الواثق كمير "تهدِفُ هذه المُساهَمَة المُتواضِعَة إلى إثارة النقاش حول مواضيع التفاوُض والحِوار من منظورٍ مختلف، يضع طريقة تفكيرالنظام “الخصم” في الحُسبان،ويسعى إلى تقديم قراءة نقدِيَّة تساعد قُوى التغيير، خاصَّة التي تتخذ مِن العَمَلِ المُسلَّح أداةً رئيسة للتحوُّل، في فهم الواقع بشكلٍ موضوعي"

مُقدِّمة:
بادئ ذي بدء، على الرَّغم من وَهَن الحِرَاك السياسي وسط القُوَى السياسيَّة المُعارضة المُتزامِن مع عجز السُّلطة الحاكمة عن الوُصول إلى تسوياتٍ سياسيَّة وطنيَّة، سلماً أم حرباً، شهدنا ومضاتٍ سياسيَّة تلوحُ بين الفَيْنَة والأخرى وَسَط ظلام “الإرهاق الخلاَّق” للطرفين. ومِن ضِمنِ هذه المُبادرات، تصاعُد خُطُوات المُبادرات الإقليميَّة والدوليَّة في الشُهُور الماضية، والتي تمثلت في السَّعي الحثيث.. أولاً، إلى تعبيد الطريق نحو جمع الفُرَقَاء السُّودانيين في عواصم أفريقيَّة، وأوربيَّة.. وثانياً، لدعمها من خلال خريطة طريق بشأن إحداث الحُلول السلميَّة المُتَّفق عليها.

ومِمَّا لا شكَّ فيه، أن كل هذه المُبادرات أثمرت بعض التقدُّم في خُصوص كسر حاجز التواصُل التفاوُضي بين الأطراف المتصارعة، إلاَّ أنها ما تزال بعيدةً في إحراز نجاحاتٍ ملموسة. ومهما يكُن، فإن الوضع الذي ترزح فيه بلادنا يتطلَّب السَّيْرَ نحو الحوار بين كافة مُكوِّناتها السياسيَّة والاجتماعيَّة، إذا وضعنا في الاعتبار ظروف الانقسامات، وعوامل العجز العُضوي العميقة في إظهار البدائل السياسيَّة المأمولة، والتي تعاني منها التنظيمات والأحزاب السياسيَّة المُؤثرة والناشطة في المشهد السياسي.

نوَّهتُ في صدر مقالٍ سابق، وجَّهتُهُ إلى قُوى التغيير، أنه في وقتٍ تتسارعُ فيه الخُطى المحليَّة، والإقليميَّة، والدوليَّة، لمعالجة التركة المُثقلة لبلادنا، غَدَا الحِوَار بين المُكوِّنات السُّودانيَّة أمراً لافتاً للنظر، وجالباً للاهتمام. وكَمَا ظللتُ أشدِّدُ في كُلِّ كتاباتي السابقة، فإنَّ الحِوَار، بكُلِّ مدلولاته المَعرِفِيَّة، والمُجتمعيَّة، هُو سبيلُنا الوحيد لتجنُّب تمزُّق البلاد، وأقصر الطُرُق نحو السلام، والاستقرار، وبناء دولة المُواطنة السُّودانيَّة. فلا عَجَبَ، أن تستجيب فصائِلَ مُقدَّرة من قُوى المُعارضة، المدنيَّة والمُسلَّحة، لدعوة وزارة الخارجيَّة الألمانيَّة، وتشُدَّ رِحَالِهَا إلى “برلين” للحِوَار، والتفاكُر حول السُبُل الكفيلة للخروج بالبلاد من أزمتها. لا عِلمَ لي بتفاصيل المُبادَرَة الألمانيَّة، ولكني لا أظنُّها ستتجاوز مرجِعِيَّات التفاوُض وآليَّتها مَع حَمَلة السِّلاح، سواءً في دارفور أو منطقتي جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، ومحاولة ربطِها وضمان انسِجَامِها مع مبادرة الحِوَار الوَطَنِي “الوثبة”.

