د.ناهد محمد الحسن "كشفت هذه الرواية بدقّة بنية الذكورة في المجتمع السوداني..من هو الرجل ومن هي المرأة..كما أوضحت عناصر تغيّر النزعات الذكورية في المجتمع في تلك الفترة..فحين تتعارض الإحتياجات الإقتصادية مع بنية الذكورة تنهزم الذكورة..".

نُشرت رواية الفراغ العريض لملكة الدار محمد في 1972 . بينما كتبت في أوائل الخمسينات. وقد نالت صاحبتها جائزة القصة القصيرة في النصف الثاني من الأربعينيات.

تدور أحداث الرواية في حقبة ما قبل الإستقلال وأيام الحرب العالمية الثانية. تدوّن بريشة نسائية راصدة ملامح السودان في تلك الفترة. فمنى بطلة الرواية التي يرحل والدها في طفولتها بحثا عن الرزق في ما أسمته السودان الفرنسي (تشاد حاليا)، والتي تضطر للرحيل مع جدها ووالدتها لأم درمان للبيت الكبير الذي يحتوي على أسرة عمها والد سعاد وسارة وسيد. ونعمة زوجة عمّها بشرى التي تركها لعدم قدرتها على الإنجاب لتخدم والديه وارتحل بعيدا بعد أن تزوج بأخرى.

الفراغ العريض نص يعرّي بنية الذكورة في المجتمع السوداني. فالأب غائب عن مسئولياته المباشرة تجاه أسرته. ولكن هذا الغياب معذور ولا يلقى أيّ استنكار في إطار الثقافة..وتنتقل رعاية البنت لجهة أبيها..الجد والأعمام وابن العم.ورغم إستقلال البطلة المادّي فيما بعد فإن حوجتها للرجل الحامي ما تؤكده عليها والدتها بإستمرار..فحين لجأت لوالدتها لتقتص لها من ابن عمها سيد الذي ضربها ضربا مبرحا مع إخوته حين اكتشف أمر علاقة اخته سارّة مع صديقه صلاح، كان رد الأم (إنّ الوريقات المعطّرة والهدايا البرّاقة التي ينصبها بعض الشبّان شراكا للفتيات الرعناوات الطائشات هي التي تقودهن الى نهاية قاسية وعرة، وانت ليس لك ما لإبنتي عمّك من حماية، فأين أبوك؟ وأين أخوك؟) ..وسيّد هو السيّد المطلق في كلّ شيء ومعنى الرجولة في وعي النساء يتبدى في هذا الوصف ( فتى لم يتجاوز ربيعه السابع عشر،طويل نحيل ، يتدفق حيوية ونشاط، ويفيض جرأة واعتدادا. اذا تكلم تعمّد الجد والعبوس واذا تحرّك أظهر الشدّة والخيلاء، يحاول دائما أن تبدو على وجهه الصرامة والحزم، يحاول ذلك ويتعمّده منذ ان شبّ وتفتحت مشاعره واتسعت مداركه وأحس انه نسيج وحده بين افراد الأسرة، يميزونه على أختيه بكثير من الرّفق والإعزاز وبكثير من الإجلال والإكبار، لأنه ذكر(وليس الذكر كالأنثى)، ولأنّه الحفيد البكر، والولد الأوحد الذي تفخر به الأسرة وتنتظر على يديه خير المستقبل وعزته). وهذا السيّد  يتقدّم بصرامة لمعاقبة شقيقته لتجرّأها على الشعور بالحب فيحرمها من حلمها بدخول كليّة المعلّمات. الذي عكفت سنوات للحصول عليه. وحسمت الجدّة النقاش بقولها (إنّ سيّدا أعطى كلمة رجل ، وهي أنّه لو التحقت سارّة بالمعهد أو بأيّ مدرسة بعد اليوم ليخرجن من هذه الديار ويقطع كلّ صلة له بهذه المدينة، ومن أنتن حتى نضحّي بسيّد من أجل ارضاءكن؟! انكن مجتمعات لا تساوين قلامة من ظفره).

وعن حياة النساء في المنزل تقول ملكة الدار(هذي عليها الديوان تنظفه وترتب فرشه وتملأ جراره، وتلك عليها الحوش تكنسه والأزيار تملؤها، والثانية تعد الشاي والقهوة وتحملها إلى من بالدار. والأواني تغسلها، وتقوم بترتيبها، واذا فرغن من ذلك اجتمعن على ملابس سيد وملابسهن يغسلنها ويرتبنها..).

