التوليد التركيبي ونواصل استعراضنا لإمكانات التّوليد التّركيبي، مستشهدين ببعض الأمثلة من اللغة النّوبيّة الحديثة، وكيف تمكّنت هذه اللغة من توليد المعاني والتّراكيب، شأنها في ذلك كشأن أيّ لغة حيّة..

من الكلمات المركبّة حديثاً والتي يعرفُها القاصي والدّاني كلمة kurti-moora، في الإشارة إلى رجل البوليس. ويعتقد الكثيرون أنّها تُشيرُ إلى عمل رجال الباشبوزوق إبّان عهد التّركية البغيض (فضلاً عن رجال الأمن في زماننا الإرهابي الحالي) عندما كانوا يُقيّدون النّاسَ بالحبال تكتيفاً بالرُّكب واليدين من خلاف. ولا شيء أبعد من هذا. فالكلمة تشير إلى الشّريط الذي كان رجال البوليس على عهد الاستعمار وأوّل سني الاستقلال يستعملونه بديلاً للجوارب، فيلفّونه من أسفل أصابع القدم صاعدين إلى ما دون الركبة، ثمّ بعد ذلك ينتعلون الحذاء العسكري (البوت). وفي مثل هذا الاتباس نكتة حدثت لي في إنكلترا. في بريطانيا وأمريكا يستخدمون لفظة Cop لرجل الشّرطة دون أن يعلم الكثيرون أصلها. وقد فوجئتُ يوما وأنا بنُزل عام Public House (وتُختصرPub ، وهذه أيضا نُكتة إذ لا يعلم الكثيرون أصل الكلمة المختصرة) في أوكسفورد منتصف عام 2003م أشرح أصل كلمة Cop لإنكليز ذوي رقاب “حمريطيةوعيونهم جاحظة من أثر الشّراب. أصل الكلمة Copper وتعني النحاس. ولعلّ بعضنا لا يزال يتذكّر النحاسيات الملحقة بزيّ رجال الشّرطة إبّان ستّينات القرن الماضي قبل أن ينقلب لون الزّي إلى الكاكي والأزرق البحري الغامق. كانت قطع النحاسيّات تتوزّع بين القميص والبدلة ثمّ الحزام، فضلاً عن القبّعة (البرنيطة). وأذكر كيف كان أخي الأكبر المرحوم كمال جلال هاشم يطلب منّا أيّام الجمعة أن نقوم بتنظيف تلك النحاسيّات بمادّة مُنظّفة لها رائحة نفّاذة غير كريمة، وهو حينها ضابط حديث تخرّج من كلّية الشرطة.

ما علينا يا سادة!  فلنعد إلى التوليد التركيبي!

إذن سنقوم باستعراض أودات التوليد في اللغة النوبية القديمة والتي تقع جميعُها في باب إنتاج الأسماء دون الأفعال. وهنا بعض النقاط الفنّية التي لا مناص من التعرّض لها في سبيل تيسير الفهم، خاصّة وأنّنا سندخل منطقة ربّما بدت للبعض أنّها أكثر تخصّصيّةً. تعتمد الغالبيّة العظمى من اللغات في تصريفها ونحوها على أداةٍ تُعرف باسم الزّوائد Affixes وهي أشبه بالحروف في النحو العربي بمعنى أنّها ليست كلمات بمعنى الكلمة. هذه الزّوائد تنقسم بدورها إلى ثلاث أدوات تجري على النحو التالي:

البادئة Prefix: وهي التي تلحق بأوّل الكلمة فعلاً أو اسماً، مثل in- عندما تدخل على accurate فتصبح inaccurate. وفي اللغة العربية نجد الياء عندما تدخل على “ضرب” فتصبحيضرب”.

الواسطة Infix: وقد تترجم “الدّاخلة”، وهي التي  تتوسّط أو تدخل في وسط الكلمة فعلاً أو اسماً، مثل حرف الـ /o/ عندما تدخل على كلمة speak فتصبحspoke . ومن الأمثلة في اللغة العربية، الألف عندما تدخل على “ضرب” فتُصبح “ضارَب” كفعل أو “ضارِبكاسم فاعل.

اللاحقةSuffix : وهي التي تلحق بآخر الكلمة فعلاً أو اسماً، مثل en عندما تلحق بالفعل eat فنحصل على التّركيبeaten . ومن أشهر الأمثلة في اللغة العربية تاء التأنيث. واستطراداً مع المثل الذي داومنا عليه نجد واو الجماعة ونونها في كلمة “يُضاربون” والتي تشتمل على الثلاث أدوات: البادئة (يُ)؛ والداخلة (ا)؛ ثمّ اللاحقة (ون). وهذه ميزة تتميّز بها اللغة العربية، إذ تقوم بتشغيل الزوائد جميعها في الكلمة الواحدة، وقد تستخدم أكثر من واحد من كلٍّ منها كما في كلمة “يستضربونهم”. ويعتقد بعضُ اللسانيين أنّ هذا هو السّبب في الصعوبة التي تبدو بها اللغة العربية للبادئين.

