التغيير : الخرطوم  على نحو متسارع ومفاجئ بدأت الخرطوم مؤخراً في نفض يديها عن كل ما يربطها بطهران بعد تحالف معروف بينهما امتد لنحو ربع قرن من الزمان. 

ففي أعقاب مشاركة السودان في الحملة العسكرية المعروفة باسم ” عاصفة الحزم” والتي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن والذين تدعمهم ايران بلا مواربة ، انقلبت الخرطوم علي حليفتها السابقة وبزاوية قدرها مائة وثمانون درجة  ، حيث قال وزير الخارجية السوداني علي كرتي في أعقاب عودته من القمة العربية في مصر ” ان السودان لم يتحالف مطلقا مع ايران” وان العلاقة بين البلدين عادية ، لكن تصريح كرتي يناقض مواقف وتصريحات مسئوليبن في الدولة ومنهم وزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين حينما كانوا يؤكدون مرارا وتكرارا ان ايران هي حليف استراتيجي للسودان. 

 

الأكثر من ذلك فان الامين السياسي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان حامد ممتاز قد المح خلال تصريحات صحافية محدودة الي إمكانية إغلاق سفارة ايران بالخرطوم ، لكن وزير الخارجية استبعد هذا الامر وقال ان العلاقة ستكون عادية بينهما. 

 

والمعروف ان هنالك تقاربا شديدا ومعروفا بين البلدين في مجالات عدة ، حيث تبادل رؤساء الدولتين الزيارات وأشهرها زيارة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنحاني عندما استقبل كبطل في الخرطوم وشارك في لقاءات جماهيرية كبيرة قل ان تحدث لرئيس دولة يزور السودان. 

 

كما ان طهران ظلت تفاخر بعلاقتها بالسودان عندما تصطدم بالبرود من دول الخليج. وتمادت ايران في إظهار علاقتها بالخرطوم عندما بدأت في تسليح القوى الأمنية  والمليشيات التابعة للنظام الحاكم في السودان في الخرطوم بسلاحها ، بالاضافة الى جعل الخرطوم كأكبر مستودع للسلاح الذي يشحن الى فلسطين وجماعة الحوثي في اليمن وغيرها من الدول الافريقية ما دعا اسرائيل الى قصف عدة مواقع بالخرطوم وآخرها مصنع اليرموك للأسلحة جنوب الخرطوم.  

 

ومع ذلك ، فان العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الخرطوم وطهران لم تتطور اذ ظلت الاخيرة شحيحة مع الاولى التي احتاجت إليها بشكل كبير عندما فقد السودان ثلاثة أرباع إنتاجه من النفط بعد انفصال جنوب السودان عنه في العام ٢٠١١ حيث لم تسهم ايران في مساعدة السودان في مجالات النفط والبني التحتية كما تفعل بكين مثلا . 

لكن التطورات الاخيرة جاءت بعد استدعاء السعودية للرئيس السوداني عمر البشير قبل يوم واحد من إطلاق العملية العسكرية في اليمن ، وبعدها اعلن البشير ان بلاده ستشارك في عاصفة الحزم بأربع طائرات وستة الاف جندي علي الارض. 

ويعتبر الخبير الاستراتيجي والإسلامي المعروف حسن مكي ان هذه الخطوة صحيحة ولو انها جاءت متأخرة. وقال ” ل”التغيير الالكترونية” ان العلاقة مع ايران لم تكن صحيحة اصلا وشابها الكثير من التوتر. وقال ان السودان يجب عليه ان يبني علاقات استراتيجية مع دول الخليج وخاصة السعودية ” هذا الامر يتطلب ان توحد الحكومة من مصادر قرارتها وان تكون قنوات الاتصال واحدة ومعروفة حتى لا يحدث تشويش كما حدث في الماضي “. 

لكن مكي يعود وينبه الي ان السودان قد يحقق بعض المكاسب المادية من هذا التوجه الجديد لكنه لن يكون ثقلا سياسيا كما كان يتمني قادة الإنقاذ. 

