خلف الله عبود الشريف * عفواً، المطرب الفنان المبدع رمضان حسن وأنت في دار بقاء لا ظلم فيها ولا فضل فيها لعربي على عجمي، إلا بالتقوى... وأنت الذي أطربت شعبا بأكمله وتغنيت بآماله وآحلامه.

عبر هذه السنين الطويلة، أقدم لك إعتذارى عما اقترفه بعض قومي من بعض أهل الشمال من الذين نصّبوا أنفسهم ائمة للإسلام في زمن سادت فيه العنصرية وانتكست فيه قيم الإسلام التي نعرفها…. واعتذاري أقدمه أيضا لإخواننا الفنانين القادمين من الجنوب…

عفواً المطرب رمضان زايد والشاعر الرقيق عبد المنعم عبد الحي، فقد عشتم في زمن كان السودان فيه هو بلد التسامح والتعايش والمحبة، على مستوى  الدولة وعلى مستوى شعبه الطيب، حيث كان الدين هو إسلام أهلنا أبناء الخلاوي وورثة الأولياء، ولم يكن الفقه العثماني الذي فرّخ مفاهيم التعصب والتسط على خلق الله، قد تمكن من الحكم بعد… لقد غنيتم أغنيات الحب والتسامح والوئام، منذ الأربعينيات من القرن الماضي، ولم تفرقوا بين جنوب وشمال، وأنتم أبناء الجنوب الذين عشتم في الشمال  فتنسمتم هواءه وملأتم رئتيكم بعبيره الفواح وما شعرتم قط، بأنكم غيره… لقد عشتم في سودان موحد بثقافات تختلف بين جنوبها وشمالها، وما شابكم الضيق ولا الغربة، فقد تلقفتكم أيادي وقلوب إخوانكم من شمال البلد، فملأتم عقولكم بما غرفتم من علوم وملأتم قلوبكم بما تنشقتم من حب تبادلتموه مع إخوانكم من الشايقية والجعليين والبقارة والحمر والمناصير والبجة والحلفاويين، وغيرهم من قبائل السودان العريض الذي لم يكن يضيق بأنماط السلوك المختلفة، بل كان يحتفي بها ويتفاعل معها… لقد  تذوقتم حلاوة إسلام معاشاً في اللحم والدم، لم يكن يفرق بين شمال وجنوب، فرتعتم في بحبوحة من المحبة التي شملت الأسود والقمحي و ( الأخدر).

رغم الحرب الجائرة التى زرعها الاستعمار بين الشمال والجنوب، فلم توغر صدوركم نارها، فقد تجاوزتم مرارتها وأنتم تتذوقون شراب المحبة من معجبيكم وزملائكم في الإذاعة والحفلات الغنائية.

تعلمتم في الشمال وتشربتم ثقافته وغنّيتم بلغة القرآن والتي غطت شمالنا وجنوبنا، وحتى عربي جوبا ذو اللهجة المحببة، تجاوزتموه إلى عربي فصيح هو لغة السودان الرسمية والشعبية. لم تشعروا يوما بأنكم من غير هذا البلد…. إلى أن أتى يومٌ أغبر ذو ريح صرصر عاتية، نادى فيه من إدعى أن الله قد إختاره للجهاد، أن الحرب ضد الجنوب حرب مقدسة وأن من يخوضها تضمن له الجنة، وأن الجنوبيين كفرة فجرة وجهادهم واجب ديني… وفرضوا هذا الفهم المنبت على شبابنا وجنّدوهم قسرا، ومولوا هذه الحرب اللعينة من أموال الدولة، والتي كانت تنفق (في سابق الزمن) على التنمية من صحة وتعليم، فحولوها إلى دبابات ومجنزرات ومدافع لم تبق شيئا من الزرع والضرع، لا في شمالنا ولا في جنوبنا… وكانت النتيجة أن فصلوا هذا الجزء العزيز من السودان، ثم تبعوه بطرد أبناء الجنوب العاملين في الشمال، وتبعهم دعاة الإنفصال من سياسيي الجنوب، الذين أزعجهم قهر المجاهدين وإصرارهم الغريب على أسلمة الجنوب أو فصله ففضّلوا الإنفصال وهم يتوجعون… أما سياسيو هذا الزمن الأعرج فقد عملوا عملا  لاتسنده مواطنة ولا يسنده دين… فقد نسوا أن الإسلام هو دين التسامح، ونسوا، قبل ذلك، أنهم لايملكون من دولة الإسلام إلّا اسماً مزوراً يشوبه الفساد السياسي والظلم الفادح والركض وراء الثراء السريع ولا يهم أن يتم كل ذلك على حساب تدميرالسودان وإقصاء المعارضين وفصل جنوبه.

