محمد جلال أحمد هاشم التوليد التركيبي نواصل ما انقطع من حديث متناولين التوليد التركيبي وذلك بعد أن فرغنا من التّعرّض بإيجاز للتوليد الدّلالي. وكما ذكرنا فإنّنا سوف نستعرض الخطوات التي اتّبعتها اللغة النوبية القديمة واللغة النّوبيّة الحديثة في هذا الخصوص لنرى إمكانية الاستفادة منها في إثراء لغتنا الحالية.

ونشير بدءاً إلى أنّه لا توجد لغة على وجه الأرض لا تعمل بأسلوب التّوليد الدّلالي والتّركيبي. فمثلاً، لربّما أعيت إمرء القيس الحيلة في تفسير أو فهم مقلة “أمّة مستقلّة ذات سيادة” لو عاد حيّاً بيننا. فدلالة “الاستقلال” جديدة ما في ذلك شكّ، ولو حافظت على وشائجها الدّلاليّة العتيقة. ولكن ماذا عن التّوليد التّركيبي؟ هذا ما نحن بصدده، وهو أمر لا أرى كيف يمكن للغاتنا الوطنيّة ان تنهض دون أن تستعين به، مظوّرةً في ذلك نفسها بنفسها، فضلاً عن الاقتراض من اللغات الحيّة الأخرى.

وبالرغم من أن الأدبيّات المتاحة لنا من اللغة النوبية القديمة تُركّز بوضوح على التوليد التركيبي من الأسماء والأفعال على حدٍّ سواء في سبيل إنتاج أسماء أخرى، إلاّ أنّنا نُنبّه إلى أنّ التوليد التركيبي يشمل إنتاج الأسماء والأفعال الجديدة سويّاً. وفي الحقيقة الموضوع أكبر من أن يكون مجرّد توليد للأفعال والأسماء. إذ هناك أيضاً الأسماء والأفعال المركبّة من كلمتين أو أكثر فانصهرت مكوّناتُها حتّى أصبحت وكأنّها كلمة واحدة. من ذلك مثلا في اللغة النوبية القديمة كلمة songojj-i التي تعني لقب أبرشي (أي المسؤول عن الأبرشية) وهي بهذا وظيفة دينية وإداريّة كبيرة وهامّة وتحتلّ حيّزا كبيرا في وثائق وسجلاّت مملكة دو توُّ. بخصوص تركيبها ذهب براون إلى أنّها تتكوّن من كلمة say بمعنى الحاكم وكلمة ngajj-i بمعنى الجبل (لاحظ أنّها الآن تعني الصحراء):  say-ngajj-iبمعنى “حاكم الجبل”، حيث ذهب براون إلى أنّها ما عُرف في كتب المؤرّخين العرب بمسمّى “صاحب الجبل”. فانظر إلى كلمتي say-ngajj-i كيف اندغمتا ومن ثمّ أصبحتا كلمة واحدة هي songojj-i. ذهبت بيخ هاوس قيرست في كتابها الذي حمل العنوان التّالي:

Bechhaus-Gerst, M. 2011.The (Hi)story of Nobiin- 1000 Years of Language Change. Frankfurt am Main: Peter Lang.

إلى رأي مغاير، رافضةً تحليل براون. فقد رأت أن كلام براون ليستقيم، ينبغي للكلمة أن تكون على النحو التالي: ngajji-n say ذلك لأن المضاف إليه في اللغة النوبية يسبق المضاف، وليس كما ذهب براون (say-ngajj-i). إلا أن أنقوضة ما ذهبت إليه تكمن في أن اللغة النوبية تعكس هذه القاعدة في حال تكوين الأسماء المركبة. فمثلاً هناك “النجيمِتِّي” الذي يهاجم العين، يقال له بالنوبية kutti-n maanj، (أي ذباب العين) كما يقال له maanj-kutti.

