عبد العزيز بركة ساكن "افتقدت أمي فجأة وسألت عنها، فدلتني امرأة على أنها في "القُطية" مع العروس، كان الباب مواربا واستطعت ان اُدخل جسدي النحيل عبر زاوية ضيقة ما بين الباب والحائط تركتها النساء لإدخال الضوء..." 

في ذلك الوقت، كنت في العمر الذي يسمح للنساء ان يتجاهلن وجودي بينهن بصورة تامة. بل العمر الذي يتيح لهن بان يضعنني في مقام الدواب او اي من اثاثات المنزل المتناثرة حولهن. ويبدو انني ايضا ما كنت اجيد النُطق لأتقول بما اسمع وأرى، لأن تلك الصفة لازمتني حتى عمر العاشرة وما بعدها، وقد تم خنقي بمصران خروف الأضحية عدة مرات إلا ان اللثقة اصرت على البقاء وأصرَّ لساني على الاحتفاظ بها.

  الوقت منتصف النهار، وكنت ألعب بشيء ما مع اطفال في زريبة المواشي خلف بيتنا الكبير. ولكن الذي اتذكره تماماً هو انني افتقدت أمي فجأة وسألت  عنها، فدلتني امرأة على أنها في القُطية مع العروس. وكان باب القُطية مواربا واستطعت ان اُدخل كل جسدي النحيل عبر زاوية ضيقة ما بين الباب والحائط تركتها النساء لإدخال الضوء. كان بالداخل قلة من النساء، التففن حول العروس التي هي فتاةٌ سمينةٌ او انني تخيلتها كذلك لصغر سني حيث انني ارى كل الاشياء ضخمة وعملاقة. كانت ترقد عارية علي برش من السعف ملوناً، وسط دخان له رائحة طيبة يصدر من عدة مباخر صغيرة في امكنة مختلفة من القُطية الكبيرة. تعمل النسوة في جسدها بعجينة لزجة اعرف انهن يصنعنها من الحلوى وتستخدمها امي ونساء الجيران كثيرا لتنظيف أجسادهن. تتحدث الامهات  من غير أن ينتبهن لوجودي بينهن. بل انهن نظرن الي عندما تسللت للداخل ثم نسينني، بل تجاهلنني تماما، اظنني في ذلك الوقت كنت صغيرا جدا، ربما دون الرابعة. اي في العمر الذي لا  اعني فيه شيئا لنساء كبيرات يعددن عروسا جميلة لزوجها. كما ان النساء كن لا يعنين لي شيئاً غير انهن أمهاتي وبإمكانهن ان ينجبن الاطفال ويرضعنهم ويقمن بتربيتهم الى ان يكبروا ويذهبوا الى بيوت تخصهم لا غير. ولم اندهش لرؤية تلك العروس عارية، وهي احدي بنات الجيران، وكان الامر عندي عاديا جدا، لدرجة انني لا اتذكر الان التفاصيل الخاصة بجسدها بل اتذكر الجسد ككتلة واحدة تلمع مع الضوء الشحيح الذي يأتي عبر فتحة الباب الضيقة وسط هالة خفيفة من الدخان اللذيذ. ولكن الشيء الذي لم انسه حياتي كلها هو الحوار الغريب الذين كان يدور بين الامهات والعروس المضجعة علي البرش الملون التي تطرح جسدها في كرم مبالغ لهن ليعملن فيه بجهد ومحبة.

عند دخولي كن يضحكن ويتحدثن ويتحاورن معها، وهي تجيب بصوت هادئ جدا، ما زلت أتذكره، بالتأكيد لقد فاتنى الكثير من الحوار الذي كنت سوف لا انساه، ولو انني فهمت معني الحوار الذي حضرته ايضا متأخرا جدا، اي بعد سنوات عدة من النضج الذهني والوعي بالعالم.

قالت لها، وكانت المتحدثة هي امي

–       يا بت الراجل  دا بتعرفيه كويس؟

قالت العروس

– ايوا بعرفو.

سألتها امرأة اخرى وهي تدلك وسط العروس بكفتيها

-يعني اتشاوفتوا؟

صمتت العروس لوقت يبدو انه طويلا جدا، ثم ردت بصوتها الهادي نفسه

– ايوا اتشاوفنا.