تهدِفُ هذه المُساهَمَة المُتواضِعَة إلى إثارة النقاش حول مواضيع التفاوُض والحِوار من منظورٍ مختلف، يضع طريقة تفكيرالنظام “الخصم” في الحُسبان،ويسعى إلى تقديم قراءة نقدِيَّة تساعد قُوى التغيير، خاصَّة التي تتخذ مِن العَمَلِ المُسلَّح أداةً رئيسة للتحوُّل، في فهم الواقع بشكلٍ موضوعي.. ولا أمَلُّ التكرار، إذ تمثل التسوية السياسيَّة الشامِلَة السيناريو الوحيد الذي مِن شأنه أن يُنقِذَ البلاد مِن الانزلاق إلى الفوضى، ويَحُول دون انهيار الدَّولة، ويُحافظ على وحدة أراضي السُّودان.

أولاً: البيان 456:

1- مِن مُتابعتي المُنتظمة للمواثيق والبيانات والتصريحات الصَّادِرَة عن قُوى المُعارضة، غير المُنضوية في الحِوَار الوَطنِي، والمُوقَّعة على نِدَاء السُّودان”، خاصَّة “الجبهة الثوريَّة”، إنها تضع كل البَيْضِ في سَلَّة بيان (Communiqué)مجلس السِّلم والأمن الأفريقي رقم 456، وهُو البيان الصَّادر عن اجتماع المجلس رقم 456، بتاريخ 12 سبتمبر 2014،والذي جاء الدَّعم الكامل له في صدر مقرَّرات لقاء قُوى “نداء السُّودان” في برلين في 27 فبراير 2015، وذلك،حيث اعتمد البيان عدداً من الخُطُوات لتُمكِّن الآليَّة الأفريقيَّة رفيعة المُستوى، بقيادة الرئيس ثابو امبيكي، مِن بذل عملٍ مُنسَّق ومُرَكَّز بغَرَض دَعم الجُهود التي تقوم بها القُوى السياسيَّة والمُجتمعيَّة السُّودانيَّة لمُجابهة القضايا التي تُواجه بلادهم، وتتلخَّص هذه الخُطوات في مُفاوضاتٍ حول وقف العَدَائِيَّات، مِمَّا يُفضِي مُباشرة إلى ترتيباتٍ أمنيَّة شاملة، بين الحكومة والحركة الشعبيَّة-شمال، والحركات الدارفُورِيَّة المُسلَّحة، كُلٍ على حِدَه، على أن تتمَّ بالتزامُن والتنسيق بينهُما. ويقترح البيان اجتماعاً تحضيرياً، في مَقَرّ الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، يجمع كُل القُوى السِّياسيَّة لمُناقشة المسائل الإجرائيَّة المُتَّصلة بانعقاد الحِوَار الوطني في الخرطوم. ومِن جِهَةٍ أخرى، يطلب المجلس مِن الحُكومة اتخاذ بعض التدابير الضروريَّة لتهيئة البيئة المُناسبة للشُروع في الحِوَار الوطني.

2- فيما أرى، حقيقة، إن البيان 456 يُثيرُ إشكاليَّة في حَدِّ ذاته.. فالمَجلِس ليست له ولاية أو سُلطة على حكومة السُّودان، أو أي دولة أخرى في هذا الصَّدَد، حتى يضمن الالتزام بتنفيذ مطلوبات البيان، بل إن سُلطتُهُ الوحيدة هي في إقناع الأطراف، خاصَّة الحُكومة. وفي الواقع، إن حُكومة السُّودان عُضوٌ كامِل في المجلس، والذي في جَوهَرِهِ “نادٍ للدُّول، يَميلُ عادة للوقوف بجانب الحُكومات وليس مع المُتمرِّدين. لا عَجَبَ، فالبيان ينتقي الكلمات الدبلوماسيَّة ولا يَقوَى إلاَّ على أن “يُشجِّع الحُكومة لتسريع جهودها نحو تنفيذ إجراءات بِنَاءُ الثِقَة المُتَّفق عليها». على سبيل المثال: إطلاقُ سَرَاح المُعتَقَلِين، كفالة الحُريَّات العامَّة، ونزاهة واستقلال القَضَاء.. الخ، فإن لم تستجِب الحُكومة وتلتزم بتنفيذ مستحقات تهيئة المناخ التي وافق عليها المؤتمر الوطني ضمن خارطة طريق آليَّة (7+7) المُجازة من قِبَل الجمعيَّة العموميَّة للأحزاب المُحاورة، برئاسة الرئيس البشير نفسه، فكيف سيخضع النظام لبيان مجلس السِّلم والأمن الأفريقي؟!