كشفت هذه الرواية بدقّة بنية الذكورة في المجتمع السوداني..من هو الرجل ومن هي المرأة..كما أوضحت عناصر تغيّر النزعات الذكورية في المجتمع في تلك الفترة..فحين تتعارض الإحتياجات الإقتصادية مع بنية الذكورة تنهزم الذكورة..فنشأة منى دون أب جعلها أكثر قوّة وحريّة من ابنتي عمّها وأكثر انطلاقا..ورغم توعّدات سيد الا ان والدة منى تصدّت له ( تحاولين المستحيل يا عمّتي إن كنت ترمين إلى إقناعي بمنع إبنتي من الإلتحاق بالكليّة..ذلك ما لا سبيل إليه حتى ولو أغضب تصريحي أيّا من آبائها . أما سيد وان كنت احمل له شعور الأم نحو ابنها الا انني أضن بمستقبل ابنتي من التضحية مقابل ارضائه، كلكم تعرفون ظروفها ، فإن كنتم ترون في حرصي على الحاقها بالمعهد خروجا على أوامر الرجال فليكن). وقد استغل الإنجليز الوضع الإقتصادي بعمل خرق في بنية الوعي السوداني تجاه المرأة.. فبعيدا عن القلّة المتعلّمة التي كانت تؤمن بضرورة تعليم البنات ، كانت المشرفة الإنجليزية كما جاء في الرواية تطوف بالمدن، تختار بنات الأسر الفقيرة لترسلهم للتعليم والعمل كمعلمات وممرضات..والوضع المالي ما منح منى حق العمل والتعليم ..وهو ما سماه النور عثمان البكر بوصف واقعي رصين للانتهازية الذكورية في الفراغ العريض ( فالأب لم يصرخ في وجه ابنته العاملة لأنه يدرك أن تقصيره المادي والروحي في حق الأسرة لا يمكنه من الانتصار ان دخل في مواجهة. وحال منى المادية لا تسمح له بإقعادها في المنزل والإنفاق عليها. لذا فهو يخفت صوت احتجاجه. وسيد يسترضيها ليخرج بما يشتري به نصيبا في مائدة الميسر..).

حال القلب الأنثوي في هذا المجتمع ..حال المرأة نفسها..يهوى بالخيال رجال يلمحهم فقط في الجوار..فالحبيب هو الرجل المتاح في خارطة تحركات المرأة المحدودة..والتواصل معه ضرب من الخروج على التقاليد..على عكس الرجل الذي لديه مساحة تحرك واسعة من جولات سيد وصلاح وليالي أنسهما..الى أمنيات منى نفسها في المشاركة في المنتديات الأدبية التي كانت حكرا على الرجال..والزواج على ذلك أمر ليس للمرأة فيه كثير رأي فكل من سارة وسعاد وحتى منى نفسها تم تزويجها بمن تراه الأسرة مناسبا دون مشورتها.. وتكون الفتاة آخر من تعلم..

كانت بطلة رواية الفراغ العريض..تستشعر الفراغ في حياة النساء واجتماعاتهن وما أسمته ثرثرة فارغة ليملأن فراغهن العريض. وتثمن عاليا حياة الفكر والثقافة..بدت منى في مساحة الحريّة المحدودة التي توفرت عليها أكثر جرأة وشجاعة من الأخريات.. ولكنها لم تسهم في تغيير أقدارها بشروط ذلك المجتمع الثقافية..فمغامرتها بالكتابة للصحف انتهت بتكالب عمها وسيد ومديرة المدرسة عليها…كما إنّ رفضها لسيّد لم يأبه له كثيرا من قبل الأسرة ولا سيد نفسه..وتعود منى لتعيش الحياة التي لطالما استشعرت فراغها العريض كزوجة في كنف سيد..

لم تبد في الرواية تلك اللحظة المتفجّرة بالوعي واليقظة لدى البطلة وكأنها كانت هنالك منذ الميلاد..فالبطلة كانت قادرة على رصد الفراغ العريض في حياة النساء وتجاربهن العدميّة..منذ فترة باكرة من حياتها… فهي تلحظ حالة زوجة عمّها التي يحوّلها عجزها عن الإنجاب لشخص موهوب فقط لرعاية والدي زوجها..حيث يزوي شبابها وتكون محرومة من الحقوق الإنسانية الطبيعية..وتلاحظ والدتها المحرومة من الزينة والمكرّسة فقط لخدمتها وتربيتها…وتصل قمة احساسها بالعدم تلك اللحظة التي تستعد فيها للسفر بعد ان عاقبتها المديرة على نقلها لأم درمان..حين يصحو في أعماقها السؤال عن جدوى الوجود على ظهر الأرض، فماذا أمام المرأة غير الفراغ الفكري والنفسي العريض؟..يقول النور عثمان البكر أن قصص ملكة الدار يغلب عليها عنصر البطلة المرأة التي لا عائل لها أما بموت او هجر عائلها كما في (المجنونة) و (متى تعودين)). وطقس التضحية بالأب في اعتقادي هو محاولة ملكة الدار لتحقيق السعي الروحي لبطلاتها حيث تتراخى قبضة الأبوية.. كما هو رغبة لاواعية في غياب السلطة الذكورية التي تقف حجر عثرة امام تطور المرأة وحريتها.

