*سارّة الجاك استدرجتنا بحفيف الحرير وشفافية الشيفون إلى حيث خبأنا مخازينا..! *الخيانة في أوضح لحظاتها هي: (نذالة الكسب الذليل على حساب القلب)  *كلّنا مشاركون في هذا..بالصمت أو بالفعل أو بالأفيون..!

د.ناهد محمّد الحسن

إن رواية (خيانتئذ) لسارّة الجاك هي من أكثر النصوص التي تعبر عن مأزق الهويّة العالق في السودان..وأنا أحاول أن أبحث عن صوتي بين رؤى نساء مختلفات.. من بين أخريات ..عثرت على سارة الجاك..وهي تسكب عصارة روحها وتجاربها.. فكرة.. رفدت العمل الروائي بألوان قوس قزح…فمن بين جميع الصفات التي حصل عليها البحر الأحمر العامر بالشعب المرجانية..سمّته سارة الجاك (ثوب من الشيفون)…هذه الشفافية والمباشرة لهذا البحر الصريح ..ضمّته أنثى لعلبة أسرارها المخمليّة وضمخته بوعود عذاب..لكن سارّة الجاك استدرجتنا بحفيف الحرير وشفافية الشيفون إلى حيث خبأنا مخازينا..!

لقد كانت رحلة تستحق  المغامرة..الولوج إلى عالم اللاوعي لسارة الجاك الملغز والمليء بالرموز الكثيفة… منحت النساء في هامش الإثنية السودانيّة قدرة دامية على وصف الحكايات..وأضاءت بمصباح القديسين والأنبياء ليالي أحزانهم القاسية..

( الصوت آخر ما أصدرته، صرخت ، صرخت إثر صرختها كلّ المدائن والفرقان، ناحت الحمامات ولبست الغربان السواد حدادا دائما عليها، بكت عليها الغابات، الصحاري والسهول،قيشون وجيجون فاضا وأغرقا الدنيا حزنا عليها . تعطّنت الجروف ولم تطرح محصولا. توارت الشمس خلف الغيوم التي أرسلت تعازيها للأرض.؛ سيولا وانكسف القمر ولم يعاود الطلوع. الأرض تزلزلت وأرسلت الحمم عبر بركان شمال أم درمان..فما كان من النّاس إلّا أن قالوا إنّ شيخا قد بيّن، أقسموا جميعا على أن يقتصوا لها، وأنذرو الناس بشتاء قارس مضن وريح صرصر تأكل الخضرة واليباس)…

إنّ مأساة إعدام فضيلة منكّسة وبصورة مزرية على جريمة ارتكبتها دفاعا عن شرفها المغتصب..لخّص عنف الإثنية المركّب..ففضيلة الفتاة الهاربة من موطن عزّها بحثا عن الحلم والحريّة..تعاملها العاصمة كخادمة من عرق أدنى..كما يحكي طريق رحلتها وقصّة إقامتها المؤقتة في كوستي مع سيّدة التقتها صدفة في القطار وعرفت قصّة هربها من أخيها الفضيل الذي ينوي تزويجها من شقيق زوجته ..والذي سامها ووالدتهما أشول الأمرّين بعد وفاة والدها..يحكي هذا الطريق وتلك الرحلة..رحابة الأرياف وقدرتها على ابتلاع الفوارق الإثنية حتّى تتدخل السلطة وتنشأ النزاعات وتتضارب المصالح..فشتّان بين المرأة التي عاملت فضيلة كإبنة في كوستي وقريبتها التي عاملتها كخادمة و خالها كعبد في الخرطوم..إنّ فضيلة هي حكاية الأخلاق العليا والقيم المفترى عليها والأحلام التي تراق على مذابح الشهوات العابرة..فعندما يغرم بها زوج صاحبة الدار ويرغب في الإقتران بها..يستنكر الجميع هذا الإتّجاه ويفكّرون في الحلول التي تعامل جسد فضيلة كمسترق..وهكذا حين تدرك فضيلة  خطته التي تسببت في حبلها سفاحا من رجل يغيبها عن وعيها وينتهك جسدها لأنه غير قادر على تحمّل كلفة عشقها..تقتله فضيلة بسكين..والشاهد على ذلك طفلته الصغيرة.. التي تعجز عن الإدلاء بالحقيقة حين تدخّلت السلطة لتستر علية القوم من الفضيحة وترمي البريئة بالزور والبهتان وتسلمها للموت بعد ان أنجبت طفلة..

إنّ حكاية فضيلة هي حكاية أمّها أشول وبنتها سماح فيما بعد..وحكاية أدرات السحيقة في غور التاريخ..والتي رحلت سارّة لتجلبها لنا من أرض البجا.. حيث كفّرت بسجنها عن خطيئة اختطافها لقلب أمير عربي زائر..إنّ ما أسمته ..سارّة الخيانة..هو تجسيد ليس فقط  لتعالي عرق على عرق اذ أنّه أمرمعروف في نزاع السلطة والهويّة..ولكن ..حين يقدر أحدهم أن يخرج من ذاته ليعانق ذات أخرى..حين يكون أحدهم مستعدّا لردم تلك الهوّة بالمحبة..حين يفهم أحدهم جمال الآخر المختلف ويسبر أغوار عظمته وانسانيته..حين يفعل كلّ ذلك ويتراجع في اللحظة الحاسمة..في اللحظة التي يكون فيها الآخر في قمة انتظاره الضعيف مشرعا للمحبّة..تتركه للغزاة ينهبون انسانيته ويحرقونه بنيران كراهيتهم وأحقادهم العاجزة عن الإنتصار الشريف..هذه هي الخيانة في أوضح لحظاتها…(نذالة الكسب الذليل على حساب القلب) كما يقول محمد المكي ابراهيم. لأن الآخر لم يكن ضعيفا الّا لأنه ترك دفاعاته وتلحّف بالثقة والمحبة..ولأن الآخر فتح صدره ليعانق الحبيب..ولأن الآخر كان بريئا ..واثقا من نفسه بلا ذاكرة غيرة وضغينة وبلا أطماع..هؤلاء الأحباء كانوا  هم حصان طروادة الذين عبرت من خلاله كل الهزائم لشعبنا..الذين اداروا رؤوسهم ..وأنكروا قلوبهم.. وتنكّروا لمعارفهم حتى قبل أن يصيح الديك!

