سيف الدولة حمدنا الله ما الذي يمنع عسكري مرور من الحصول على رشوة وهو يرى "اللواء" أمامه فاسد !! السودان مغسلة كبيرة للأموال القذرة! رجل شبه أمي رئيس مجلس إدارة اعرق البنوك السودانية!

  • ·     في الأصل، ليس هناك ما يجعل من المقلب الذي شربه الفريق أول عبد الرحمن محمد زين والذي يُحاكم بسببه هذه الأيام بتهمة الإحتيال والشروع في إرتكاب جريمة غسيل الأموال، ليس هناك ما يجعل من مثل هذا الموضوع قضية تستحق النظر أو أن نُهدر فيها وقتاً في مثل هذه الظروف التي يمر بها الوطن وهو يغلي وعلى وشك الإنفجار، بيد أن ملابسات القضية هي التي تخرج بها من مجرد أفعال لشخص غشيم، إلى كونها “أنموذج” يستحق البحث لحالة التردي والإنهيار الذي إنتهت إليه الوظيفة العامة في ظل هذا النظام.

 

  • ·     وللذين فات عليهم معرفة ما حدث في هذه القضية، لا بد من مُلخّص حتى تستقيم به متابعة الموضوع، فقد بدأت القصة بوصول معلومة إلى هذا الجنرال أثناء فترة عمله في وظيفة الأمين العام لوزارة الدفاع (وهي تعني وكيل الوزارة)، بأن هناك شخص “ليبي” يُقيم في دولة غانا يرغب في التخلص من مبلغ  (5 مليار دولار) كان قد قام بتهريبها بطريق غير مشروع من ليبيا عقب سقوط القذافي، وأن الحصول على هذه الغنيمة يستلزم إستئجار طائرة خاصة علاوة على دفع أتاوة للوسطاء، فإستعان وكيل الوزارة  بأحد رجال الأعمال (وهو الذي تقدّم بالشكوى فيما بعد وكان سبباً في تفجير القضية) وعرض عليه مشاركته في الغنيمة في مقابل قيامه بتمويل العملية، ثم قام الإثنان (المتهم والشاكي) فيما بعد بإشراك تاج الدين المهدي الأمين العام الأسبق لجهاز المغتربين الذي وافق على الدخول كشريك بتحمله نصيبا من النفقات، على أمل أن يلهف الجميع حصيلة الكنز المُنتظر ويتقاسمونه فيما بينهم بنِسب متفاوتة.

 

 

  • ·     تم إستئجار الطائرة وأُخطِر قائدها بطبيعة وغرض الرحلة، وعند وصول الطائرة إلى غانا أدرك الشاكي ومن معه – بسبب وقائع لا قيمة لتفاصيلها – أنهم وقعوا ضحية لعصابة إحتيال، فتراجعوا عن إتمام الصفقة، ونفدوا بجلدهم عائدين إلى الخرطوم، وفي وقت لاحق طلب الشاكي من وكيل الوزارة إسترداد ما أنفقه من أموال، ولما عجز عن ذلك قام الشاكي بفتح بلاغ في مواجهته، ومن ثم كانت القضية التي تنظرها الآن المحكمة، فيما إستعوض تاج الدين المهدي الله في خسارته ولم يتقدم بشكوى وإنقلب إلى شاهد في القضية.

 

  • ·     في البداية، لا بد من القول بأن الذي يستعجب له المرء، أن مثل الحيلة التي وقع ضحيتها شخص مثل المتهم وهو في مقام قائد جيوش (فريق أول)، يتعرض لجنسها في اليوم الواحد مئات الملايين حول العالم عبر رسائل البريد الإلكتروني، دون أن يستجيب لها من بينهم شخص واحد لديه عقل يميز به الماعز من الحمار، فقد أضحى هذا الجنس من الحيل على درجة من الشيوع بحيث لم يعد ينطلي على أحد، فمن بين كل شخصين من رعايا دول مثل نيجيريا وغانا وسيراليون يجرّب واحد منهم يومياً حظه في الحصول على شخص ذي غفلة ليبتلع الطعم ويرسل له رقم حسابه البنكي بدعوى أن يقتسم معه ملايين الدولارات.

