الإجابة علي السؤال، عملياً، من خلال الكشف عن خُطة المُؤتمر الوطني المُعدَّة سلفاً لضمان قيام الانتخابات المُقبِلة في أبريل الجاري، وفرضها سياسياً كأمرٍ واقع. ويبدو أن هدف الحزب الحاكم من مبادرة الحِوَار، هو الوصُول إلى الانتخابات العامَّة، بحيث يكون المُؤتمر الوطني هو الفائز بأغلبيَّة مريحة، في نهاية المطاف. مِمَّا لا شكَّ فيه، أن هذه ظلت إستراتيجيَّة المُؤتمر الوطني، تقريباً منذ أن حلَّت رسمياً نهاية الفترة الانتقاليَّة المُترتبة على اتفاقيَّة السلام الشامل في يوليو 2011. وقد تحدَّث إليَّ هاتفياً مصدرٌ موثوقٌ به للغاية من الخُرطوم، في فبراير 2013، مباشرة بعد نشر مقالي “الكرة في ملعب الرئيس”، والذي اقترحتُ فيه انتقالٌ سِلمِي، يقوم على برنامج تتوافق عليه كافة القوى السياسيَّة والمجتمعيَّة، على أن يقوده الرئيس نفسه. أبلغني المصدر أن الرئيس قد قراً المقال على الصُحُف. وتتلخص القصَّة في أن أحد المُقرَّبين للرئيس قد قال، مازحاً، له: «يبدو أنه حتى الشيوعيين من أمثال الواثق كمير يُقدِّمون اقتراحاتٍ لكيفيَّة الخروج من الأزمة السياسيَّة، فماذا لديك من مبادرة؟».. فأجابه الرئيس: «قرأتُ بالفعل المقال المعني، ولكن مبادرتي، هي: الانتخابات»!

4- تتبنى مختلف الوثائق والبيانات الصادرة عن “الجبهة الثوريَّة”، وتصريحات قيادتها، و“إعلان باريس”، و“نِدَاء السُّودان”، خيارين لتحقيق التغيير المطلوب: (أ) إما تفكيك النظام الحاكم من خلال حلٍ سياسيٍ شامل، “الحِوَار القومي الدُستُوري”.. (ب) إسقاطه من خلال الانتفاضة الشعبيَّة أو العمل المُسلَّح، أو الاثنين معاً.

5- الشروط المطلوب الإيفاء بها لتحقيق التسوية السياسيَّة، من قِبَلِ قُوى المعارضة تدعو النظام الحاكم لتقديم تنازُلات تُفضِي في نهاية الأمر إلى تفكيك النظام نفسه. وهكذا، فالمعارضة تطلب انتقالاً كامِلَ الدَّسم، بما في ذلك تشكيل حكومة انتقاليَّة مكتملة الأركان. وفي ضوء التحليل السابق، لا أعتقد أن مثل هذا الاقتراح، ولا سيَّما طريقة تقديمه، سيُصادف هوىً لدى النظام، وخاصَّة الدعوة لـ“رئيسٍ توافُقِي” لقيادة المرحلة الانتقاليَّة المُقترحة. ففي نظر حزب المُؤتمر الوطني، ما طرحته المعارضة من خيارين لحَلِّ أزمة البلاد لا يعدو في حقيقة الأمر أن يكون خياراً واحداً، لا غير، هو: “تفكيك النظام” (اسم الدَّلع لإسقاطه)، إما طوعاً أو كرهاً. ولا أظن أن أي نظامٍ سياسي، لم يَزَل على سُدَّة الحُكم، سيقبل توقيع شهادة وفاته حول طاولة الحوار، أو المفاوضات، ويَقنَعَ بتسليم السُّلطة لمعارضيه، هكذا، على طبقٍ من فضَّة.