والذين جاروا واعتدوا لم يكونوا ربّا ولا أكثر مهارة كما يقول أمل دنقل في (لا تصالح).. لكنّهم مدفوعون بجرح نرجسي غائر..تدفعهم الغيرة والمصالح الدنيوية الفانية..لينتقموا لعجزهم عن المنافسة الشريفة وعطلهم عن كل موهبة..وهذا هو حال الشوفينيات من منظور علم النفس اذ انها تعبير عن رغبة لا واعية في الهروب من حقيقة عدم كفايتنا وخوفنا من عجزنا في مواجهة الآخر وسوء تقديرنا لذاتنا..إنّنا نسقط كل ذلك  ونزيح تلك الأحاسيس في الآخر الذي نستضعفه لنتقوى..ونعالج جروحنا النرجسية بالصعود عليه..

حين رحلت سماح مع اصدقائها لبورت سودان ووقفت على ساحل البحر الأحمر..ذلك المعبر الذي جلب لأدرات  الجميلة سجنها ..كان حضوره في النص رمزا فاصلا بين حياة وحياة..فسماح حين تعود من بورت سودان تنقلب حياتها رأسا على عقب..وتكتشف جوهر حياتها..كأن سارّة تريد أن تقول أنّ السكوت على الإستعلاء العرقي الذي يستديم الفوارق العرقية وانكاره بالسلوك الزائف وادّعاء المساواة والطيبة والأخوّة هو كسماح نفسها ..مجرّد تسوية (لقيطة)..ليس لها قدرة شرعية على البقاء والمواجهة الّا بحدوث ثورة عارمة كتلك التي ستقودها الطبقات المستنيرة من قلب الجامعات اذا لم يتم اجهاضها بسلطة العسكر والأيدولوجيا..إنّ طقس استجلاب أدرات وشحذ كل المظالم العرقية عبر التاريخ..كان طقس عبور ضروري تسيطر به سارّة على فورة الأعماق من أجل ان تخرج عن كونها ضحيّة إلى فاعلة..فالفتاة التي كانت صغيرة وشهدت ظلم ذلك اليوم ولم يمكنها أن تتحدّث..تقرّر أن يكون جسدها هو قربانا للتسوية..وعلي شخص ما أن يدفع الثمن..وعلى كل شخص أن يدفع ثمن سكوته على هكذا (موت معلن) كما حكى ماركيز..

إنّ سماح التي اختفت..ولا يعرف دروبها الا كجور جبال النوبة..الذين لا يسرّبون مخبأها الّا لحبيب ملحف في السؤال والغفران..هي تلك التي تبخّرت غيمة وذابت في بحر العرب..موطن نشأتها ونشأة مأساتها..لتذوب في النيل المقدس الذي بمقدوره أن يرسل السماح والمغفرة على كلّ هذه الأرض..إنّ الكراهية التي أراقت كل تلك الدماء وتوعدت البلاد (بشتاء قارس مضن وريح صرصر تأكل الخضرة واليباس)..يمكنها ان تذوب عبر طقس عبور إلى جذور المشكلة..عودة لتصحيح الأوضاع وطلب السماح..فهنالك راقصات..جريحات..يضربن الأرض بأقدامهن بقوة ..هذا هو المشهد الأكثر وحشة الذي اختبرته سارّة الجاك وحيدة في كشفها..دفعها حسّها الشفيف الى ذلك المكان..وأنا تبعت دروب كلماتها ونزيف حبرها..لم ترد ان تكون وحدها في وحشتها فأرشدتنا إلى حيث تنظر..( فيا ليتنا لم نحضر، ويا ليتنا لم نسمع الصوت)!..

لقد كانت سارة في هذا النص شفيفة ..تعبر حدود الذات بحريّة.. وتجول لتعانق الطبيعة..فكل شيء ينبض بالروح ..ويخرج ليحكي جزءا مما حدث..إن تجربة الإندماج في الطبيعة والسعي الروحي لسارة الجاك في هذا النص كان ينبض بالإيمان..ويخفق في كل شيء ..أشجار النيم وعصافير ام درمان…

إنّ جزيرة التمساح هي شيء أكثر تعقيدا من أغوار ذاتنا السحيقة حيث تجوس الخيانة ونتعهر..وإن تلك اللعنة التي اصابت بنت عمر.. الإمام ..ستلاحق أجيالنا القادمة إذا لم تتدخل شرطة مكافحة المخدرات..وتوقف الأوهام القاتلة..كلّنا مشاركون في هذا..إمّا بالصمت او بالفعل او بالأفيون..كلنا كنّا هناك..خيانتئذ..

حين خرج صوت سارّة الجاك صافيا كالنبع..وعيت خيانتي..فجرحني جدّا هذا الوعي..وحين تحسّست دموعي..(فما كان من النّاس إلّا أن قالو إنّ شيخا قد بيّن)..!