* بالموقف الجديد الذى اتخذه النظام السودانى (الرئيس عمر البشير) بالانضمام للحلف السعودى الخليجى المصرى فى الحرب على جماعة الحوثيين الشيعية فى اليمن، أو فى حقيقة الأمر .. 

لمواجهة أطماع إيران التوسعية فى منطقة الخليج العربى والبحر الأحمر والقضاء على أحد أهم أذرعتها الطائفية والسياسية  والعسكرية  فى جنوب الجزيرة العربية، واعلانه عن تقديم كافة انواع الدعم العسكرى واللوجستى للحرب التى يشنها الحلف على الحوثيين، بل وباتخاذه خطوة مفاجئة واستفزازية للنظام الايرانى، لا يدرى أحد هل فُرضت عليه أم إتخذها من تلقاء نفسه للمزايدة على حلفائه الجدد، وهى اغلاق جميع المكاتب والممثليات الايرانية بالسودان، فإن النظام السودانى يكون قد وضع نفسه فى مأزق كبير بالنظر الى علاقته الاستراتيجية الطويلة الراسخة بإيران والوجود الإيرانى ــ خاصة الاستخباراتى ــ الكثيف بالسودان ! 

* الكل يعرف مدى عمق العلاقة الاستراتيجية التى ربطت النظامين الايرانى والسودانى والعون الكبير فى كل المجالات خاصة فى المجال العسكرى والاستخباراتى، الذى ظلت تقدمه إيران للنظام السودانى مما أتاح لها التغلغل بكثافة فى الدولة السودانية وتكوين أحلاف وأنصار وصداقات وتجنيد عملاء داخل كافة الأجهزة الحساسة وغير الحساسة، بل وتخطتها الى الشارع السودانى وإقناع كثير من السودانيين بالتحول من المذهب السنى الى المذهب الشيعى، أغلبهم مستترون، ولا شك أن بعضهم يرتبط بعلاقة وثيقة مع الأجهزة السرية الإيرانية حسبما عرف عن النظام الإيرانى بميله لتجنيد أفراد وتأسيس تنظيمات سرية لخدمة مصالحه وتحقيق أهدافه غير المعلنة ..! 

* فضلا عن ذلك، فلقد كانت إيران هى البوابة التى عبر من خلالها النظام السودانى الى الصين وروسيا بحكم الحلف الثلاثى القوى بين الدول الثلاث، وهى التى اقنعت الصين وروسيا ببيع السلاح للنظام السودانى كما أقنعت الصين بالاستثمار فى مجال البترول فى السودان وكانت هى الضامن لكل تلك المعاملات ولا تزال! 

* كل تلك الخدمات وغيرها لا يمكن لإيران أن تتجاوزها وتنساها بسهولة، وتغفر للنظام الطعنة التى سددها لها من الخلف بانضمامه للحلف السعودى ومشاركته فى الحرب ضد أهم حليف لها فى المنطقة، والإضرار بمصالحها فى السودان باغلاق مكاتبها وممثلياتها .. ومن جانب آخر فليس من السهولة على النظام السودانى أن يتخلص من التركة الثقيلة لعلاقة طويلة وعميقة امتدت لربع قرن من الزمان مع نظام طائفى شرس عُرف بقدرته على تحقيق اهدافه بمكر وصبر وسرية كاملة، والدليل على ذلك شطره لفلسطين الى نصفين وسيطرته على العراق وسوريا ولبنان وتغلغله فى البحرين والانقلاب على السلطة فى اليمن بقوة السلاح ووصوله الى الحدود الجنوبية للسعودية وتحييده لسلطنة عُمّان، الدولة العضو فى مجلس التعاون الخليجى فى الحرب ضد الحوثيين، والاقتراب من الاتفاق مع الولايات المتحدة وحلفائها بما سيمكنه من الاحتفاظ بالمواد والامكانيات  التى ستقوده الى تحقيق هدفه فى تصنيع السلاح النووى ..إلخ، فهل يستطيع البشير الوقوف أمام عدو مثل هذا ؟! 

* أمر آخر .. ماذا سيفعل البشير مع حليفه القديم الجديد الدكتور الترابى الذى عُرف بعدائه الشديد مع مصر والسعودية، وعلاقته العميقة بالنظام الايرانى .. مَن سيتخلى عن مَن، وهل يستطيع البشير مواجهة مؤامرات الترابى إذا اختلفا مجددا، خاصة بعد أن تخلص من حلفائه الأقوياء من أجل الترابى ؟! 

* صحيح أنه لم يكن أمام البشير أى خيار غير الوقوف مع السعودية خاصة أن من أبلغه بقرار الحرب كان هو الملك سلمان بن عبدالعزيز بنفسه والذى كان يجلس ووراءه العلم السعودى بسيفه الشهير الذى صار الآن بيد من يعرف متى وكيف يستخدمه أو يهدد به، وأمامه طاولة صغيرة وُضع عليها ملف كًتب عليه الدعم السعودى للسودان .. ولكن ألم يكن بإمكان البشير أن يتخذ موقفا أقل تشددا، كالموقف العمانى مثلا ، يحفظ به شعرة معاوية مع السعودية ويتقى شر إيران ؟! 

* على كل حال قد يكون القرار الذى اتخذه البشير هو القرار الصحيح من وجهة نظره ونظر الكثيرين .. ولكن وكما علمتنا السياسة، فإنه ليس بالضرورة ان يكون كل قرار صحيح فى مصلحة صاحبه، فهل يكون هذا القرارهو القرار الصحيح الوحيد الذى اتخذه البشير طيلة جلوسه على كرسى السلطة والذى سيكون به سقوطه من هذا الكرسى ؟!