نوفل عبد الحي نوفل المتآمرون على الرئيس داخل حزبه يراجعون خططهم الآن مع اتفاق "نافع،عقار" ميز البشير مجموعته الخاصة عن المؤتمر الوطني ما أوردته ويكيليكس على لسان صلاح قوش جعل البشير يفكر في التخلص من هؤلاء!

لعله بات واضحاً بعد اعادة المحكمة الجنائية الدولية ملف الرئيس البشير و دارفور الى مجلس الأمن الدولي، أن هناك خطة اعدت باحكام لصالح مصالحة داخلية (نقصد الخطة التي عرضها كل من برنستون ليمان و جون تيمين والذي جاء بعنوان – الطريق إلى حوار وطني في السودان- ). لكن هذه الخطة بالنسبة للرئيس البشير الذي أعلن مبكراً عدم ترشحه للإنتخابات، لا تحمل ضمانات كافية، وهذا بالتحديد ما يبدو سبب تغيير موقف الرئيس البشير والذي لا يرى ضمانة له أفضل وأفعل من الاستمرار رئيساً. ذلك لأن الخطر بالنسبة للبشير لم يعد ينحصر في الجنائية الدولية، بل اضحى المؤتمر الوطني هو الخطر المباشر وعلى خلفية الجنائية ذاتها.

لقد وفرت وثيقة برنستون وتيمين مفاتيح لمتابعة وقراءة التطورات والتداعيات المترتبة على مشروع الحوار الوطني، وقد جاءت في وضع يشبه المعادلات الكيميائية… نقصد بالتحديد – المعامل الاول – (الفيل الذي بداخل غرفة عمر البشير – يقصد المحكمة الجنائية الدولية) و – المعامل الثاني – (الإجماع الكافي). أما التفاعل الكيميائي و نتائجه المتوقعة، فقد وضع العامِلين السابقين ضمن اطار هو (أكبر المخاطر يتمثل في محاولة النظام التلاعب بعملية الحوار من أجل أهدافه الخاصة أو إجهاضها بصورة كاملة). لنكتفي الآن بوضع (خط) تحت الكلمات (أهدافه الخاصة) و (اجهاضها بالكامل). -راجع وثيقة مشروع الحوار الوطني ، متوفرة على الانترنت بالعربية والانجليزية -.

هذه الأيام اصبح من المعتاد أن تستمع لأهل المؤتمر الوطني – والنافذين منهم – مقولة أن (الحوار الوطني هدفه التخلص من الاسلاميين والحزب وابدالهم بالاتحادي والأمة، و ان الرئيس ابعد على عثمان ونافع ارضاءاً وتقريباً لهم.)، ستتكرر هذه المقولة على مسامعك للدرجة التي تدفعك للتسأول ماذا يعني المؤتمر الوطني للبشير؟، وبالمقابل ماذا يعني البشير للمؤتمر الوطني؟، وهل ما يردده المؤتمرجية صحيح؟، أم وهم؟، أم هو مخادعة كما هو معتاد منهم؟!!. لنسرد الوقائع التي يمكن أن تدعم مواقف للبشير ضد المؤتمر الوطني، و تلك التي تدعم مواقف المؤتمر الوطني ضد البشير. ثم لنقيم النتيجة هل فعلاً للبشير خطة وراء الوثبة للتخلص من اسلاميي الوطني وحزبهم؟.