سـادسـاً :
تحتاج العديد من الأسئلة الهامَّة والقضايا الرئيسيَّة إلى إجاباتٍ ومعالجاتٍ موضوعيَّة في سياق عمليَّة رسم الطريق إلى الأمام، بشكلٍ صحيح:
1-
شَهِدَ السُّودان في تاريخه المُعاصِر نمطين، أو نوعين من الانتقال، وأربَعُ حالات انتقاليَّة. تشكل النمط الأوَّل من الانتقال على مبدأ حق تقرير المصير. ففي الحالة الأولى تمَّ نقل البلاد من الاستعمار إلى الاستقلال (اتفاق الحُكم الذاتي في عام 1953).. وفي الحالة الثانية، الانتقال من سودانٍ واحد إلى سودانَيْن (اتفاقية السلام الشامل، يوليو 2011).. أما النمط الثاني، فيتمثل في الانتقال من الحُكم العسكري أو حُكم الحزب الواحد إلى النظام البرلماني التعدُّدي، سواءً في عام 1964 أو 1985. ومن الواضح أن الأوضاع الحاليَّة في السُّودان لا تَتَّسِق مع طبيعة النمط الأوَّل من الانتقال السياسي. وبالمثل، فعلى الرغم من أن المشهد السياسي مشحونٌ بالتناقُضات ويُعاني من احتقان واستقطاب حادين، إلا أن النظام ما زال مُمسِكاً بالسُّلطة ومهيمناً على مُؤسَّسات الدولة في البلاد، ولو بَدَت عليه علامات الضَّعف والإرهاق والشقاق. ففي كلٍ من 1964 و1985، ترتب الانتقال بناءً على انتفاضة شعبيَّة أشعلتها وشاركت فيها قطاعاتٍ واسعة من الشعب السُّوداني، وباركتها جبهة مُوحَّدة للقُوى السياسيَّة، وأمسَكَ الجيش بزِمَامِ الأمور، مِمَّا مكَّن هذه القوى من فرض حزمة ترتيباتهم الانتقاليَّة المُتفق عليها. وتمَّت إزاحة الحزب الحاكم عن سُدَّة السُّلطة في الحالتين، المجلس العسكري للفريق إبراهيم عبُّود، والاتحاد الاشتراكي لنميري، على التوالي. أما في الظروف الراهنة والحاليَّة، تمُرُّ بالبلاد تجربة مُختلفة تماماً عن ما حدث في 1964 و1985، حيث الحزب الحاكم لا يزال مُتمترساً في السُّلطة، مِمَّا يجعل إملاء شروط المعارضة وتصوُّرها للانتقال مسعىً غير واقعي سياسياً.