2- في الواقع، بينما شجِّع البيان الشُروع في تنفيذ خُطوات بناء الثقة هذه، إلا أنه لم يضعها كاشتراطاتٍ واجبة لانعقاد الحِوَار الوَطني، كما يعتقد خطأً كثيرون، وهذا ما وضَّحَهُ رئيس الآليَّة الأفريقيَّة بنفسه، في مخاطبةٍ مكتوبة وجَّهها إلى كُلِّ القيادات المُوقعة لوثيقة أديس أبابا (4 ديسمبر 2014)، ذكر في أحد فقراتها بالحرف: «إن بيان الاتحاد الأفريقيمجلس السِّلم والأمن الأفريقي، في 12 سبتمبر 2014، لم يقُل أو استلزم أن إجراءات بناء الثقة، المذكورة في الفقرة (15)، هي، أو يجب أن تكون شروطاً مُسبَقة لعقد الحوار الوطني».

3- إذن، على المجلس أولاً أن يتحصَّل على الضَّوْءِ الأخضر من الحُكومة، وأن يضمن مُوافقتها على “خارطة الطريق” المطروحة ومُستحقاتها قبل تحريك هذه الخُطُوات على أرض الواقع. وثمَّة عيبٌ آخر في البيان 456، هُو غُمُوضِه، أو بالأحرى صَمْتِهِ فيما يتَّصِل بكيفيَّة مناقشة القَضَايَا السياسيَّة الهامَّة الأخرى في المُفاوضات مع حركات دارفور المُسلَّحة، حتى لو كان من المُتوقع أن يتم قُبُول وثيقة الدَّوحة كمَرجِعِيَّة للتفاوُض. وبالتالي، فحصر جدول أعمال وأجندة المُفاوضات في بندٍ واحد، وهُو وقف العَدَائِيَّات، بدون أن يُصاحِبه أي تفسير أو حتى مجرَّد الإشارة إلى وثيقة الدَّوحة، جعل البيان مفتوحاً وقابلاً للتأويل، أو التفسير الخاطئ. لا غُرُوَّ، فحتى المجموعة السُّودانيَّة للدِّيمُقراطيَّة أولاً” (SDFG)، التي تُعَرِّفَ نفسها كمُؤسَّسة فكريَّة think-tank، لم تَسْلَمْ مِن القراءة الخاطئة لمُقترح الاجتماع التحضيري في أديس أبابا، فاعتبرته بمثابة بديلٍ لمَسَارِ مُبادرة الحِوَار الوَطني. كذلك، أساءت المجموعة فَهْمَ “تزامُنِالمُفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبيَّة، من ناحية، والحركات الدارفوريَّة، مِن ناحية أخرى، والذي أكَّد عليه البيان 456، على أنها تعني دمج المسارين “دارفور والمنطقتين في عمليَّة واحدة”. أنظر بيان المجموعة، باللغة الإنجليزية (اجتماع برلين: ماذا على المحك؟ 25/2/2015م).