تكشف وثائق ويكيليكس أنه وفي العام 2008م وقبل شهور من صدور قرار المحكمة الجنائية باتهام الرئيس البشير أن كبار رجالات الدولة وتحديداً صلاح قوش وعلى عثمان يتآمرون عليه علي خلفية قرار المحكمة القادم، نُذكر هنا بالوثيقة التي تداولت الاحاديث بين قوش وألور وعلى عثمان… وكيف أن النائب الأول للرئيس وقتها سلفاكير نقل الحديث للرئيس البشير. ونُذكر هنا بأهم ما جاء على لسان قوش لألور…. “….وقال كلينا يعلم أن أمر القبض قادم وأي شيء سيحدث هنا في أي وقت، … هل نترك بلداً كاملاً يدمر بسبب شخص واحد” فساله الور من تعني؟ فقال له قوش الرئيس..” وقتها لم يكن ذلك موقف قوش وعلى عثمان وجماعتهم بل كان رأياً عاماً وسط المؤتمر الوطني، وتؤكد ذلك ايضاً وثائق وكيليكس على لسان فاروق أحمد آدم عضو المكتب القيادي بالوطني وننقل منها التالي: ..”…..قرار المحكمة الجنائية المرتقب (ضد الرئيس البشير) سيوحد هذه القيادات على المدى القصير.. لكن على المدى البعيد، سيتفتت المؤتمر الوطني جراء الخلافات داخله…وفيما يتعلق بأمر القبض الذي كان يتوقع صدوره ضد الرئيس البشير وقتها، قال آدم لفرنانديز أن هناك نقاشات دائرة بين المفكرين داخل المؤتمر الوطني حول الحكمة حول التضحية بالبلد من أجل شخص واحد(البشير). وأضاف: “هناك نداءات بعدم التضحية بالبلد من أجل رئيس الجمهورية.. لكن هذه النداءات سقطت في آذان صماء وأكد آدم لفرنانديز أنه في نهاية المطاف سيضطر المؤتمر الوطني على الإختيار بين البشير وحزب المؤتمر الوطني، وبين المؤتمر الوطني والسودان. وأردف: “هناك جرائم ارتكبت في دارفور، ولابد أن يدفع الشخص الذي إرتكبها الثمن” انتهي الاقتباس عن ويكيليكس.

أي أثر أو موقف يمكن أن تتركه على الرئيس البشير معلومات ويكيليكس؟. واذا اخذنا بالاعتبار وقائع المفاصلة التي ابعد فيها رمزهم وزعيهم ومن قِبل أقرب تلامذته اليه والذين هم اعوان الرئيس ومفاتيح سلطته المتآمرين عليه الآن!!. لنتابع الوقائع حتى تتضح الصورة!.

الواضح وقتها، أن الرئيس البشير قد انحنى للعاصفة التي عبر عنها قوش وفاروق احمد آدم، وأخذ يعلن أنه لن يترشح للرئاسة في 2015م. ونجح تكتيك الرئيس البشير وهو يرى الصراع يمور لخلافته بين أروقة الحزب وأقوى رجالات الدولة من حوله، واخذ بدوره يرتب أوضاعه ويلعب بلويتكا، صحيح أنها كانت في حدود التاكتيك، اظهرت للبشير كل الاهداف أمامه رؤساً أينعت وأخذ يرتب لقطافها، وهكذا مضى تكتيك البشير بنجاح ولحد كبير، لكن تلك المعركة لم تحسم بعد، ويبدو أن الوثبة ومن هذه الخلفية تفعل افاعيلها وسط اسلاميي الوطني ومصير حزبهم.

مع اتفاق ناقع عقار حان الوقت الذي يبرز فيه الرئيس البشير مجموعته ويميزها عن المؤتمر الوطني الحزب وكل من فيه بوضوح لا يقبل الريب، بل جعل تلابيب المتآمرين على الرئيس تُراجع وتتراجع وتُعيد ترتيب خططها وتاكتيكاتها. لم يعبر عن ذلك رفض الرئيس لإتفاق نافع عقار، بل عبرت عنه (القوات المسلحة) عبر صحيفتها وقالت قولتها الشهيرة ” ….أيها المؤتمر.. ما نفقه كثيراً مما تقول.. وإنا لنراك فينا ضعيفاً.. ولولا «بقيةٌ من أملٍ» لرجمناك.. وما أنت علينا بعزيز.”.

بعد ذلك أخذت تطورات الصراع تأخذ منحى يلعب فيه المؤتمر الوطني الحزب لعبة المذكرات والمجموعات، وكأنها خارجة عن إرادته. وشهدنا مذكرة الأف أخ، وظهور السائحون، ومذكرة نواب الوطني بالبرلمان، والأهم كانت مذكرة القوات المسلحة، كلها تتطالب بالاصلاح. انتهت كل تلك التفاعلات بمؤتمر الحركة الاسلامية التي كانت تعرف بالكيان الخاص، وقد حسم فيها الرئيس البشير الصراع لصالحه، لكن هذا المشهد انتهي بانقلاب ود ابراهيم قوش وحسمه الرئيس ليُختتم هذا المشهد بتنصيب بكري حسن صالح نائباً للأمين العام الذي دعمه البشير.