 

 

  • ·     على الصعيد القانوني، هناك خطأ في إجراءات هذه القضية، فالصحيح أن الذي كان عليه إختصام هؤلاء المهابيل (جميع الذين شاركوا في هذه العملية لا المتهم وحده) هو الدولة، فهذه ليست قضية خلاف مالي بين المتهم والشاكي، فمثل هذا الفعل يُشكّل في القانون ما يُقال له “الجريمة المُطلقة” Absolute Crime ، وهي الجريمة التي تتصل بالنظام العام للدولة وحماية المجتمع، حيث تتولى تحريك إجراءات المساءلة عنها حتى لو لم يتقدم المتضرر مالياً من الجريمة بشكوى، ففي عالم اليوم يعتبر غسيل الأموال من أخطر الجرائم التي تتضافر الجهود الدولية لمكافحته بإعتبار أن غسل الأموال هو منفذ التصريف الوحيد للجريمة المنظّمة التي تقوم بها عصابات الأموال والتهريب الدولي ..الخ مثل التي وقع ضحيتها وكيل وزارة الدفاع.

 

  • ·     في السودان هناك نصوص تعاقب جريمة غسيل الأموال، ولكنها نصوص زينة وضعها النظام ليكف بها عين العدو ويُساير بها بقية العالم، ولكن واقع الحال يقول بأن نظام الإنقاذ قد جعل من الوطن “مغسلة” كبيرة للأموال القذرة والمتحصلة عن الجرائم، فالنظام  يفتح ذراعيه لكل من يجلب أموالاً بهذه الكيفية، فالذين عادوا للوطن بمثل هذه الأموال بعد أن حصلوا عليها عن طريق الغش والإحتيال على ضحايا في السعودية ودول الخليج (تُعرف هناك بجرائم التنزيل ومضاعفة الأموال)،وكذا الذين حصلوا على أموالهم بالمضاربة غير المشروعة في العملة، أو جاءوا بأموال ليس لها مصدر معروف، مثل هؤلاء أصبحوا نجوماً وأعيان، يستقبلهم رئيس الجمهورية وكبار المسئولين، ومنهم من تقلّد وسام “إبن السودان البار” وتتصدر أخبارهم الصحف ونشرات الأخبار، ويتقاسمون حصيلة تلك الجرائم مع الدولة التي تقبل منهم التبرعات وتفرض عليهم الأتاوات.

 

 

  • ·     هناك أمثلة كثيرة معروفة لهؤلاء الأثرياء “الغسّالين” الذين يعيشون بيننا اليوم عيشة الملوك، من بينهم شخص يتبوأ الآن مركز رئيس مجلس إدارة واحد من أعرق بنوك السودان، وهو رجل نصف أمّي، كان يعمل في وظيفة صبي دكان في مسقط رأسه بإحدى المدن الريفية، وقد بدأت رحلته مع الثراء بعد إنتقاله للخرطوم بتزوير خطاب بإسم سفير دولة فلسطين تحصل بموجبه على رخصة إستيراد حديد وأسمنت من الخارج، وتصرف في التصديق ببيعه لرجل أعمال معروف، وبتكرار عملية التزوير أصبح من أثرى أثرياء السودان، وهو اليوم يستطيع أن يُقابل الرئيس وهو يضع رجلاً على رجل، ويتودد إليه كبار الضباط النظاميين والوزراء والحكّام (سوف يتم الكشف عن تفاصيل هذا الموضوع في مقال لاحق).

 

  • ·     الواقع أنه في ظل هذا النظام، أصبحت الوظيفة العامة هي المصدر الرئيسي للثراء، ولعل في ذلك تفسير للسبب الذي يجعل وزيراً بجلحات حتى منتصف رأسه يجهش بالبكاء مثل زوجة مكلومة لمجرد فقده الوظيفة، حتى أنه جاء زمن صار هناك قضاة يعتبرون أن الإعارة إلى دول الخليج ضرباً من العقاب، فمثل هذه الوظيفة وما في حكمها يستطيع صاحبها الحصول على تأشيرة مسئول بتخصيص قطعة أرض في ساعة زمن تعود عليه ما يعجز المغترب بدول الخليج عن تحقيقه في ثلاثة عقود وهو يحمل نفس المؤهل، فكل الأثرياء الذين تراهم اليوم يعيشون في أبّهة بالقصور الفاخرة ويهدون أنجالهم البنايات والسيارات بمناسبة الزواج والتخرج هم ضباط شرطة وجيش وقضاة ووكلاء نيابة ووزراء ووكلاء وموظفين بالمحليات ..الخ.