لقد ذكرت الرواية الفراغ العريض في اكثر من مرة للتعبير عن عالم النساء الخالي من كل ما يحقق ذواتهن الخاصة…في سارة الغارقة في الفراغ العريض بعد ان حرمت حقها في دخول كلية المعلمات..وفي تعبيرها عن الموت.. ولحظة انتصار الأعراف عليها..وتوقفها عن الكتابة..ولحظة ان شهدت خيانة صلاح لها..تعبيرا عن غياب الحب الحقيقي في الحياة الذي بمقدوره ان يمنح الحياة معنى. لقد ظهر في الفراغ العريض ذلك التردد تجاه الرجل مانسميه في علم النفس ال ampivillance

فهي تحب والدها وتلومه وتكره سيد وتعود لتحبه وتحب صلاح وتفجع فيه..وعدا جدها وشخصية صلاح قبل ان يغير نسقه القيمي..فالرواية تعبير عن الخذلان في الرجال..لا مسئوليتهم وضعفهم الأخلاقي ولا انسانيتهم وهي تساوي سعاد الحالة المثلى لإستبطان الوعي الذكوري من جيل الكاتبة مع هؤلاء..الأخلاق القشرية والعنف المستبطن. وهو ما يؤكد عليه احمد الطيب عبدالمكرّم في تحليله لبنية الفراغ العريض..فعند أحمد:

(بنية الذكورة) ضد (بنية الأنوثة)= (الفراغ)

فعدم التقاطع أو وضع العلاقة اللامتكافئة بين البنيتين (الأولى) و (الثانية) التي تحمل القيمة المنهزمة، يولد هذا الوضع -حالة الفراغ – أو التصدع بما يكسب الفراغ هنا قيمته الدالة كبنية داخل النص الروائي ).

إنّ اذدواجية المعايير الأخلاقية في بنية الذكورة/ الأنوثة تتجلى في الموقف من سعديّة التي اختارت الخروج على تقاليد المجتمع وتأكيد ذاتها وحريتها..حيث يعاملها المجتمع كساقطة وكذلك منى رغم وعيها النسوي الا إنها تستطيع التسامح مع زوجها وسلوكه وصلاح كذلك لكن ليس سعدية. إنّ الخاتمة التي تبدو فيها الهزيمة ..هي في حقيقتها انتصار..فالبطلة اختارت ان تتجاوز العادات والتقاليد الإجتماعية وتحقق سعيها الروحي بالبحث عن علاقة حب حقيقية تؤكد ذاتها وحقها في الإختيار..ومع الوعي بتلك المسافة بينها وبين سعدية تحاول منى ان تجد تسمية خاصة بها ..رفيعة للحب وان كان خارج الأطر التقليدية.. وتفرق بينه وبين المتع العابرة..وقد كانت خيبتها كبيرة وفراغها عريض  حين لم يعي الرجل الذي اختارته هذا الفرق ..فبالنسبة له كانت إحدى المتع العابرة وحسب…

علو الحس الوطني في الرواية واضح في مناخ التحرر القومي..سودان ماقبل الإستقلال..الأعراف الراسخة والتدين البسيط..فالبطلة تحسن الوضوء اكثر من جدها ولكن والدتها التي تعلمت من الجد تصر على طريقته ولا تصغي لبنتها..فالبنات لايمكن ان يكن اكثر تدينا من الرجال..وشرب الخمر..ممارسة اجتماعية لا تنقص الرجال قدرهم الا اذا اصبحت داء..وفي هذه الظروف شقت المرأة السودانية طريقها نحو التحرر عبر العمل والتعليم مستقلة الضائقة الإقتصادية والوعي المتبلور حديثا واهتمام الإنجليز بتعليم المرأة وكذلك المستنيرين من السودانيين..وأهم من ذلك ..ان سلوك النساء الرائدات المنضبط قدم نموذجا ملهما للكثيرين..مهد الطريق للأخريات..