من جانبي، انطلاقاً من اتفاقي مع براون، أزيد وأقول بأنّ كلمة (songojj-i) ربّما كانت أصل كلمة الصّمد somod  وهو الإداري المسؤول عن توزيع أدوار الرّي في السّاقية ومن ثمّ توزيع ريعها وخراجها فيما بعد. وفي ظنّي أن الكلمة ربّما مرّت بالتّحوّلات التالية: say-ngajj-i>songojj-i>somojj-i>somojj>somod. أقول هذا دون جازمٍ ولستُ في هذا بمُخرِّج (من التخريج، وهو الصّدعُ بالأحكام دون علمٍ من باب الهوى لشُبهةٍ في الأصوات). والتخريج بابٌ كبير في اللهو والعبث باللغة ربّما نتعرّض له وللخزعبلات التي لا يني العديد من متعلّمة وأنصاف متعلّمة النوبة يسلحون به في كلّ مجلسٍ ومقام من قبيل أن اسم توت عنخ آمون يعني “تود آنجن أمن” بمعنى “ابن ماء الحاية”، دون أن يعلموا ــــ ولو علموا دون أن يضعوا اعتباراً إلى ــــ أنّ كلمة “توت” تعني باللغة المصرية القديمة “العلامة” ولا علاقة لها بكلمة “ابن”؛ ثمّ دون أن يضعوا أيّ اعتبار إلى أن كلمةآمون” هنا تعود إلى اسم الإله وليس لها أيّ علاقة بكلمة “أمَن” النوبية التي تعني “الماء”. ومن ذلك أيضاً أنّ اسم الأرجنتين يتكوّن من كلمتين نوبيّتين، هما arij و tii؛ الأولى بمعنى اللحم، وهو ما اشتهرت به الأرجنتين، والثّانية بمعنى البقر، وهو ما تستمدّ من تلك البلاد اللحم. وقد فات على القوم الغافلين أن يستبينوا دلالة الاسم من داخل جسم لغة أخرى تقف بمثابة اللغة الأم للدّلالة نفسها، ألا وهي اللاتينيّ، حيث تعني الكلمة ما معناه “الفضّي” حسب معنى جذر الكلمة في تلك اللغة. وإنّما لهذا اتّخذ الأرجنتينيّون من ألوان الفضّة شعاراً لعلمهم القومي، فجاء مزيجاً من الأبيض والأزرق الفاتح.

وليس هذا الأمر وقفاً على النّوبيّين وحدهم، بل اتّبعهم فيه العديد من شعوب السّودان. فقد صادفت أناساً من الفور يعيدون قراءة التّاريخ وعلة الأسماء الجغرافيّة Toponymy من زاوية لغة الفور فقط. كما صادفتُ أناساً، وهم كثر، يعيدون قراءة تاريخ السّودان من زاوية اللغة العربيّة العالية، بحسبان أنّ حضارات السّودان القديمة قد كانت عربيّة خالصة ما في ذلك شك. وهكذا دواليك.

وفي الحقيقة تقف هذه الظّاهرة كدليل على حقيقة التّهميش. فهذا ما يفعله النّوبيّون، وغيرهم العديد من الشّعوب التي تستصحب في واعيتها إحساساً عميقاً بالتّاريخ، دون أن تملك نواصيه من زاويةٍ علميّة. فلو أنّ الدّولة كانت تتعهّد ذلك التّاريخ بحسن رعايتها، وتربط بينه وبين حياة من ورثوا ذلك التّاريخ بطريقة صحّيّة، دونما عنجهيّة أو شوفينيّة، لما نحا من يستشعرون ذلك التّاريخ هذا المنحى غير العلمي. فتخاريج العامّة تعكس ما يعانيه عامّة النّاس بخصوص ما يُفترض فيه أنّه تاريخُهم. فعندما لا يكون النّاس مطمئنّين لمكانتهم في التّاريخ المحكي عنهم، ينحون إلى إعادة قراءة ذلك التّاريخ بصورة تعيد لهم مكانتهم. وعندما يشعر ورثة حضارة بعينها أنّ سمات وعناصر تلك الحضارة قد بدأت تتسرّب من بين أصابع مجتمعهم، مفضيةً إلى حالة من الرّكود والتّقهقر، يرفعون عقيرتهم بالصّياح، مذكّرين النّاس أنّهم هم أصحاب تلك الحضارة. وفي كثير من الحالات تضطرد حدّة الصّراخ مع ازدياد درجة فقدان الحضارة. أي أنّه سلوك مُعاوض للفقدان. في هذا يمكن النّظر إلى كثير من سلوكيّات النّوبيّين إزاء لغتهم، التي لا يبدو كما لو لم يكن لهم هم سوى نهضتها، بينما في واقع الحال قد لا يعدو ذلك أكثر من جعجعة لا ترى لها طحناً. وهذا نفسه من تجلّيات ظاهرة التّهميش، غذ ليس في قدرة النّاس أن يادبّروا أمر تطوير لغاتهم إن لم تمدّ الدّولة يد المساعدة، دع عنك أن تكون الدّولة نفسها العقبة الكأداء في سبيل ذلك.

وسوف نتناول في نهاية هذه المقالات تجربة فريدة في التّخريج قام بها أحد أنشط النّوبيّين، ألا وهو الأستاذ الخير محمد حسن، عبر سلسلة مقالات إسفيريّة نشرها في موقع سودان فور أوول www.sudan-forall.org. وقد تعرّضنا له فيه بالنّقد الذي كان في بعض جوانبه أكثر من قاسٍ. وما استعراضُنا لما دار بيننا إلاّ من قبيل تطييب الخاطر والاعتذار عن تلك الغلواء في الهجوم على أخٍ كريمٍ مثابر. وكان العديد من الإخوة قد نبّهونا إلى ما في أسلوبنا من تهجّم يفوت الحدّ المعقول، فارعوينا واعتذرنا حينها، ولا تزال تحدونا الرّغبة الصّادقة في تصحيح الخطأ، وله العتبى حتّى يرضى.