ثانيــاً:
1-
الهدفُ النهائي للبيان 456، هُو الإعداد وتسهيل مشاركة فصائل “الجبهة الثوريَّة” في جلسات الحِوَار الوطني “الوثبة”، الذي أطلقه رئيس الجُمهُوريَّة في يناير 2014، والتي من المُقرَّر انعقادها في الخرطوم. ومن أجل تحقيق الهدف، فقد صَادَقَ مجلس السِّلمِ والأمن الأفريقي على خُطوَتَيْن، هُما تحديداً:
‌أ- تنظيم اجتماعٍ تحضيريٍ في المَقَرِّ الرَّئيس للاتِّحاد الأفريقي بأديس أبابا، لمناقشة المسائل الإجرائيَّة المُتعلِّقة بانعقاد مُؤتمر الحِوَار الوطني المُقترح،
‌ب- وقفُ الحرب في دارفور، وفي جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، على حدٍ سواء.
2-
مع ذلك، فإنَّ الطريقة التي طُرح بها الموضوع، من قبل بعض قيادات الجبهة الثوريَّة وطرقِهِم بشدَّة على الاجتماع المُقترح في أديس أبابا، تُوحي وكأنَّ مجلس السِّلم والأمن الأفريقي قَصَدَ ترتيب الخُطُوات لتبدأ أولاً بعقد الاجتماع التمهيدي لكُلِّ أصحاب المصلحة في أديس أبابا، وذلك قبل إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، أو علي الأقل وقف العدائيات.

3- في رأيي، هذا تفسيرٌ غير صحيح.. ففي الواقع، هذه القراءة التي تشترك في تبنِّيها العديد من الجهات، أغفلت تسَلسُلَ الخُطوات المُصمَّم بعناية، مَا مِن شأنه أن يَسمَحَ في نهاية المطاف بمُشاركة “الجبهة الثوريَّة” في الحِوَار الوطني في الخرطوم، جنباً إلى جنبٍ مع البقيَّة مِن أصحاب المصلحة والقوى السياسيَّة. وأنا أميلُ إلى الاعتقاد بأن مجلس السِّلم والأمن الأفريقي لم يكُن ليتقدَّم بـ“خارطة الطريق” المُضمَّنة في البيان، والتي تميل نحو النهج الشامل للتسوية السياسيَّة، إن لم يطرح الرئيس مبادرته للحِوَار الوطني. في الواقع، فإنَّ مباركة المجتمع الإقليمي والدَّولي للمُبادرة دفعت كل من الرئيس امبيكي، ومُخدِّمِهِ (المجلس الأفريقي) لوضع خُطَّة عمل” تجسَّدت في البيان 456، تكون مستساغة للنظام الحاكم، من جهة، بينما تكون جذَّابة لقُوى المُعارضة، سواءً العسكريَّة أو المدنيَّة، مِن جِهةٍ أخرى.

4- هكذا، فإن ترتيب التدابير التي اقترحها المجلس، والمنصوص عليها في البيان، جاء متسلسلاً بطريقةٍ واضحةٍ، تبدأ بالمُفاوضات المُنفصلة، ولو كانت متزامنة، على وقف الأعمال العدائيَّة، مِمَّا يقود على الفور إلى اتفاقٍ شاملٍ للترتيبات الأمنيَّة في دارفور والمنطقتين، على حدٍ سَوَاء. يَحسَبُ المجلس هذه الخُطوة بمثابة تمهيد الطريق لاجتماع كل الفُرَقَاء وأصحاب المصلحة التحضيري المُقترح في أديس أبابا. ومِن ثمَّ، ففي الوقت الذي سيتم فيه عقد الاجتماع، سيكون حينها قد تمَّ التوصُّل إلى قسطٍ من بناء الثقة المُتبادلة بين الأطراف المُتنازِعَة، والى إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار. وتكتمل بهذه الخطوة، في نهاية المطاف (نظرياً طبعاً)، عمليَّة التحضير لعقد الحِوَار الوطني الدستوري في الخرطوم. ولقطع الشكِّ باليقين في هذه النقطة، ينُصُّ البيان في الفقرة (iv) على: «توفير الضمانات اللازمة للحَرَكَاتِ المُسلَّحة للمُشاركة بحُريَّة في الحِوَارِ الوَطَنِي، حالما أُبرِمَت اتفاقيَّاتٍ شاملة لوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنيَّة».

