رشا عوض ،،نسأل الله أن يعمي بصيرة "النظام" ويجعله يراهن على نظريات الاستاذ ضياء الدين بلال ويجعلها "منسأته التي عليها يتكئ"! فيغفل عن منطق التاريخ..عن دابة الأرض التي حتما ستأكل منسأته فيهبط هبوطا(غير ناعم)،،

نشر الأستاذ ضياء الدين بلال في صفحته على الفيسبوك مقالة للأستاذ مصطفى عبد العزيز البطل بعنوان”يقتلون ويمشون في الجنازات”، وصدَّر منشوره  بعبارة “إهداء إلى العزيزة رشا عوض”، وعندما قرأت المقالة “الهدية” وجدتها تتحدث عن ملابسات مقتل ضابط في الجيش الشعبي  اسمه(العميد الهندي أحمد خليفة)، خلاصة قصته -حسب مقالة البطل- أنه اختلف مع قائده الفريق مالك عقار بسبب “مليون دولار” حولها الأخير إلى حسابه الشخصي بدلا من حساب الحركة الشعبية، ونتيجة لهذا الخلاف تم استدراج الضابط المذكور الى جوبا وسجن هناك حتى وفاته في ظروف غامضة، وتم إسكات كل المعترضين على الحادثة بالمال. ثم استرسلت مقالة البطل في سرد ما حدث في تاريخ الحركة الشعبية من تصفيات واغتيالات منذ تأسيسها.

اختارني الأستاذ ضياء الدين بلال دونا عن بقية خلق الله المعارضين وأهداني هذه المقالة على الملأ في “الفيسبوك”، وهذا الاختيار ليس عشوائيا عبثيا، بل له أهدافه السياسية المباشرة، ولذلك رأيت أن لا أمر على “الهدية” مرور الكرام، وفيما يلي سأفند أهدافه الواحد تلو الآخر ليس لمجرد المساجلة، وإنما  خدمة ل”قضية التغيير”:

أولا: قصد الأستاذ ضياء الدين بهديته  اختزال موقفي السياسي المعارض للنظام في أنه مجرد “ولاء أعمى للحركات المسلحة واعتماد ساذج على سلاحها في تحقيق “الحلم الديمقراطي النبيل”، فاستهدف بهديته إحراجي أخلاقيا  بافتراض أنني  محامية الحركات المسلحة وعلى رأسها الحركة الشعبية، وغاية ما أسعى إليه  من معارضة “المؤتمر الوطني” هو تسليم السودان للحركات المسلحة لتحكمه حكما مطلقا لا معقب عليه مثلما يحكمه “المؤتمر الوطني” الآن! هذه باختصار هي النظرية التي يسعى الأستاذ ضياء الدين لترويجها بكثافة خدمة لنظريته في “موالاة الإنقاذ” التي يطرق عليها باستمرار في كتاباته، وخلاصتها أن بدائل الإنقاذ أسوأ منها، وبالتالي يجب علينا الكف عن معارضتها والرضا بحكمها أبد الدهر لأن انهيار “الإنقاذ” معناه إما انهيار الدولة والدخول في دوامة الفوضى، وإما قيام دكتاتورية أسوأ منها، لأن الإنقاذ على يسارها حركات مسلحة عنصرية لا علاقة لها بالديمقراطية وعلى يمينها حركات سلفية جهادية. وكلا النظريتين(نظرية ولائي الأعمى للحركات المسلحة) و(نظرية وجوب موالاة الإنقاذ لانعدام البدائل) ، محض دعاية سياسية ماكرة للدفاع عن النظام الفاسد المستبد الذي انحدر إلى درك جعل حتى قادته والموالين له لا يجدون شيئا يضعونه في ميزان حسناته سوى مساوئ الآخرين!

