خالد فضل "مدرسة الريّان تجلس التلاميذ المساكين لامتحانات مضروبة بأرقام جلوس وهمية , وبعض طلبة الكلية الطبية التكنولوجية ذات الحساب الدولاري المجنّب يتركون مقاعد الدرس ليلتحقوا بجماعة المتوحشين بزعم تأسيس الدولة الاسلامية"

حدثان جديران بالتوقف حيالهما , خبر تلك المدرسة العجيبة التي زوّرت امتحانات الشهادة السودانية , ونبأ سفر طلاب جامعيين من السودان للانضمام الى حركة داعش المتوحشة , وبينهما تقرأ في لافتات الحملة الباهتة للتمديد للطغيان تحت زعم الانتخابات عن حزب عمر البشير وشعاره نقود الاصلاح نستكمل النهضة تماما كما كتب أحدهم على لافتة مخبزه ذات يوم المخبز الاسلامي فإذا به يخلط العجين ببروميد البوتاسيوم السام , أو كما علّق تاجر على محله محاربة الغلاء فإذا أسعاره الأعلى بين أقرانه التجّار , الأشياء في بلادنا منذ ربع القرن وشهور كلها تسير بمعكوسها , فمدرسة الريّان , لاحظ الاسم الرنّان , تجلس التلاميذ المساكين لامتحانات مضروبة بأرقام جلوس وهمية , وبعض طلبة الكلية الطبية التكنولوجية ذات الصيت المالي والحساب الدولاري المجنّب يتركون مقاعد الدرس الدولارية ليلتحقوا بجماعة المتوحشين بزعم تأسيس الدولة الاسلامية في الشام والعراق وفي ليبيا والسودان واليمن , سنعد بعد قليل لتلاميذ باب الريّان الذي يدخل به الصائمون الى الجنان . ولنبق قليلا مع الذبّاحين الجامعيين , إنّ كثيرا من المواطنين يمتهنون الجزارة كمهنة شريفة يكسبون من ورائها العيش الحلال , كثير منهم يقف في زرائب المواشي يتصيد رزقه العفيف , معظم هؤلاء لم يشاهدوا في حياتهم دولارا , ناهيك عن تسديد رسوم الدراسة به , لكنهم لم يتخصصوا ذبحا في البشر كما تفعل جماعات داعش فأي وباء وبيل هذا الذي حلّ بالعقول فجنّت ! وأحدهم في الحصاحيصا يهجم على المهندس القرشي ودالزين في وسط السوق يكاد يذبحه نحرا كما تفعل داعش , ويشاع أنّ المعتدي مختل عقليا , أيعقل أنّ مختلا عقليا يتصيد فريسته بدقة وفي لحظة حاسمة لينحره؟ وبذات طريقة نحر الدواعش لضحاياهم , نحن هل جنينا أم عقولنا نصاح على حد قول المغني ,

