عبد الله الشيخ تحتفي ربوع دنقلا العرضي فى السادس من أبريل القادم، بذكرى الشيخ الزبير حمد الملك، أحد أشهر رجالات الإدارة الأهلية في السودان، و الذى رحل عن دنيانا قبل خمسة و عشرون عاماً ، في سبتمبر 1989م . 

ولد العُمدة الزبير في العام 1902 وحفظ القرآن في صِباه،  ودرس الأدب الانجليزي و القانون فى كليه غردون التذكارية، وتقلّد مناصب عديدة ، حيث عمل سكرتيراً للحاكم العام ، السير جون مفي،أو “جون مافي” كما كان يحلو للسودانيين القول ، في زمانه..

شارك الزبير في تكوينات الحركة الوطنية، فكان من المؤسسين لمؤتمر الخريجين العام ، وعضواً مُنتخباً للبرلمان  مقيماً في رُدهاته بـِ “بِشورة أهله”، وعن طريق التنافس الإنتخابي الحر..تقلّد شيخ الزبير عمودية دنقلا  بعد أبيه المرحوم حمد الملك ،وشهد له الإنجليز  بالحِكمة والعدل في حلحلة المنازعات و الفصل في القضايا بين المتخاصمين بطريقة ودّية، من خلال مزاوجته بين القانون والعُرف..ومن مآثره، أن مفتش مركز دنقلا، كان يرى فيه ملكاً لا يظلم عنده أحد، وممّا نُقل عن أحد الإداريين البريطانيين ، قوله الذي لم يزل،يتردد صداه في مجالس أهل الشّمال:” لو الزبير ظلمك، الله ظَلمكْ”..!  تولى شيخ الزبير، إدارة السلك القضائي في المديرية الشمالية منذ ثلاثينيات القرن الماضي ،وحتى انقلاب مايو، وإليه يرجع الفضل في تثبيت سابقة قضائية هي “القُصادات”،التي كان لها الأثر الكبير في معالجة مُنازعات الأراضي على الشّريط النيلي ، حيث اهتدى بحنكته وخبرته القانونية والادارية، الى الحكم باستتباع أراضي الجزر الناشئة عن تبدُّل المجرى، وأراضي الميري، لصالح أصحاب الملكية المسجلة وفق قانون العام 1925م .وأسهم العمدة الزبير بجد ونشاط  في انشاء المدارس في كافة أنحاء المديرية و تعليم الناشئة  في مرحلة كان الأهالي عازفون عن تعليم أبناءهم، كما شجّع تعليم البنات، فأرسل بنات أسرته الي المدارس، بالاضافة الى وقوفه وراء تأسيس معظم المشاريع الزراعية.. كانت الإدارة الأهلية، ذات أثر واضح فى الحياة الاجتماعية السودانية، ولم تزل تؤثر، حتى بعد إلغاؤها في بداية عهد مايو، إبّان عنفوان “الثورة” اليساري.. ولقد احتفظ  مقام ملوك أرقو، الذين ينحدر منهم شيخ الزبير، بأريج وعبق الإرث القديم رغم التحولات السياسية، فكان بيت آل الزبير معبراً وبوّابة للشمال..وتبدو تلك الدّار، في ذلك المكان، كآخر  قلاع “السودان للسودانيين”،فى منطقه تدين غالبيتها الغُظمى بالولاء للختمية،،ولا غرو  فقد كان شيخ الزبير أحد الأفراد المؤسسين لحزب الأمة بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي..و لو كانت الجدارة، أو كانت الديمقراطية، بعضاً من أُمنيات قياداتنا ” العتيقة” لوجد الأنصار والإتحاديين، “هنا والآن”، أميناً عاماً لكيانهم يَسُد عين العِدا والشّمس..كان ذلك ممكناً، لولا أن  سفائن القيادات النّرجِسية ،تَغْرَق حتماً، في”لعِب العيال”..!

فى الأونة الأخيرة، لجأ النظام السياسى  إلى استلهام تجربة الإدارة الأهلية بصورة مؤذية،بأن لجأ نحو  تحفيز الميول التقليدية والمناطقية،، ونِعم بالله، وهو المُستعان،،  فقد برزت الحقيقه التى لا تخطئها العين، و بأن  من غير لبسٍ أن الكثير من رجالات الإدارة الأهلية، وفى مقدمتهم عبد الله الزبير حمد الملك ، كانوا في مقدمة المُتحررين من مزالِق القبلنة و الجِهة بإنتماء صحيح للهوية السودانية الجامعة..و ليت المُحتفين بذكرى عمدة الشمال العطرة،  في “إيماني”، يفتحون كنوزه بتدشين العهد الجديد فى كتابة تاريخ السودان الاجتماعي، فعمودية أرقو، كنز وثائقي ضخم ، نُسِخ بمداد الأيام الخوالي.. ليتهم يفتحون ــ برفق ــ وثائق عمودية الزبير ، في تنتظر من يقرأ فيها صفحات مجيدة من تاريخ السودان، مملكة النيل والصحراء..