ثانيا: بخصوص النظرية الأولى(الولاء الأعمى للحركات المسلحة) فهي باطلة جملة وتفصيلا ومحض افتراء وبهتان،إنني أعارض الإنقاذ من موقف أخلاقي وفكري وسياسي مستقل، تفاصيله مبثوثة في كتاباتي التي تقول بلا أدنى لجلجة ان ما   أسعى إليه هو إقامة “النظام الديمقراطي” المؤسس على أركان الحكم الراشد: المشاركة،الشفافية، المساءلة، والمحاسبة، وسيادة حكم القانون، وتتوفر فيه “المضادات المؤسسية” للفساد  من برلمانات حقيقية، وقضاء مستقل ونزيه ومؤهل مهنيا، وحرية تعبير وحرية تنظيم. مثل هذا النظام هو الذي نراهن عليه لحماية المواطن السوداني من انتهاك حقوقه وسلب حرياته، وحمايته من تبديد موارد دولته بالفساد والمحسوبية.

وأكبر عائق يحول دون مجرد “الشروع” في إقامة مثل هذا النظام في السودان هو “المؤتمر الوطني” الذي يتعامل مع قضية احتكاره المطلق للسلطة كناموس طبيعي غير قابل للمناقشة.

ثالثا: عملية التعبئة الشرسة التي يستهدف بها “النظام” الحركات المسلحة سببها ان هذه الحركات تهدد سلطته وتستخدم في معارضته الوسيلة الوحيدة التي يفهمها ويخافها اي “السلاح”،  وليس السبب كما يزعم الأستاذ ضياء الدين  هو ان هذه الحركات فاسدة او عنصرية او دكتاتورية، فالمؤتمر الوطني غارق لأذنيه في هذه الموبقات والشعب السوداني تأذى من فساده ودكتاتوريته وعنصريته وكافة موبقاته أكثر بما لا يقاس من اية موبقات ارتكبها معارضوه، لأنه ببساطة  هو الذي يحكمنا! ويضع يده على كل موارد بلادنا ما ظهر منها وما بطن،  ويتحكم في مصائرنا ويدمر صحتنا وتعليمنا وقضاءنا  واقتصادنا بسياساته، ولهذا السبب نعارضه ونجتهد في رص الصفوف وتوحيدها لانتزاع مصير البلاد منه، ليس لوضعه(اي مصير البلاد) في يد الحركات المسلحة لاستبدال وصاية المؤتمر الوطني بوصايتها، بل لنقل البلاد إلى نظام جديد بموجبه يكون السودانيون باختلاف تكويناتهم شركاء متساوون في إدارة وطنهم دونما هيمنة او وصاية من اي طرف. 

رابعا: ان أنصاف الحقائق هي أسوأ نوع من الأكاذيب! وكلمة الحق عندما يراد بها باطل تصبح أسوأ من الباطل نفسه! فعندما يتباكى موالو “الإنقاذ” على من قتلتهم الحركة الشعبية او عن فساد الحركات المسلحة، يصمتون صمت القبور على قصف الانتنوف ودك قرى بأكملها واحراقها بمن فيها من الأبرياء، يصمتون على مجازر الحكومة وجرائمها الفظيعة ضد الملايين من مواطنيها ويبررون ذلك بأن الدولة من حقها “حسم التمرد”!، فالهدف من تجريم وأبلسة الحركات المسلحة هو حماية “المجرم الأكبر” والتستر عليه وإقناعنا بالاستسلام له وهيهات! ان الخروج من الأزمة الوطنية يتطلب عقولا حرة وضمائر حية يكون انحيازها للشعب ونضالها في سبيل إقامة “النظام الديمقراطي”القادر على حماية الشعب من كل المجرمين وكل المفسدين على حد سواء، وبوصلة تحركنا السياسي يجب ضبطها في هذا الاتجاه وليس في اتجاه استدامة “نظام الإنقاذ”!  