أثناء كل تلك التفاعلات كان البشير يعلب ورقة أخرى، أخذ زمام المبادرة الشخصية المباشرة في التعامل مع حزب الامة القومي، وأصبح يلاقي الحبيب الامام الصادق المهدي مباشرة وبلا وسيط، في الوقت الذي دفع بآخرين نافع وابراهيم احمد عمر للتعاطي مع الاتحادي الاصل، وايضاً انتهي هذا المشهد بابعاد علي عثمان عن منصب النائب الاول ليتولاه بكري حسن صالح، ويأتي أبناء الامام الصادق والميرغني للقصر مستشارين للرئيس. ويبعد نافع ليتولي مكانه غندور.

كما وضعت انتفاضة سبتمبر وأكثر من 200 شهيد الحكومة والمؤتمر الوطني أمام حقيقة ضعفها ورفضها الجماهيري. أوضحت كذلك امكانية اسقاط الحكومة عبر الانتفاضة الشعبية، مهما كان مهرها من الدماء. مما استوجب تسوية ما مع القوي السياسية، لكنها بالنسبة للمؤتمرجية دفعت الرئيس البشير للتفكير جدياً في التخلي عن اسلاميي الوطني وابدالهم بقوة أخرى ذات جماهيرية كبيرة لاتتوفر الا لحزبي الامة القومي والاتحادي الاصل. وهي كذلك دافع للضغط على البشير من جهة المؤتمر الوطني للتخلي عن الرئاسة وعدم الترشُح مرة اخرى، على الاقل كان ذلك هدف كل اطراف الاصلاح وحافز نشاطهم الكبير.

لكن ما الذي يقوي موقف المؤتمر الوطني الاخير، أنه سيكون أول ضحايا الوثبة أو الحوارالوطني؟، وأن ذلك سيكون لصالح الاتحادي الاصل والأمة القومي؟!. آخر حوارات جرت مع الحسن الميرغني، وموسى هلال توضح الموقف من الحكومة والجيش الذين يمثلهم الرئيس البشير، وحزب المؤتمر الوطني. في حوار مع صحيفة اليوم التالي وفي معرض رده لسؤال حول مدى الرضى عن أداء ممثلي الاتحادي الاصل بالحكومة أورد الحسن الرأي التالي: ” …الاتفاق نفسه كان ضعيفاً (يقصد الاتفاق الذي بموجبه أصبح للاتحادي الاصل وزراء بالحكومة) لأنه تم مع حزب، الاتفاق كان ينبغي أن يتم مع الحكومة وليس المؤتمر الوطني، مثلما حدث مع الحركة الشعبية وفي اتفاق جدة الإطاري واتفاق القاهرة، من فعلوا ذلك أخلوا بالقواعد الحزبية، وساهموا في تشكيل واقع لا يتناسب مع حجم وجماهيرية وتأثير الحزب الاتحادي الديمقراطي” ثم أضاف رداً على سؤال لكن المؤتمر الوطني هو المهيمن على الحكومة؟، قائلاً (…الأحزاب معرضة للزوال، والحكومة هي التي تمتلك شرعية الاتفاق مع أي جهة، الاتفاق كان ينبغي أن يتم مع الحكومة وليس مع المؤتمر الوطني “. انتهي حديث نجل الميرغني. ولعله بات واضحاً أن الاتحادي الأصل لا يعترف بحزب أسمه المؤتمر الوطني، بل لا يتعامل معه، فقط يتعامل مع الحكومة، وهذه نقطة قوية لصالح البشير في مواجه المؤتمر الوطني.

