عبد الله الشيخ   مضى عام كامل على رحيل محجوب شريف..كانت قصيدته الأخيرة بتوقيع الشعب السوداني الذى بادله حباً بحب..

عاش محجوب هذه الحياة حيياً ..عاشها طولاً وعرضا، وخرج منها دون وجل من عاصفة المنون، ولا يخلد في هذه أحد، “والآخرة خيرٌ وأبقى”..

مضي محجوب شريف إلى الرفيق الأعلى بكامل الرضا، فى حُلّة لم تفارقه أبداً ، حُلّة نسجها من إخلاصه ووفاءه للوطن وللإنسانية،،ولمشروعه النبيل الذى قام عليه بنفسه ، باذلاً للخير، وناشراً فى الاجيال أشرعة الأمل، ومناهضاً للظلم ، وصادحاً  بكلمة الحق الطيبة.. كان من القلائل فى هذا العالم الذين تمكنوا من إنجاز مرادهم من  هذه الحياة.. الحياة حق، والموت حق ، و حياتنا  هذه القصيرة،  ليتها تُعاش كما عاشها محجوب شريف الذي لم يقف موقفاً يستحي منه.. كان رجلاً صميماً  ليس فيه  تصدعات أو شروخ : ” العودو خاتي الشق، ما قال وحاتك طق، وما وِقف بين بين”..! وحقٌ له أن يفخر: ” ماني الوِليد العاق، لا خُنتا  لا سرَّاق، والعسكرى الفرَّاق، بين قلبك الساساق و بيني، هو البِنْدَم، والدايرو ما بِنْتَم”..!  

كان شاعراً  انساناً، متسقاً مع مبادئه، يفعل  ويقول ما يفعل و لا يُعَّرف بقبيلة أو بجهة أو حزب، وهو الذي  جسَّد ألق السودان “سمسماً وبفره، سكراً وشاي.. و كلو عندو دين ، كلو عندو راى”..  الحديث عصيّ عن رجل مثل محجوب شريف الذي قال كلمته ثم مضى، ولو قدر له أن يعود، لما أختار غير عهده بالمنافحة عن الكادحين، ولما وقف غير مواقفه الصلبة ضد الظلم والظالمين.. كانت صميمية محجوب غير مريحة لثلة من ضعاف النفوس،  الذين إن طابت لهم أفعالك أو أقوالك، أو اذا مدحوك بلذيذ كلام ، فعليك أن تتحسس مواطئ قدميك..! محجوب شريف، الذي قهر السجن والمرض كان دائماً بخير، كان محجوباً عن الظالمين ،و محبوباً من البسطاء  الاوفياء، و من كل الناس الطيبين.. لا منزل له بين من ” دخلوها  وصقيرا حام”، و لا واصل بينه و أهل الدنيا،  الذين باعوا حيواتهم باثمان بخسة ،من أجل الفتات.. فأعرف الله يا سيدي، بلسان حالك، أيها الملك السعيد، صاحب الرأي السديد..!

 رحيل محجوب شريف ترك فى الحلق غصة، عندما طافت الذكري، وطافت الذكرى، و كانت لهم دموع الشعب السخية.. لقد رحل الكثير من مبدعي بلادي في هذا  الزمن الغيهب، ولم يفتقدهم سلطان الزمان ولا أهل الخيلاء  فى المدينة.. كان محجوب محجوباً عن كثيرين، مثلما كان أويس القرني..كان  قامة سامقة لا تقل عن نيلسون مانديلا، مثلما كان وردي لايقل شأواً عن زوربا ، أو محمد عبد الوهاب، ولكنها  قسوتنا على أنفسنا ، و قسوة دولتنا علينا..!

لقد وهبنا الله خيراً كثيراً، فنحن نعرف كيف نصنع الجمال، لكن زهدنا عجيب في تقديم أنفسنا إلى العالم.. نحن أهل بلوى مستعصية فى نظامنا السياسي المشحون بالغلواء، وصاحب الغلواء لا يعي أن محجوباً  وأمثاله من المبدعين، لا يمكن أن يصدحوا إلا بنشيد الحرية..!

هذه الحياة رحلة، قطعها شاعرنا محفوفاً بحب الناس..رضع منهم البساطة والصبر و القدرة على الاحتمال، فكان رجلاً  لا يعرف المستحيل  ولا الكراهية، وبذل حياته كلها من أجل الحق والعدل والجمال، وكان لسان حال السوداني كما ينبغي أن يكون السوداني ..إنه شاعر الشعب، الخالد فى ذاكرة الأجيال..

رحمة الله عليك يا شريف.. قال أحد العارفين: 

” كل من يرغبُ عنا فهو فى نار الجفا / والذى يرغبُ فينا ،كُفِرتْ عنه الذنوب”..