5- حتى الفقرة الأخيرة من ديباجة إطار “النصِّ المُتَّفق عليه”Agreed Text (مشروع 30 أبريل 2014) بين الحكومة والحركة الشعبيَّة – شمال، يضع: «عقد اجتماع في أديس أبابا، تحت رعاية الآليَّة الأفريقيَّة، لمجموعة مُمثِّلة من أصحاب المصلحة السودانيَّة للتشاوُر حول القضايا الإجرائيَّة للحِوَار الوَطَنِي»، وذلك كخُطوة أخيرة في ترتيب الأولويات. فبحسب التسَلسُل، يلتئِمَ هذا الاجتماع في أعقاب «“المفاوضات المُتزامنة” لإنهاء الحرب في المنطقتين ودارفور»، أي المفاوضات بشأن وقف الأعمال العدائيَّة مِمَّا يُؤدِّي إلى ترتيباتٍ أمنيَّة شاملة. هذا، وقبل كل شيء، فقد ظلت قيادة الحركة نفسها تردِّد دائماً، بمختلف البيانات والتصريحات الصادرة عنها، أن المَدخَلَ الصَّحيح للحِوَار القومِي الدستوري يكمُن في وقف الحرب أولاً.

6- هكذا، لا أعتقدُ شخصياً أنَّ بمقدور الرئيس امبيكي إحضار المؤتمر الوطني إلى طاولة الاجتماع المُقترح انعقاده في أديس أبابا، لكُلِّ الآراء وأصحاب المصلحة، من دون ضمان موافقة البشير أولاً. وفي الواقع، لم يكُن د. غندورعلى الإطلاق – في موقفٍ يُمكِّنَهُ من التوقيع على “النصِّ المُتَّفق عليه” (مشروع 30 أبريل 2014) في جولة المفاوضات الأخيرة، والذي أشار في ديباجته إلى اجتماع أديس أبابا التمهيدي. وذلك بعدما انتقد الرئيس بشدَّة، في خطابٍ مُتلفز ومنقول على الهواء مباشرة (23 ديسمبر 2014)، فكرة الاجتماع المُقترح، كما رفض بقوَّة المُشاركة في أي اجتماعٍ يُعقَدُ خارج البلاد. تعرَّض السيِّد الإمام الصَّادق للاعتقال والمعاملة المُتعسِّفة من قِبَلِ النظام، والذي ظلَّ يُثابر في دعوته للحِوَار معه، ما أكسبه عداء قُوى عديدة، كما أدخله في معارك حتى مع قيادات حزبه. ومع ذلك، فقد مثلت القفزة المُفاجئة للسيِّد الإمام الصَّادق المهدي من قارب حِوَار “الوثبة” ضربةً شخصيَّة قويَّة إلى الرئيس، الذي، وفقاً لمصادر موثوقٍ بها، أبدى غضباً شديداً تجاه السيِّد الإمام، والذي فيما يبدو رفض لقاء الرئيس وتعذَّر بسفره للقاهرة، ومن ثمَّ غادر إلى باريس حيث التقى قيادات الجبهة الثوريَّة. هكذا، وإلحاقاً للإساءة بالأذى، تمَّ التوقيع على “إعلان باريس”، وتَبِعَه الاتفاق مع المتمردين، أو بعبارة أخرى أعداء الدولة، في مُخيِّلة الرئيس.