2- يُشكِّل أيضاً إقصاء الرئيس من العمليَّة الانتقاليَّة وحِرمَانِهِ من قيادة الفترة الانتقاليَّة، في بحثٍ عقيمٍ عن شخصيَّة وطنيَّة “توافقيَّة، عقبة رئيسة أخرى تقف في طريق تحقيق تغيير حقيقي وسلمي (وقد اقترح السيِّد الإمام آليَّة لاختيار هذه الشخصيَّة). وعلى وجه الخصوص، ففي حالتي الانتقال السابقتين في 1964 و1985، تمَّت بالفعل الإطاحة بالرئيسين، عبود ثمَّ نميري، في حين أنه هذه المرَّة يظل الرئيس موجوداً على رأس السلطة. وفي الحالة الماثلة أمامنا، بينما يلوحُ في الأفُق تهديد المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، إضافة إلى كون أن الرئيس هو المُبادِر بالحِوَار الوطني، فإنه من غير المُرجَّح، ان لم يكُن من المستحيل، تنحِّي الرئيس وإخلائه مقعده لصالح شخصٍ آخر. وكأنه تأكيداً لذلك، في مقابلة مع شبكة سكاي نيوز عربيَّة’، 24 فبراير، كان رأي الرئيس، في معرض ردِّه على سؤالٍ عن الأوضاع في سوريا، أنَّ الرئيس الأسد، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من انتفاضة شعبيَّة ومُسلَّحة ضدَّه، هو جزءٌ من الحَلِّ، ولا يمكن استبعاده من أي تسوية سياسيَّة، «وإلاَّ فسوف يظلَّ يقاتل حتى النهاية». بل، تعهَّد البشير بنفسه في خطابه بمناسبة تدشين حملته الانتخابيَّة بولاية الجزيرة، 26 فبراير، على أنه لن يرحل إلاَّ إذا قرَّر الشعب ذلك عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة، والتي إذا فاز فيها سيتنحى في 2020. وربَّما، كان موضوع التعامُل مع المحكمة الجنائيَّة هو أحد الدوافع الكامن وراء الإسراع بالتعديلات الدستوريَّة الأخيرة، الهادفة إلى تركيز سُلطة الدولة في يد الرئيس، والذي أراد بحسمه لصراعات مراكز القوى في حزبه أن يكون في قلب أي تسوية سياسيَّة محتملة. وتلك رسالة واضحة إلى المعارضة والمجتمع الدولي، وفحواها: ألاَّ صفقة أو مساومة تاريخيَّة يمكن إعداد طبخها من وراء ظهر الرئيس.
3-
بينما تنفُض الحركات الدَّرافوريَّة يدها عن اتفاقيَّة الدَّوحة، أيضاً، فخطابُ قيادات الحركة الشعبيَّة–شمال يكاد يخلو من مجرَّد الإشارة إلى المُفاوضات المقرَّرة حول المنطقتين، جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، تحت وساطة الآليَّة الأفريقيَّة رفيعة المستوى (AUHIP). هذا الإغفال يطرح سؤالاً هاماً: هل لدى الحركة الشعبيَّة-شمال إستراتيجيَّة واضحة للتوفيق بين التزام الحركة بالمُفاوضات (المدعومة إقليمياً ودولياً) من جهة، مع السعي للحِوَار “القومي الدُستوري”؟! من جهة ثانية، أو بمعنى أخر، هل غَسَلَت الحركة الشعبيَّة–شمال يديها من المُفاوضات، وبذلك قرَّرت ترك الأمر معلقاً حتى تتم تسوية القضايا القوميَّة الدستوريَّة تماماً؟! وبنفس القدر، فإذا أصرَّ النظام على المُضِيِّ قُدُماً في طريق الانتخابات، هل يُمثل التمسُّك بهذا الموقف الضربة القاضيَّة للحِوَار الوطني؟! أي وقف الحوار نهائياً في أعقاب الانتخابات، وإفراز واقعٍ سياسيٍ جديد، ليُصبح إسقاط النظام هو الهدف المرجو؟!