 

خطوة محسوبة أم هدنة مؤقتة:

وفي مختصر للسياسات قدمه ديفيد اندرو واينبرج ولورا قروسمان لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية مارس الجارى ، كشف الباحثان ان الأمير مقرن – ولي العهد السعودي – استقبل بعثة استثمارية من الحكومة السودانية الشهر الماضي ، وكان المسؤولون السودانيون قلقين من فعل أى شئ يمكن ان ينفر السعوديين عن دعمهم ، خصوصاً وانهم معزولون مالياً.

وأضاف الباحثان ان السعوديين استخدموا (الحوافز الاقتصادية) لجذب الخرطوم من الدوران أكثر فى مدار طهران .

وأضاف الباحثان (ان الحكومة السودانية متهمة بدعم المتمردين (الحوثيين) انفسهم الذين يستهدفهم الآن التحالف السنى . وبحسب ما يعتقد انها وقائع مسربة من اجتماع القيادات العسكرية العليا فان رئيس هيئة العمليات المشتركة للقوات المسلحة السودانية قال ان لديهم (مشكلة) مع الرياض بعد معرفتها بالاسلحة التى نقلوها للمتمردين الحوثيين عبر البحر الاحمر ). واضافا ان عمر البشير لديه اسباب اخرى للخوف من السعودية ، حيث كشفت التسريبات ان الخرطوم تشتبه فى ان السعودية دعمت الاحتجاجات التى هددت بزعزعة استقرار النظام (هبة سبتمبر) .

وقال الباحثان ان دعوة الملك سلمان لعمر البشير للسعودية تتم فى اطار تحولات رئيسية فى المملكة السعودية بعد وفاة الملك عبد الله فى يناير . فالملك سلمان (أعاد ترتيب أولويات الملك عبد الله الاقليمية تجاه الاخوان المسلمين من أجل تجميع تحالف سنى واسع ضد ايران على غرار ما يجرى وضعه موضع التطبيق فى اليمن الآن . وما وراء السودان ، تواصلت الرياض مع قادة الاخوان المسلمين الآخرين – تركيا وقطرلتعزيز نفوذها ضد وكلاء ايران فى ساحة المعارك الاقليمية مثل سوريا) .

وأضاف الباحثان ان مشاركة الخرطوم فى العملية التى تقودها السعودية ضد المتمردين اليمنيين المدعومين من ايران تشير الى ان البشير ربما يرغب فى كفيل جديد لنظامه ، ولكن نظراً لتاريخ العلاقة الحميمة بين طهران والخرطوم ، فانه يجب الانتظار للتحقق ما اذا لم تكن المشاركة مجرد خطوة محسوبة لهدنة مؤقتة أو لاختبار الملك السعودى الجديد..

وكلاء إيران وردفعلهم:

 

ويتساءل كثيرون هل ستقف القوي المؤثرة داخل النظام الحاكم والتي لها ارتباطات ومصالح مع ايران مكتوفة الأيدي وهي تري مصالحها تنهار ؟ خاصة وان بعضهم شخصيات نافذة ورجال اعمال  ورجال دين وصحافيون. ويجيب عن هذا التساؤل المحلل السياسي  والأستاذ بجامعة الزعيم الأزهري عادل مجذوب بقوله ” ان السلطة الفعلية في البلاد اصبحت بيد الرئيس البشير وصار هو الآمر والناهي بعدما صارت كل مقاليد السلطة في يده ، وبالتالي نجد ان اي خطوة يخطوها سيجد لها مناصرين ومبررين ولن يكون هنالك معترضين حتي ولو كانت ضد مصالحهم”. واضاف مجذوب يقول ” لا اعتقد ان جماعات النفوذ الإيراني داخل النظام الحاكم سيجرؤون علي اعتراض التقارب مع السعودية على حساب ايران وكل ما سيفعلوه هو التحول إلى المعطيات الجديدة وتهيئة أوضاعهم للفترة الجديدة وهم على دين ملوكهم يعيشون”.