فغايتنا هي النظام الديمقراطي الذي في ظله  سوف ينشر مقال البطل الذي أهداه  لي الأستاذ ضياء الدين، ولكن في ذات الوقت لن تحجب مقالات أخرى تتحدث – على سبيل المثال لا الحصر –  عن مصير “المجاهدين” الذين شاركوا في عملية اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وعن الحاويات المحملة بالمخدرات والسر في عدم محاكمة من يقف وراءها، وعن مليارات البترول والذهب وكم منها تم تحويله للحسابات الخاصة، وعن مؤسسات القطاع العام التي بيعت للموالين والمحاسيب ب”تراب الفلوس”، وعن مشروع الجزيرة الذي خلعت حتى قضبان سكته الحديدية، وعن “الإسلاميين المخلصين” الذين تم التخلص منهم بوسائل شبيهة بالوسيلة التي تخلص بها السيد مالك عقار من الهندي أحمد خليفة أو أكثر بشاعة، وهي بالمناسبة تجد مني شخصيا الإدانة الكاملة، وهي إدانة لا تتوقف عند شخص السيد مالك عقار بل تتجاوز ذلك إلى إدانة حالة الهزال التي تعاني منها الحركة الشعبية والحركات المسلحة الأخرى في تقاليد المؤسسية والشفافية المالية ونظم محاسبة القادة على انتهاكات حقوق الإنسان ومساءلتهم عن المال العام، وهذا الهزال في ثقافة الديمقراطية والحكم الراشد  هو الذي جعل الحركة الشعبية في جنوب السودان تنحدر بدولتها الوليدة الى الواقع المأساوي الماثل، ولذلك إذا أرادت الحركات المسلحة ان تكون جزءا من تيار التاريخ الصاعد فإن السبيل الوحيد إلى ذلك هو الشروع الجدي في التحول إلى حركات سياسية ديمقراطية مهمومة بقضايا التنمية والعدالة وإنصاف المهمشين ولن تكون كذلك بغير الصرامة في مكافحة الفساد.

خامسا: لابد من التمييز بين الانقياد الأعمى للحركات المسلحة والاعتماد الكلي على سلاحها في إنجاز التغيير، وبين التعامل الموضوعي معها ، وإدراك حقيقة انها تتمتع بحاضنة شعبية حقيقية في مناطقها نتيجة لحالة سخط تاريخي في هذه المناطق على مركز السلطة في الخرطوم بسبب مظالم حقيقية، وتهميش تنموي وثقافي وسياسي، غير قابل للإنكار أو المغالطة، واحتجاج أهل تلك المناطق على هذا التهميش في جبال النوبة ودارفور وشرق السودان قديم، ولم يبدأ بالسلاح، بل بدأ بتنظيمات مدنية مطلبية منذ اواخر الخمسينات والستينات(مؤتمر البجا، اتحاد جبال النوبة، جبهة نهضة دارفور)، طالبت بالفدرالية والتنمية والخدمات والاعتراف بهويتها الثقافية  فلم يستجاب لمطالبها المشروعة تلك، وفي العهد الإنقاذي الميمون أُغلق الباب محكما أمام اية فرصة للعمل السياسي واستشرى القمع، وحُقنت شرايين الوطن بالفتن العرقية والقبلية والتمييز العنصري فركب الجميع موجة السلاح بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان المستقل، لأن الصوت الوحيد الذي يسمعه النظام “الذي استولى على السلطة بقوة السلاح وحافظ عليها بقوة السلاح ولا شرعية له سوى شرعية الامر الواقع المفروض بالقوة الغاشمة” هو(قعقعة السلاح)! وتأسيسا على ذلك فلا سبيل لإيجاد حل سلمي يوقف طاحونة الحرب في البلاد إلا عبر الاعتراف بمشروعية مطالب المهمشين، والتعامل الموضوعي مع الحركات المسلحة، وعلى كل حال فإن نظام المؤتمر الوطني منذ ان جاء إلى السلطة لم يعترف بأحد ولم يملأ عينه أحد سوى هذه الحركات المسلحة التي شد الرحال الى عواصم العالم للتفاوض معها تارة، وللتآمر عليها وتقسيمها تارة أخرى، لأنها ببساطة رقم لا يمكن تجاوزه في واقعنا السياسي، وبالتالي ليس هناك منطق في لغة التجريم والتخوين التي يستخدمها  “النظام” ضد القوى السياسية عندما تتصل بالحركات المسلحة وتوقع معها الاتفاقيات، ثم يأتي الاستاذ ضياء الدين ويدافع عن ذلك باعتبار ان حق الاتصال بالحركات المسلحة يجب ان يكون حصريا على الحكومة وإمعانا في الاستخفاف بعقولنا، يضع حكومة المؤتمر الوطني(التي يضعها موسى هلال تحت حذائه ويبتزها حميدتي) في مصاف حكومات العالم الديمقراطية المنتخبة التي تمتلك شرعية متفق عليها حتى من قبل معارضيها، ولذلك يستحق كل من اتصل بمن رفع السلاح في وجهها ان يزج به في السجن! السودان رغم سنوات استقلاله التي قاربت الستين ما زال وطنا تحت التأسيس، وغارقا في الأزمات والأوضاع الاستثنائية، ولن يخرج من هذه الحالة بالمغالطات والادعاءات بأننا في وضع طبيعي!   