7- لذلك، لا أميلُ إلى الاعتقاد بأنَّ البشير سيسمح لـ“حزبه” بالاجتماع مع خُصُومِه السِّياسيِّين خارج السُّودان، دون إحراز تقدُّمٍ ملموسٍ في المُفاوضات الرامية للتوصُّل إلى اتفاقٍ شاملٍ لوقف إطلاق النار. وفي تقديري، أن الرئيس لن يطيق مشاهدة السيِّد الإمام وهو يضع يده في يد المُتمرِّدين”، ويتبادل معهم الابتسمات، حول طاولةٍ واحدة. وذلك، بالطبع ما لم يرجع الإمام إلى حظيرة الحوار، ويصل إلى فهمٍ مشترك مع المؤتمر الوطني، ويعود إلى البلاد. فيجب أن يكون مطار الخرطوم هُو ميناء مغادرة رحلة السيِّد الإمام إلي أديس أبابا. فالرئيس يرى أن الإمام قد اختطف مبادرته للحِوَار الوطني “الوثبة”، وظلَّ يدعو لعَزْلِهِ من قيادة آليَّة الحِوَار الوطني لصالح شخصيَّة وطنيَّة تَحظَى بالتوافُق. بصراحةٍ، أنا لا أعتقدُ أنَّ أيَّ رئيسٍ في وضع البشير سيقبل أن يُسَلِّم السُّلطة طواعية وينزوي بعيداً عن الأحداث في هذه المرحلة الحَرِجَة من التطوُّر السياسي في البلاد. إلى جانب ذلك، فهناك بعض الأحزاب السياسيَّة الأخرى، ولا سيَّما المؤتمر الشعبي، تقف ضدَّ فكرة أي اجتماع يتم خارج السُّودان، بحُجَّة إمكانيَّة التدخُّل الأجنبي في القضايا الوطنيَّة.

 

ثالثـاً:
على قَدَم المُساواة، حَمَّلَت الحركات الدارفوريَّة المُسلَّحة بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي 456 ما لا يحمِلَهُ. فسواءٌ عن عَمْدٍ أم بغيرِ قَصْد، أساءت هذه الحركات، وبعض المُراقبين، فَهْمَ مغزى اختيار المجلس لأديس أبابا كمِنبَرٍ لعقد المُحادثات. فتعني هذه الخُطوة، في رأيهم، تجاوُز اتفاق الدَّوحة نهائياً، على أن تبدأ المُفاوضات من نقطة الصِّفر، على أساس إطارٍ مرجعيٍ جديد يجُبَّ وثيقة الدَّوحة، وأيضاً أن تستضيفها أديس أبابا بدلاً عن الدَّوحة. وهذا، من وجهة نظري، فهمٌ غير صحيح. فالبيان 456 واضحٌ جداً حول هذه المواضيع، ولم يُشِرْ مِن بعيدٍ أو قريب، ولو تلميحاً، إلى أيٍ من هذه الافتراضات. فالبند الرئيس في جدول الأعمال للاجتماع المُقترح في أديس أبابا، هُو، بحدِّ نصِّ البيان، «المفاوضات بشأن وقف الأعمال العدائيَّة، مِمَّا يقود على الفور إلى اتفاق الترتيبات الأمنيَّة الشاملة»، في دارفور، والنيل الأزرق وجنوب كُردُفان، على أن تتم بطريقة “متزامنة”. وهكذا، لم يكُن وفد الحُكومة مستعداً للتفاوُض حول أيٍ من القضايا الأساسيَّة الأخرى، بفَهْمِ انه قد سَبَقَ مناقشتها وحَسْمِهَا في وثيقة اتفاق الدَّوحة. ويتَّسم البيان بنقطة ضعفٍ أخرى رئيسيَّة، هي عدم وضوح النهج الذي ستتبعه الوساطة في إقناع الحركات بقبول التفاوُض فقط على وقف الأعمال العدائيَّة، والتوصُّل لاتفاقٍ للترتيبات الأمنيَّة الشاملة، بينما البيان صامتٌ تماماً عن كيفيَّة مناقشة بقيَّة الأجندة الموضوعيَّة الأخرى.