أمّا إذا جئنا إلى اللغة النوبية فنجد الأمر يختلف كثيراً، إذ لا تستخدم اللغة النّوبيّة إلاّ اللواحقsuffixes . وقد ذهب مختار أيّوب، وفيرنر (Werner) وخليل كبّارة إلى الزّعم بأن اللغة النوبية تعرف السوابقprefixes ، ولكنّي لا أوافقُهما في هذا بل آخذ برأي جمهور اللسانيين ومنهم براون. كما ذهب براون إلى أنّ اللغة النوبية القديمة تستخدم داخلة infix واحدة فقط هي المورفيم النحوي syntactical morpheme ج (-j-) في مثل kab-on>kab-j-on؛ وهو ما تشترك فيه النوبية الحاليّة مع النوبية القديمة. ولكنّي أختلف معه فيما ذهب إليه إذ أنظر إلى هذا المورفيم بوصفه مجرّد لاحقة تليها لاحقة. فجذر الفعل /kab/ يظلّ هو هو دون أن تتوسّطه أيّ داخلة.

وفي رأيي يكمن السرّ وراء بقاء اللغة النوبية على مرّ القرون برغم كلّ الحصار النّاجم عن حالة الاستعراب في هذه الخاصّيّة، ألا وهي استخدام اللواحق فقط دون غيرها، الأمر الذي جعلها لغةً مرنةً وقابلة للتّطوّر والتّواؤم مع الأوضاع اللغويّة الجديدة النّاجمة عن حصار الاستعراب. فقد جعلتها هذه الخاصّية بدرجة عالية من المرونة والسّعة capacity لاحتمال كلمات دخيلة من لغات أخرى مثل المصرية القديمة ثمّ القبطية ثم المروية فالإغريقية ثم اللاتينية، ثمّ أخيراً وليس آخراً العربية. وبينما اندثرت أغلب هذه اللغات، بقيت لنا اللغة النّوبيّة حيّة ورطبة ودافئة؛ وباردة في اللسان وفي الفؤاد معاً. والآن ينظر العديد من النوبيين لمسألة الخروقات المفرداتيّة العربية للغتنا باعتبارها عيباً لغويّاً يُشيرُ فيما يُشيرُ إليه إلى دنوّ أجل اللغة النوبية الحبيبة. ولا شيء أبعد من الحقيقة من هذا. فهذه الخروقات ـ وإن كنّا من المنادين إلى تلافيها بدفع حركة التنويب قُدماً ـ يمكن النظر إليها كدليل صحّة وعافية. فهي أشبه بالانحناء أمام العاصفة؛ إذ لولا هذه الخاصّية لربّما كانت اللغة النوبية الآن في عداد ضحايا حملات عبدالله بن أبي سرح ضدّ النّوبة النّصرانيّة.

وتدليلاً على هذا الزّعم أدعوكم الآن إلى قراءة هذا المقطع من الأغنية الشّهيرة للفنّان النّوبي الكبير صالح وَلْوَلي:kull ashshuubli issaatta hurriyyagaa talibinnana . إذ يعتقد البعض أن هذه لغة عربية لمجرّد أن جميع الكلمات عربية في أصلها بالرغم من التنويب الذي انتظمها (كلّ الشّعوب السّاعةَ يطالبون بالحرّيّة). وطبعاً أغلبُ النّوبيّين يحفظون عن ظهر قلب العديد من أغنيات دهب خليل وحسين ألالا التي جرت مجرى أغنية صالح وَلْوَلي من حيث الاختراقات المفرداتية. وفي الحقيقة هذه لغة نوبية مبينة وفصيحة وإن بدت للبعض وقد اعتورها شيء من الركاكة جرّاء هذه الاختراقات الواسعة. فاللغة تُصبح لغة ليس بالمفردات بل بالتركيب وإلاّ كانت اللغة الإنكليزية شيئا آخر غير ما نعرفُه، إذ أكثر من 55% من كلماتها غير إنكليزية ـ فتأمّل!

وكنتُ في المسوحات اللغوية التي قمتُ بها ما بين 1999م-2003م ضمن مشروع المحس الأثري اللغوي التّابع لشعبة الآثار بجامعة الخرطوم قد أجريتُ استبيانا بين تلاميذ وتلميذات الفصول النّهائية بالمدارس الثانوية بمنطقة فرّيق ودلقو والترعة حول العديد من القضايا الفنّية وعلى رأسها الكاثاريفوسا. وكان هذا البيت ضمن أسئلة الاستبيان حيث أوردتُه بصيغته الحالية ثمّ بصيغة الكاثاريفوسا أي بعد تجريده من الكلمات ذات الأصل العربي على النحو التالي:Siffe-guu mishshan-mii dessidir-ka oog-inn-an-a . بالطبع حازت صيغة الكتربوسا على رضا واستحسان ما نسبتُه حوالي 95% من التلاميذ.