أما موسى هلال فقد كان أكثر وضوحاً ومباشرة.  ففي حوار له نشر بصيحفة التيار وبعد وصفه للدائرة الضيفة التي تحاصر الرئيس وكأنه في اقامة جبرية رد على سؤال  هل ترى ما يجري داخل المؤتمر الوطني خطوة في طريق برنامج الإصلاح الذي تعنيه؟، رد ” …. ساخرا: الذي يحدث في المؤتمر الوطني الآن اختلاف على تقاسم الكيكة، من جهة ومن جهة أخرى هناك صراع بين العسكر والإسلاميين”. وتوضح ويكيليكس أن مؤقف موسى هلال هذا قديم يعود للعام 2009م اذ تورد نقلاً عنه الأتي: “……هاجم هلال حزب المؤتمر الوطني والإسلاميين وحملهم مسؤولية الانتهاكات في دارفور،مؤكدا انه ليس عضوا في المؤتمر الوطني وأن أهله من الحزب الاتحادي،كما اتهم الإسلاميين بتضليل الرئيس عمر البشير وأنه يود أن يسعى البشير إلى إقصائهم والتحالف مع حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي وإشراكهما في الحكم بجانب الحركة الشعبية”.

بالنسبة للمؤتمرجية أن غضب الرئيس البشير من الصادق المهدي سببه خذلان الصادق لمشروع البشير، وانضمامه للمعارضة اليسارية ومطالبته برئيس بديل لمرحلة الانتقال، ورغم الموقف المتشدد تجاه الصادق المهدي والتصريحات الا أن الاتصالات بالصادق المهدي لم تنقطع ويطلع بها ابنه مستشار الرئيس،وعليه يتوقع المؤتمرجية عودة الصادق المهدي ليكون ضمن ملعب الرئيس خصوصاً وأن التفاهمات بينهم كبيرة وسابقة لطرح الوثبة والحوار الوطني، وأنها الان تمضي بإتجاه يقدم تنازلات أكثر لصالح الأمة القومي.

لعل هذا السرد يوضح أن اطراف النظام الحكومة والحزب وليس المعارضة هي من تعيق مشروع الحوار الوطني. خاصة وأن المتابع للساحة السياسية يلاحظ أن مواقف المعارضة بكل طيفها حتى المسلح منه أصدق من الحكومة وحزبها تجاه تسوية سلمية تتناول كل قضايا البلاد ضمن طاولة مفاوضات واحدة. أما اذا كان لابد من تصنيف وفقاً لمفاتيح مبادرة برينستون وتيمين فأن (فيل غرفة الرئيس) كان خلف تعديلات رئيسة في تلك الخطة لترتيب أوضاعه بعد التسوية، أي أن الرئيس أخذها ل(مصالحه الخاصة). وبما أن تحركات الرئيس هذه ازعجت حزبه المؤتمر الوطني فقد يكون الحزب هو خلف مساعي (تقويض المشروع بالكامل). وأن هناك سعي حثيث من قبل الرئيس البشير لتجيير (الاجماع الكافي) لصالح مشروعه وترتيباته، مع مقاومة واضحة تجاه ذلك من قبل حزب المؤتمر الوطني. لكن (الواضح حتى الآن) أن الرئيس البشير يرى أن الانتخابات هي الاهم بالنسبة له، لأنها ستفرض وجوده كرئيس منتخب، وبتالي سيكون هو سيد الموقف تجاه حزبه، خاصة بعدما نجح في اجراء تعديلات دستورية سيكون لها دورها فيما بعد الانتخابات والحوار اذا نجح، وتجاه القوى السياسية والحركات المسلحة والقوى الدولية. لكن المعركة لم تنتهي بعد وتحمل كثيراً من التوقعات لايُستبعد ضمنها غياب الرئيس فجأة عن الساحة ولا حاجة لتخمين من سيكون وراء ذلك الغياب اذا وقع.

يبدو أن هناك تغيير كبير قادم باتجاه ابعاد الاسلاميين عن السلطة. ولكن هل هو اكمال لما بدأ مع المفاصلة، أم أنه ابعاد لمن في السلطة وتقريب لمن خرجوا منها بعد المفاصلة؟. وكيف سيكون وضع الاسلاميين بدون سلطة، هل سيصب ذلك باتجاه وحدتهم؟. هذا موضوع قادم. ونواصل