 

  • ·     المشكلة التي سوف يعاني منها الوطن بعد ذهاب الانقاذ، أنه سوف يكون من العسير أن تعود للوظيفة العامة مقامها كما كانت عليه في الماضي، فالرشوة والفساد وانهيار الاخلاق سوف يبقى لقرون تلهب ظهور أجيالنا القادمة بالعار، فقبل الانقاذ كان للفساد والجريمة أهلها وللفضيلة والصلاح رجاله، وكان الفساد عار يجلب لصاحبه الاحتقار، فذابت المسافة بين الفضيلة والرزيلة وتلاشت الفوارق بينهما، فأصبح الفاسد يتقدم الناس في الصلاة ويحج البيت الحرام كل عام، ويصوم كل اثنين وخميس، وتتسع غرٌة صلاته باتساع ذمته، وصار لكل فاسد مريدين وأحباب يسبحون بحمده وينتظرون عطفه وعطاياه، فتراخى الشعور بالعيب والحرام عند الناس، وغابت القدوة التي تستلهم منها الأجيال قواعد كل مهنة، فما الذي يمنع اليوم عسكري مرور من طلب رشوة وهو يرى القصور التي يعيش فيها رؤسائه من الضباط وهو يعرف مصدر تلك الأموال !! وما الذي يمنع وكيل نيابة من محاباة خصم على آخر وأكبر رأس في النيابة (المدعي العام) ضُبط بالثابتة وهو يستولي على أراضي الدولة ويحولها لمنفعته الشخصية !! وما الذي يجعل جندي نفر يقبل على نفسه أن يذهب للقتال في حرب وهو ينتعل “سفنجة” في قدميه ويُغطي رأسه بطاقية حُجّاج وهو يعلم أن ضابط برتبة “فريق أول” متهم رئيسي في قضية غسيل أموال !!

 

 

  • ·     من حيث القانون، ليس هناك في قوانين دولة الانقاذ ما يمنع الموظف العام من ممارسة أي عمل تجاري، بخلاف ما كان عليه الحال في القوانين التي كانت سائدة قبل الإنقاذ، ففي كل القوانين التي تعاقبت على السودان ( من قانون 1925 وحتى قانون 1983 ) ظل هناك نص في قانون العقوبات يمنع الموظف العام من الإشتغال بالتجارة، وتعريف الموظف العام في القانون يضع عامل الناموس بالبلدية ورئيس الوزراء في مرتبة واحدة، وقد سبق لنا في هذا السياق الإشارة أكثر من مرة للقضية المنشورة بمجلة الأحكام القضائية والتي تحكي عمّا كان عليه الحال قبل الإنقاذ، وتتلخص القضية في ضبط موظف حكومي متلبساً بالعمل على سيارة تاكسي في وقت فراغه، وبرغم أن هذا الضرب من التجارة ليس فيه تضارب مصلحة مع الوظيفة العامة، إلاّ أن المحكمة قد توصلت إلى إدانة الموظف لاخلاله بواجباته الوظيفية بخلطها بأعمال التجارة.

 

  • ·    
    الذين يمارسون التجارة اليوم ذوي وزراء وأصحاب مراكز رفيعة، ولا يجدون حرجاً في المجاهرة بها،  فعلي كرتي ينتهز كل مناسبة ليعلن في فخر أن الثروة التي ينعم بها أصلها من تجارة الأسمنت والحديد وهو يجمع بينها وبين عمله في الوزارة، وكذا حال جلال الدقير الذي يعمل مستشاراً لرئيس الجمهورية بالنهار ثم يقوم ببيع أطقم الجلوس والسفرة في الأمسيات (بليلة هاوس)، وأمين حسن عمر صاحب مدارس (كيمبردج) .الخ.

  • ·     ثم يأتيك من يملأ رئتيه بالهواء ثم ينفخ ملئ فمه وهو يُطالب بإستمرار حكومة الإنقاذ حتى “تستكمل” نهضة وتعمير البلاد !!

 

سيف الدولة حمدناالله

saifuldawlah@hotmail.com