رابعــاً:
خلاصة الأمر، إن بيان مجلس السِّلم والأمن الأفريقي 456، لا يعني، بأي شكلٍ من الأشكال، أنَّ المجلس يدعم تصوُّر المعارضة، المُسلَّحة والمدنيَّة، للتغيير والانتقال كامل الدَّسم تحت قيادة “شخصيَّة وطنيَّة توافُقيَّة، واستبعاد الرئيس البشير. وفي هذا الخُصوص، فقد جَرَت أحداثٌ عديدة في الآونة الأخيرة والتي، إلى حدٍ كبير، تصُبَّ في صالح النظام، وان اتخذ بعضها شكل رسائل غير مباشرة، مُوجَّهة من المجتمع الدولي للمعارضة المسلَّحة والمدنيَّة:
1-
في اتساقٍ مع مواقفهم السابقة التي وجَّهوا فيها انتقاداتٍ لاذعةٍ للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، وعزمهم على الوقوف ضدَّ أي محاولة لإزالة رئيسٍ منتخب مِن على سُدَّة الحُكم، اعتَمَدَ القادة الأفارقة قراراً يدعو لإلغاء إحالة مجلس الأمن الدولي لقضيَّة دارفور إلى المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، وعبَّروا بشدة عن دعمهم لإنشاء المحكمة الأفريقيَّة لحُقوق الإنسان والشعب.

2- استقبلت الخرطوم رئيس جنوب أفريقيا، بوزنها السياسي في القارَّة، في 31 يناير 2015، في زيارة وديَّة تستغرق يومين، للمرَّة الأولى منذ توليه منصبه. يبدو أن جاكوب زُوما قد تراجع عن موقفه السابق، بعد انتخابه رئيساً في عام 2009، عندما صرَّح على الهواء بأن البشير غير مُرحَّب به في جنوب أفريقيا، وحذَّر من أنه سيتعرَّض للاعتقال امتثالاً لأمر القبض الصَّادر ضدَّه من المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة. ومِمَّا لا شكَّ فيه، أن رئيس جنوب أفريقيا يُدرك جيداً تعقيدات المشهد السياسي الرَّاهن في السُّودان، من خلال الرئيس السَّابق ثابو امبيكي، الوسيط وراعي الحوار.

3- أكَّدت اتفاقيَّة المبادئ، التي تسعى مجموعة الـ“إيغاد” لفرضها على الأطراف المتصارعة في جنوب السُّودان، على أن يظلَّ سَلفا كِير رئيساً لحكومة الوحدة الوطنيَّة الانتقاليَّة، باعتباره “مبدأ لا يجوز انتهاكه” non violating principle.. وبالتالي، لن يجد مطلب المُعارضة، لرئيسٍ توافُقِيْ تؤولُ إليه إدارة المرحلة الانتقاليَّة في السُّودان، وبالتالي، أذُناً صاغية من القادة الأفارقة. ولنتأمَّل في مَن هُو رئيس الدورة الحاليَّة للاتحاد الأفريقي!

4- قبل كل شيء:
دَعَت واشنطن وزير الخارجيَّة، علي كرتي، ومساعد رئيس الجمهوريَّـة، د. إبراهيم غندور، من أجل “إطلاعِهِمَا رسمياً، وبشكلٍ مباشر” موقف الإدارة الأمريكيَّة حول عددٍ من القضايا الهامَّة المُتعلقة بالعلاقات الثُنائِيَّة بين البلدين. وقالت المُتحدِّث باسم وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة، ماري هارف للصَّحفِيِّين: «هذه الزيارة، وكذلك المناقشات مع وزير الخارجيَّة، كرتي، هي استمرارٌ للحوار، الذي استمرَّ لفترةٍ طويلة، حول عددٍ من القضايا بين حكومة الولايات المتحدة وحكومة السُّودان. وهو جزءٌ من عمليَّة التواصُل بيننا، حيث أننا نثير كُلِّ القضايا المُقلِقَة».

ليس ذلك فحَسْبْ، بل أعلنت وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة، مكتب وزارة الخزانة لمراقبة الأصول الأجنبيَّة (OFAC)، في 17 فبراير الماضي، رُفِعَت بموجبه العُقوبات المفروضة على التكنولوجيا الرقميَّة إلى السُّودان، وبذلك سَمَحَت بتصدير وإعادة تصدير الأجهزة الشخصيَّة للاتصالات والبرمجيَّات، وكذلك الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك الهواتف الذكيَّة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.