سألتها امرأة اخرى، كانت لا تعمل شيئا وهي قريبة جدا مني، حيث انني كنت اقف عند اقرب نقطة من امي، وهي الاقرب لظهر تلك السيدة

– وكان كيفن، قوي ولا ليين؟

فردت العروس بأنه كان قويا. وهنا حمدلت النساء السلامة وشكرن الله، وقالت لها احداهن

–       مبروك يا بتي، دا رجل تمام.

 وواصلن مهمتهن في اعداد جسدها الضخم من اجل الحياة الجديدة. على الرغم من انني لم اعرف ما معني “اتشاوفتوا”، ولا ذلك الشيء القوي او اللين، الذي يجعل الراجل تمام ام غير تمام، ولكنني حفظت حوارهن تماما، وأظن أنني  بعد ذلك خرجت لالعب، مع الأطفال في زريبة البهائم وهي ميدان لعبي المفضل بالزنابير والقراد والجعارين التي تشكل مخلفات البهائم في كور صغيرة نحرمها نحن منها، وقد نرضع نحن النعاج اذا لم يكن احد الكبار قريبا من ملعبنا.

بعد سنوات كثيرات، والحوار يدور في رأسي مع حوارات كثيرة غريبة حيث كان رأسي مثل المسجل الالكتروني يحفظ كل شيء يدخل بأذني او تلتقطه عيني او يستشعره جلدي او يتسلل عبر فتحتي انفي الدقيقتين.

 عندما امتلكت المقدرة على التحليل، وفهم لغة النساء والأشياء من حولي، عرفت انهن كن يقمن بعمل مهم جدا. وعملٌ جوهري ودور اجتماعي واسري كبير وذو قيمة عالية. وهو ايضا يعني ان الزواج عندهن له مقومات ذات اهمية بالغة:” مقابل ان تقدم المرأةٌ جسدها الجميل للرجل، عليه ايضا ان يكون هو مستعدا لقبول هذا الجسد بشروط المرأة او فلنقل بشروط الجسد.” وهذا القانون البسيط، هو القانون الذي يجعل الحياة تستمر بإنجاب الأطفال الذين هم نتيجة عطاء متبادل بين جسدين “تشاوفا” في حب ومعرفة. ففي تلك المجتمعات البسيطة التي لا تعرف التكنولوجيا الحديثة في الانجاب ولم يكن مفهوم الاستنساخ شائعاً في ذلك الزمن البعيد بل لم  يخطر علي بال احداهن، فاستمرار الحياة عندهم لا يكون إلا  باستجابة جسدٍ قادر  لجسدٍ قادر آخر.

ثانيا على الرغم من ان بعض المجتمعات في ظاهرها تبدو متحفظة ومتزمتة، في كثير من الاحيان متدينة جدا، في الحقيقة، ان المرأة كانت تتمتع بحرية تديرها في سرية كاملة وبحنكة وبوعي وان المرأة في الغالب لا تكون ضحية لفشل الرجل الجسدي إلا بمزاجها واختيارها هي وان جسدها ليس مستباحا أو هبة دون شروط. عبر عصور طويلة استطاع الرجل ان يضع القوانين التي تمكنه من السيطرة على واستعباد المرأة، وذلك عبر تطويع المفاهيم الدينية أيضاً، إلا ان المرأة في جمعياتها السرية العفوية المنتشرة في كل مكان، تعمل  في ان يكون لها اختيارها على الاقل في اهم وظائفها البيولوجية  وهي الانجاب والحياة بجسد يمتعها هي اولا ويضع الرجل محل امتحان.

غني عن القول ان العلاقة بين الرجل والمرأة لا يمكن ابتسارها في علاقة جسد بجسد ومهمة إنجابية ولكنني في هذه المحاورة عملت على تثبيت العناصر الاخرى كما يفعل دارسو الاقتصاد السياسي. ويمكن للآخرين ان يكتبوا عن الجوانب الانسانية والاجتماعية والروحية ومنها الحب المجرد عن حاجات الجسد، والعلاقة الوجودية والأخلاقية والدينية والتاريخية والاقتصادية والأسطورية والجمالية الاخرى بين الرجل والمرأة.