4- وكأنه رداً على السؤال، رجَّح الأمين العام للحركة الشعبية-شمال عزوفهم عن استئناف المفاوضات مع الحكومة في ظِلِّ إصرار المؤتمر الوطني على المُضِي قُدُماً في الانتخابات، بل أضاف: «سنفكر في الاتجاه لاستخدام قرارات مجلس الأمن لرفض التفاوُض مع النظام بوصفه غير شرعي ورئيسه مطلوب للجنائية». (صحيفة التغيير الإلكترونية، 5 مارس 2015). ومن ناحية أخرى، أعلن عن أن المعارضة سوف ترفع يدها عن “الحِوَار القومِي الدُستوري” حال قيام الانتخابات في 13 ابريل، وحينها فسوف تتجه المعارضة كلية إلى إسقاط النظام عبر انتفاضة شعبيَّة سلميَّة واسعة، على حدِّ تعبيره. فهل حقاً ستمضي الحركة في الانسحاب من طاولة المُفاوضات، المدعومة إقليمياً ودولياً، أم أنَّ الحركة ستتمسَّك بالتفاوض والحِوَار حتى النهاية، في استرشادٍ بنهج وممارسة الحركة الشعبيَّة لسِلاح التفاوُض مع جميع حُكومات الأمر الواقع بين 1983 و1989؟!
5-
يثور هُنا سؤالٌ بالغ الأهميَّة: في ظِلِّ الواقع الداخلي والإقليمي الراهن، والتوازُن الحالي للقُوى السياسيَّة والمُجتمعيَّة في البلاد، ما هو الهدف النهائي من النضال المسلح؟! وبشكلٍ أكثر تحديداً، ما هو احتمال تحقيق نَصْرٌ حاسم ضدَّ القوَّات الحكوميَّة، أو ترجيح الوضع العسكري السائد لصالح الحركات المُسلَّحة، وما هو الأفق الزمني لهذا الاحتمال؟! لا بُدَّ من التفكير المتأني والجاد في هذه الأسئلة.. إنَّ السُّودانيين العاديين والمُواطنين البُسطاء، لا سيَّما في المناطق المتأثرة بالحرب، هُم وقود الحرب وضحايا النزاع المُسلَّح طويل الأمد. فالعديد من السُّودانيين المهمومين والمُهتمِّين بالشأن الوطني، يميلون للاعتقاد بأن الحركة الشعبيَّة-شمال، فضلاً عن المُكوِّنات الأخرى لـ“الجبهة الثوريَّة” تماطل عمداً في مُداولات المُفاوضات، التي لن تحقق إلا بضعة مكاسب متواضعة، مقارنة بما منحته نيفاشا للحركة الأم، بينما عينها على الحِرَاك الداخلي المُحتدم، لعلَّ تحالُفِهَا مع القُوى السياسيَّة والمجتمعيَّة يُؤتي ثماره فتهُبَّ الانتفاضة ويسقُطَ النظام، بينما لا يزال السِّلاح في مُتناول اليد، مِمَّا يسمح بمساحة أكبر للمُساومة على نصيبٍ اكبر في حصَّة السُّلطة قد لا تطالها على مائدة التفاوض. وبالطبع، وهذا أيضاً ينطبق على المؤتمر الوطني والذي يُشكِّل تشبُّثه بمواقف تفاوُضِيَّة عالية السُقوفِ عقبةً رئيس في طريق التوصُّل الى اتفاق طالما ان تكلفة استمرار الحرب يدفع ثمنها المُواطن السُّوداني البسيط، خاصَّة في المناطق التي يدور فيها القتال.

6- وفي هذا الصَّدد، لعلَّ الخلاف الاستراتيجي بين طرفي التفاوُض فيما يتصل بالتسوية السياسية الشاملة، عبر الحوار القومي الدستوري، من جهة، والتوصُّل لاتفاق حول الترتيبات الأمنيَّة الشاملة، من جهة أخرى، هو ما دفع رئيس الآليَّة الأفريقيَّة رفيعة المستوى لتوجيه مذكرة ضافية إلى رئيسَي وفدي المفاوضات. عبر ثابو امبيكي في الوثيقة عن قلقه بخصوص تطاوُل أمد المفاوضات وصعوبة انعقاد الجولة القادمة في حال لم يأتِ الطرفان بإجاباتٍ شافية تفيد بإمكانيَّة توصُّلهما إلى اتفاقٍ بشأن تداعيات هذا الخلاف الاستراتيجي وطرق ووسائل معالجة ما ينطوي علي هذا التناقض الجوهري.

1. ومع أن البيان 456 لا يعد إجراءات بِناء الثقة شروطاً مُسبَقَة لبدء الحِوَار الوطني، إلاَّ أن المؤتمر الوطني مُلزمٌ سياسياً وأخلاقياً بتهيئة المناخ لقيام انتخابات حرَّة ونزيهة. فهذه ليست باشتراطاتٍ، وإنما استحقاقات دستوريَّة، مثلها مثل الانتخابات، والتي، للمُفارقة، يتخذها الحزب الحاكم ذريعة لتجاهل ورفض كل دعوات المعارضة المدنية والمسلحة المطالبة بتأجيلها، فهل هو الكيل بمعيارين؟!ولعل ترحيب القطاع السياسي للمؤتمر الوطني بمخرجات إعلان برلين يدفع بالحرب الحاكم للمضي خطوة أخرى في طريق تنفيذ إجراءات وتدابير بناء الثقة المتفق عليها والمصادقة عليها من قبل الحزب نفسه.

