* من الأفضل للنظام السودانى أن يكتفى بتدخله فى الحرب اليمنية بسلاح الطيران ويتوقف عند هذا الحد، ويمتنع عن المشاركة فى الحرب البرية (إذا وقعت) متحججا بأى حجة .. 

فالناظر لهذه الحرب والتعقيدات السياسية والعسكرية والقبلية والطائفية الموجودة على الأرض لا بد ان يتبين أنها تسير فى احد اتجاهين: 

* الأول: هزيمة الحلف السعودى، حيث ان تحقيق الانتصار فى حرب أمر مستحيل بدون التدخل البرى مما سيطيل أمد هذه الحرب ويتسبب فى معاناة المدنيين، ومن المحتم فى هذه الحالة أن يتدخل مجلس الأمن ويصدر قرارا ملزما بوقف اطلاق النار واللجوء الى التفاوض بغرض الوصول الى حل سياسى كخيار ليس له بديل لحل الأزمة اليمنية، وذلك قبل ان يتحقق للحلف السعودى الانتصار الذى ينشده وبالتالى ستظل السيطرة الحوثية قائمة على اليمن إلى أن يتمخض الحل السياسى عن خيار آخر أو يظل الوضع قائما كما هو، وفى هذه الحالة يمكن للحوثيين أن يثبتوا أقدامهم ويطوروا مقدراتهم العسكرية بالاستفادة من حلفائهم وخاصة إيران !! 

* وحتى فى حالة حدوث تدخل برى فإن احتمال إنتصار الحلف السعودى يبدو ضئيلا للغاية لعدة أسباب منها طبيعة الأرض الجبلية التى لا تساعد فى حسم الحرب البرية، والطبيعة القبلية لمتمردى (أنصار الله) الحوثية التى تنتمى للحوثيين الذين هم  فى الأصل مجموعة قبائل، وليسوا حركة سياسية أو طائفية، كما يعتقد الكثيرون أو كما روجت الآلة الاعلامية السلفية الوهابية وحلفائها ، ظلوا فى حالة تذمر وغضب من الدولة منذ وقت طويل بسبب التهميش الذى يعانون منه.

 * ويجدر القول هنا، بدون الدخول فى تفاصيل، إن الحوثيين يشكلون حوالى 5 % من سكان اليمن الذى يبلغ عدد سكانه حوالى( 30 مليون نسمة)، أى ان عددهم يصل الى حوالى ( 5 .1 مليون) يقيم معظمهم فى محافظة ( صعدة) شمالى اليمن وينتمون الى المذهب الزيدى الشيعى (نسبة الى الأمام زيد بن على) الذى يوجد أكثرية معتنقيه فى اليمن.  ويعود إسم الحوثيين الى حسين الحوثى أحد مؤسسى (جماعة الشباب المؤمن) الدينية ومؤسس (حركة أنصار الله) السياسية العسكرية فى أوائل تسعينيات القرن الماضى بغرض الوقوف أمام سياسة التهميش الذى يعانيه الحوثيون والقبائل المتحالفة معهم .. وهو إبن الفقيه اليمنى الشيعى المعروف بدرالدين الحوثى الذى كتب عدة مؤلفات ينتقد فيها المذهب السنى الحنبلى الذى يعتنقه عدد من اليمنيين.  وعندما قتل حسين فى عام 2004 فى احدى المعارك ضد الجيش اليمنى فى عهد الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح، تولى القيادة من بعده اخوه عبدالملك الحوثى. 

* وكان الحوثيون قد شاركوا بكثافة وفعالية فى الثورة الشعبية ضد (صالح) إلا أن لعبة الموزانات السياسية العسكرية القبلية قادت فيما بعد وحتى الآن الى تحالف قوى بينهم وبين الرئيس السابق (دعمهم فى فترة سابقة بعد تفجيرات 11 سبتمبر للوقوف أمام المد السلفى فى شمال اليمن قبل أن يختلف الطرفان فى عام 2003 بسبب دعم صالح للأمريكان فى حربهم على العراق عام 2003 ) .. ونجم عن التحالف الأخير للطرفين إنضمام عدد لا يستهان به من قوات الجيش اليمنى بأسلحتهم بالاضافة الى القبائل اليمنية المناصرة (لصالح) الى الحوثيين فى حربهم ضد الحكومة اليمنية مما مكنًهم من السيطرة العسكرية على معظم شمال اليمن والعاصمة صنعاء، ولقد تحركوا ولا يزالون، فى اتجاه السيطرة على عدن وهو عامل ثالث يجعل من الصعوبة التغلب عليهم فى أى حرب برية محتملة، ولقد أظهروا حتى الآن صمودا كبيرا فى وجه الحرب الجوية الشرسة التى يواجهونها، بل إنهم ،حسب التقارير الإخبارية، سيطروا على مناطق جديدة فى جنوبى اليمن قريبة من ميناء عدن الاستراتيجى ..!!

* ثانيا ، أن تتحول الحرب الى حرب طائفية شرسة تتدخل فيها دول أخرى مما ينذر بحدوث فوضى عارمة فى المنطقة وهو ما لن تسمح به أمريكا وحلفاؤها خاصة ان معظم النفط (حوالى ثلاثة ونصف مليون برميل يوميا) الذى يذهب الى اوروبا يُصدّر عبر ميناء عدن، الأمر الذى سينجم عنه تدخل مجلس الأمن بنفس السيناريو المعروف ويظل الحوثيون فى حالة سيطرة على اليمن الى أن يتمخض السيناريو عن خيار جديد لا يمكنه بأى حال من الأحوال أن يستبعد الحوثيين من معادلة السلطة خاصة مع حاجة الأمريكيين إليهم للوقوف فى وجه القاعدة والتنظيمات الإرهابية السلفية الأخرى المنتشرة فى اليمن !! 

* نخلص من ذلك أن الحرب على الحوثيين لن تنجح بأى حال من الأحوال فى إقصائهم من معادلة السلطة فى بلادهم، كما أن الحرب البرية (إذا وقعت ) ستكون بمثابة نار جهنم على الأطراف التى ستشارك فيها وهى لن تتمخض بأى حال من الأحوال عن نصر عسكرى ساحق للحلف السعودى، بل على العكس ربما يتلقى هزيمة ساحقة للأسباب التى ذكرتها آنفا، وسيظل  الحوثيون (وحلفاؤهم الإيرانيون) جزءا لا يتجزء من المشهد السياسى اليمنى.

* وبما أن السودان دولة محدودة الإمكانيات وضعيفة اقتصاديا وعسكريا وتعانى الكثير من المشاكل السياسية والحروب الداخلية، كما أنها الطرف الأضعف والهش استراتيجيا ودوليا بين الأطراف التى تشارك فى هذه الحرب الشرسة سواء فى هذا الجانب أو ذاك، فمن الأفضل لها ألا تلقى بثقلها فى هذه الحرب ويكفيها ما قدمته حتى الآن، وإلا سينجم عن إصرارها على المشاركة عواقب وخيمة عليها لن يكون بمقدورها أن تتحملها ..!!