   الحقيقة المرّة أنّ حصاد غرس فاسد ورعايته لمدة ست وعشرين سنة ليس بالأمر الهيّن , بل إنّ مهمة الاصلاح للمصلحيين الحقيقيين تبدو عسيرة ناهيك لمن أدمن الفشل وكان هو من غرس الفساد والسوء وتعهده بالسقيا حتى أثمر , ستة وعشرون عاما ليس بالزمن اليسير , شخصيا كنت حينذاك ولمّا أكمل الرابعة والعشرين من السنوات , الآن أقف مترنحا على أعتاب الخمسين , دار الرأس فعلا بمدام الهول الفظيع والمفارقات الباهظة , فمنذ تلك الأيام التي اغلقت فيها   بؤر الوعي والاستنارة في بلادنا وانفتحت على الانكفاء والجهل والارهاب , سارت الأوضاع بوتائر متصاعدة نحو الهاوية , عشعش التطرف بمقدم الارهابيين من كل حدب وصوب , وكانت البروفات المؤلمة , حادثة مسجد الحارة الأولى ومن بعدها مسجد الجرافة وكمبو 10 ببركات , ليستمر التطرف والارهاب حتى اغتيال قرانفيل وسائقه السوداني عبدالرحمن , ومن ثمّ مسرحية هروب الجناة المنتظرين تنفيذ حكم الإعدام من سجن كوبر الذي لم يشهد تاريخه هروب أحد من نزلائه بتلك الصورة , وبرضو نردد مع المغني ( نحن هل جنينا أم عقولنا نصاح) !وتتوالى الوقائع المؤسفة , خلية السلمة التي لم يعرف مصير افرادها , ثم خلية الدندر التي قتل من قتل فيها ولا معلومات متاحة عن مصائر الناجين ! في بعض الأوقات تدور أحاديث عن استخدام الارهابيين والمتطرفين كفزّاعة من جانب الاسلاميين الحاكمين , يقولون للناس هولاء بديلنا ولذلك يسمح للمتطرفين بالانتشار حتى يتعرف الناس على البديل القادم إن هموا همّوا بازاحة اسلاميي السلطة . ولا يهمهم بالطبع أنّ التطرف والارهاب نار تنطلق واكسجينها موجود بالنصوص التي تردد ترديد الببغاء , عاصفة من السلفية اجتاحت البلاد من أقصاها لأقصاها , وانتشار  كثيف لها في الجامعات وفي الكليات العلمية الرفيعة على وجه الخصوص , وهذا أمر جلل وواقع معقّد يحتاج الى جهد وبحث وعلم وقدوة ومناخ ديمقراطي حر يتيح البدائل ويفسح المجال أمام الفكر وحرية التعبير والبحث العلمي والتثقيف ونشر الوعي وثقافة السلام ومبادئ حقوق الانسان وغيرها من وسائل محاصرة الظلام , هذا هو المدخل للاصلاح , وبالطبع فإنّ عمر البشير وزمرته غير مؤهلين فكريا وثقافيا وانسانيا للخوض في بحر الاصلاح ناهيك عن قيادته .

    حال تلاميذ مدرسة الريّان يغني عن السؤال , فبحسب ما نشر معظم الطلبة من دولة جنوب السودان , هنا تكمن اشارة واضحة لحجم الانهيار القيمي والأخلاقي في عهد نهضة جماعة عمر البشير , استغلال بشع لحاجة هولاء المساكين الفارين من لهيب الحرب الاهلية الطاحنة في دولة الجنوب , وبروز للثعالب في ثياب الواعظينا , ثم التكسّب المالي من وراء مصائب القوم , فما هي النهضة أساسا حتى تستكمل ؟ أين حدثت النهضة ؟ ألم تأتهم تقارير الذيلية في كل أمر مشين , فقرا وأوبئة وفسادا وغيابا للحريات ونزوحا ولجؤا وحروبا وانهيارا , ومحاكم دولية وابادات واغتصابات وجفاف وتصحر وتقهقر , أين هي النهضة التي يريد عمر البشير وجماعته استكمالها ؟ عمارات شارع المطار ؟ مزارع السليت ومنازل كافوري؟ إن كانت تلك نهضتهم فبئس النهوض لفئة مغتصبة , أمّا طريق النهضة وبدايتها فهو العودة لمنصة التأسيس , نعم بلادنا في حاجة لتأسيس من أول جديد , بناء على الواقع وليس الوهم , فقد شبعنا أوهاما , وهرمنا تحت ظل الشعارات الفارغة والوعود الكاذبة والممارسات الشائهة التي تصادر حتى كتاب من أرض مفروش وتغلق مراكز الوعي وتمهد الطريق للشباب اليافع للانضمام الى داعش , الاصلاح يبدأ بغروب هذه الطغمة المستبدة الفاسدة والنهضة تنطلق يوم يتم تعريف الوطن بل تعريف البشر وجعلهم غاية الدولة والحزب والتنظيم , وليس اعتبارهم مشروعات ذبيح قربانا للتطرف والانغلاق .