عفوا رمضان حسن

عفوا رمضان زايد

عفوا عبد المنعم عبد الحي

لقد كتب الله لكم الموت في هذه الفانية وكتب لكم الحياة في كنفه الرحيم، فرحمكم من عنت كنتم ستلقونه في زمن هذا الحكم (الإسلاموي) والذي لايحمل من الإسلام إلا اسمه، فقد تفنن هؤلاء الحكام ( المجاهدون) في نقض عرى الإسلام عروة عروة، بدءا من تخريب الإقتصاد وتشريد العلماء والعاملين وقهر كل من كان ذي رأي مخالف، فأفلست في عهدهم مؤسسات الدولة التي كانت تستر الحال، مثل السكة الحديد ومشروع الجزيرة والخطوط الجوية والأشغال والخطوط البحرية واختفى بعضها… ووصل بهم الحال في أول عهدهم أن يمنعوا الأطفال من العلاج في الحوادث، ما لم يدفعوا عدا ونقدا قيمة العلاج مقدما، ولم يتراجعوا إلا بعد سنوات، وإلا بعد أن فقدنا أرواحا عزيزة من أطفالنا وكبارنا، ولكنهم نشطوا في (تجفيف) جيوب المرضى في المستشفيات الحكومية والخاصة.

لو عشتم حتى هذا الزمن الأغبر، لتم طردكم، من دولة الشمال، كما تم طرد كل المواطنين من أهل الجنوب، حتى أؤلئك الموظفون والعمال الذين ساهموا في بناء الدولة وتنميتها دون أن يشعروا بغير الإنتماء للوطن الكبير لتم طردهم أيضا!!! لو قدر لكم أن تعيشوا حتى هذا الزمن الأغبر لرأيتم العنت ولصحوتم من حلمكم الجميل المشروع، أنكم سودانيون تنتمون للسودان الكبير وقد نسيتم (لفرط اندماجكم) تماما أنكم، أصلا، من أبناء الجنوب، فأنتم ونحن جميعاً أبناء السودان الجميل بلا انتماءٍ لشمال أو جنوب أو غرب أو شرق!!!

حينما تغنيت عزيزي رمضان حسن بالسودان الكبير، لم تترك إقليما لم تصبغه بحبك الكبير للوطن فكانت سياحتك في كل ربوع الوطن الذي أحببته في أجزائه، فغنيت مع شاعرك :

“الجمال والحب في بلادي…

الحضارة…

إنتشارها…

في المدارس والنوادي…

العلوم العالية…

الفنون الراقية….

قوة الأفكار والأيادي…

الأنجزت آمال…

وخلدت تذكار…

في جميع الوادي…

سوداننا العاجبنا…

وفي نفوسنا مقداره يسمو…”

وهكذا كنت مليئاً بحب وطنك الكبير… ولم تقتصر على جنوبك المحدود، كما فعل غيرك وهم يهللون ويكبرون ويذبحون الذبائح حينما إنفصل هذا الجزء العزيز من الوطن، إنفصالا كان مؤلما مثل ألم استئصال قلب وعقل وبدن إنسان…. ولكنهم فرحوا بجريمة أدت إلى طرد أبناء الجنوب من الشمال… ولو قدر لك أن تعيش حتى ترى ذلك اليوم، لتم طردك من إذاعة أمدرمان التي عشقتها… فلم يعد هناك مثل متولي عيد، مدير الإذاعة الأسبق، الذي ما كان يفرق بين أحد من أبناء الجنوب أو الشمال إلا بمستوى العمل الفني الرفيع.

ولم تكن ستواصل ماغنيته آنذاك:

“في بلادنا مراتع الطبيعة…

كاسيها السحر الحلال…

في الشرق المينا العظيمة…

ليها الدهر يبسم دلال…

والغرب، الجلست مداخلو…

الهيبة حصونها التلال…

وجنوبنا ينافس الشمال…”

وجنوبنا ينافس الشمال… ما أعظمها من عبارة… لم تقل “وجنوبنا يحارب الشمال، ولكنك احتفلت بالمنافسة الشريفة في التنمية والفنون والعمل.

 وعفواً عزيزي رمضان زايد صاحب الحس الكوميدي، القادم من بطون الزاندي وصاحب البالمبو التي رقص عليها أهل الشمال قبل أهل الجنوب.

وعفوا عزيزي عبد المنعم عبد الحي، الشاعر الذي انتشر في سودان المليون ميل مربع، وصاحب أغنية “أنا أمدرمان” والتي عبرت عن وطننا الكبير الذي أحببته … الأغنية التي اتخذها الشهيد الأستاذ محمود محمد طه شعارا لفدائه العظيم لشعبه، وهو يتقدم نحو المقصلة في ثبات… فقد ضم هذا النشيد العظيم إلى إنشاد أبنائه من الجمهوريين واحتفى بما جدت به من أبيات:

أنا أمدرمان مضى أمسي بنحسي

غدا وفتاي يحطم قيد حبسي

وأخرج للملا في ثوب عرســـي

وأبسم بعد ما قد طال حبسي

 

إلى أن تقول:

 

فيا سودان إذ مالنفس هانت  

أقدم للفدا روحي بنفســــــــــي

 

فكنت معبراً عن فداء من وقف وقفة الأسود في مواجهة التنكيل بشعب السودان العظيم، فقدم نفسه فداءً لهم والنفس رخيصة عند الكبار في سبيل مواجهة الطغاة ونصرة المستضعفين.

عفوا عبد المنعم عبد الحي… عفوا رمضان حسن… عفوا رمضان زايد… فأنتم سودانيون بطول هذه البلاد وعرضها وعمقها، ولو كره المهووسون.