إضافة إلى ذلك، كانت زيارة نائب مساعد وزير خارجيَّة الولايات المتحدة، مكتب الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان والعمل للسُّودان في الأسبوع الثالث من فبراير.

إن سقوط نظام الإنقاذ، بحُكم ما يترتَّب عليه من تداعياتٍ أمنيَّة، لا يصُب في المصلحة الوطنيَّة للولايات المتحدة، كما أنَّ القوى الإقليميَّة والغربيَّة لا تدعم هدف الإسقاط. فالولايات المتحدة، والعديد من اللاعبين الدوليِّين الفاعلين، يبدون أكثر اهتماماً بالاستقرار والأمن الإقليميَّين على حساب الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان في السُّودان. وهكذا، فإن مصدر القلق الرئيس للولايات المتحدة الآن، هُو التطرُّف الإسلامي من “بوكو حرام” إلى تنظيم الدولة الإسلاميَّة “داعش” و“الشباب” الصومالي، وخِشيَتِهِم من أن يتعرَّض السُّودان للانهيار، مِمَّا يخلق فراغاً كبيراً يمتد من غرب إلى شرق أفريقيا، ولن يملأ هذا الفراغ إلا المتطرِّفين والإرهابيِّين. هذا، وبالطبع، بالإضافة إلى قلقهم المُتزايد من الأوضاع المُتدهوِرة في جنوب السُّودان، وعدم قُدرتِهِم على فعل أي شيء لإنقاذ البلاد من الانزلاق في الهاوية.

– تتضح هذه الرؤية في اقتباسٍ مُطوَّل من مقالٍ للمُحلِّل السياسي، أليكس دي وال، في مجلة World Politics، (2 مارس 2015)بأن: «أولويَّة واشنطن في منطقة شمال وشرق أفريقيا هي الاستقرار، ويبدو أن وزارة الخارجيَّة مفتونة بمهارات السُّودان المُؤكَّدة في صمود الدولة وقُدرتها على البقاء في خِضَمِّ الاضطراب والتطرُّف الذي تشهده المنطقة، في حين تُبدِي وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع إعجابها ببراعة أجهزة الاستخبارات السودانيَّة في إدارة المجموعات “المتطرِّفة”، والتي استحال ترويضها في أماكن أخري. فقد كانت هناك مقاومة مألوفة في واشنطن لأي تقارُبٍ مُحتَمَل مع السُّودان، وذلك بالتركيز على الأدلَّة الأخيرة عن انتهاكات حُقوق الإنسان في دارفور. لكن تظلَّ رسالة الخرطوم، بأنها قوَّة يُعتَدُّ بها من أجل الاستقرار في الشرق الأوسط، تجد بشكلٍ واضح آذاناً صاغية. فمثلما أوقفت المُدَّعِيَة العامَّة للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة أي إجراءاتٍ إضافيَّة بشأن ملف دارفور، فإن الولايات المتحدة تضع على الرفِّ بهدوء أي خُططٍ تهدف لمزيدٍ من عزل السُّودان».
– هذا أيضاً ما أكَّده الناشط الأمريكي، إريك ريفز، في شهادته المكتوبة إلى لجنة حقوق الإنسان بالكونجرس الأمريكي، في 4 مارس الجاري، حول الأوضاع الحاليَّة في السُّودان، بقوله: «إن إدارة أوباما تسعي بإتباعها لسياسة “فك دارفور” عن بقيَّة الأجندة، أن تُطلِقَ يد النظام ليفعل ما يشاء في الإقليم، طالما ذلك لا يؤثر علي القضيَّة الإستراتيجيَّة الهامَّة الوحيدة: القلق من الإرهاب واستخبارات مكافحة الإرهاب، من جانب الولايات المتحدة، ورغبة الخرطوم في إعادة التأهيل والقبول في المجتمع الدولي، ورفع العقوبات الاقتصاديَّة».

الجزء الثاني من المقال على الرابط:

http://www.altaghyeer.info/ar/2013/columns_articles/6982/