رؤى ختاميـَّـة:
في تقديري أنَّ هناك حاجة مُلِحَّة لإعداد وتفصيل:
1-
اقتراحٌ يُفصِّل السِّمَات الرئيسة وطبيعة الانتقال المُتوخَّى، وتحديد أهدافه ووظائفه بدقة، والأهم من ذلك، توضيح وضع المُؤتمر الوطني، الحزب الحاكم، ونصيبه في السُّلطة الانتقاليَّة، ومواقعه في هياكل الانتقال. إن مُخطَّط ونموذج تجربتي الانتقال في 1964 و1985 غير قابلٍ للتطبيق في الظروف الحاليَّة. فهناك حاجة لوضع خُطة عقلانيَّة، تنسجم مع هذه الظروف المختلفة عن سابقتها في أكتوبر وأبريل، ورسم تصوُّرٍ للإصلاحات قابل للتحقيق، أو إعادة هيكلة مُؤسَّسات الدولة، خصوصاً وأن هذه المُؤسَّسات ظلت تحت الهيمنة الحزبيَّة المُطلقة لأكثر من رُبع قرنٍ من الزمان. ومع ذلك، فانه لا يصح سياسياً أن يقوم فصيل بعينه، وبمفرده، بصياغة هذا الاقتراح، بل ينبغي أن يكون نتاجاً لمُشاوراتٍ مُكثَّفة وعميقة بين الحُلفاء في الجبهةالثوريَّة” وقوى “نِدَاءالسُّودان”،والشُركاء الآخرين، وصولاً إلى موقفٍ مُوحَّد واقتراح واحد. ولا شك، أن مثل هذا الطرح يحث المجتمع الدولى للتعاطي الإيجابي، مع مطالب قوى المعارضة، ويحفزه على ممارسة الضغط على النظام للإيفاء بمستحقات تهيئة المناخ للحوار الوطني.

2- اقتراحٌ مُفصَّل لمُخاطبة ومعالجة قضايا المنطقتين، جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، يتجاوز “المشورةالشعبيَّة”، والتي فقدت جدواها نتيجة لظروف موضوعيَّة ذاتيَّة مقبولة، ويمكن تفهُّمها، وذلك بتقديم مشاريع مقترحاتٍ أكثر تحديداً حول تقاسُم الموارد والسُّلطة، وعلى أساس مبدأ التمييزالإيجابي”، بحُكم ما عانته هذه المناطق وأهلها من أهوال الحرب، وترتيباتٍ أمنيَّة مُحكَمَة وملموسة في “المنطقتين”. وتشمل الاهتمامات والهُموم الخاصَّة بعامَّة المُواطنين في جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، حقوق المواطنة المتساوية، والحُكم الرَّاشد، والحُدود، والأرض، واللغات، والتنوُّع الثقافي والديني، والهُويَّة، وجميع الظواهر المترتبة على استمرار الحرب، مثل النزوح واللجوء. مثل هذا الاقتراح، يجب أن تسبقه مشاورات على نطاقٍ واسع مع جميع أصحاب المصلحة، داخل وخارج الحركة الشعبيَّة–شمال. وسيساعد التوافُق على هذا المشروع في وضع حدٍ للجَدَل المُتداوَل هذه الأيَّام حول مفهوم “الحكم الذاتي”، وبالتالي تجنُّب إرساء علاقاتٍ دُستوريَّة غيرمتكافئة asymmetricalفي مختلف الأجزاء من البلاد. فترسيخ مثل هذه العلاقات يُغري بتفجُّرنزاعاتٍ جديدة في مناطق أخرى من السُّودان، والمطالبة بوضعٍ دُستوريٍ خاص يُميِّز هذه المناطق عن غيرها في إطار الحُكم اللامركزي الفدرالي. ويمكن الاستفادة من تجارب الدُّول التي تطبِّق نظامٌ فدرالي، تتساوى الوحدات المُكوِّنة له في وضعها الدُستوري، ومع ذلك تعتمد مبدأ الأفضليَّة لمجموعاتٍ مُهمَّشة أو مُضطهدة ثقافياً أو عرقياً.

kameir@yahoo.com