سادسا: من دواعي الحيرة والدهشة ان يحاضرنا سدنة “المؤتمر الوطني” عن مخاطر السلاح وهو أكبر حزب مسلح في السودان! وهو الذي خلق بسياساته  البيئة النموذجية لاستشراء السلاح، وهو الذي انحدر بالدولة السودانية مع سبق الإصرار والترصد الى مستنقع المليشيات الموازية  للجيش النظامي والتي يخفض لها “النظام” جناح الذل(من الخوف وليس من الرحمة) بعد أن خرج بعضها عن السيطرة وأصبح ينافس “النظام” على السلطة، وباتت تستبيح مدنا كبيرة مثل نيالا والأبيض وتحاصرها ولا تملك “الدولة” إلا استرضاءها بمليارات الجنيهات.

لكي تستقيم الحياة السياسية في السودان لا بد من عملية منهجية لنزع السلاح من الحركات المسلحة ومن مليشيات المؤتمر الوطني وحصر السلاح لدى جهة واحدة هي “جيش قومي” تعكس هيكلته تنوع السودان وخاضع لسلطة سياسية مجمع على  شرعيتها من جل السودانيين، ومثل هذه العملية المعقدة لن تتم إلا في إطار حل سياسي شامل وعادل  يتم التوصل إليه بمشاركة كل أصحاب الشأن بمن فيهم الحركات المسلحة، ولكن نظام “المؤتمر الوطني” يرغب في نزع سلاح معارضيه عبر صفقات هشة يتخلص بموجبها من اي تهديد لسلطته، ولكن دونما أي حل جذري للأسباب التي دفعت إلى حمل السلاح ابتداء! ودونما أي تغيير سياسي يفتح أبواب المشاركة السياسية والحريات العامة.

سابعا:  نظرية(موالاة الإنقاذ حفاظا على الاستقرار ولأن بدائلها أسوأ منها) نظرية مفخخة، يظن الأستاذ ضياء الدين – وبعض الظن إثم – أنها فعالة في حماية النظام من الانهيار، وهذه النظرية اختبرت وأثبتت فشلها في كل نظم المنطقة العربية، فكل نظام دكتاتوري تفنن في خلق “الفزّاعات”المرعبة من حركات جهادية متطرفة، ومن مليشيات قبلية، ومن تهديد بالانحدار الى الفوضى الشاملة وانهيار الدولة، وكل ذلك ليقول لشعبه وللعالم (أنا او الطوفان)! ولكن كما نرى بأم أعيننا فشلت “الفزّاعات” في صد الطوفان!

منطق التاريخ يقول إن الذي يعصم الأوطان من الانهيار هو استباقها لهذا الانهيار بمشروع تغيير حقيقي يعالج بصورة جذرية ما تعانيه من احتقان سياسي وفساد ومظالم، ولن يعصمها منه التعايش مع الفساد والاستسلام للمستبدين!

وهاهو نظام المؤتمر الوطني، وللمفارقة  يعارض بشراسة اية خطوة نحو حوار شامل، ويقطع الطريق امام اي تقارب بين القوى السياسية المدنية والحركات المسلحة ، ويرفض قبول “التسوية السياسية المتواضعة” التي يجتهد في إنجاحها المجتمع الدولي  في سياق البحث عن حل سلمي يكون هو(أي المؤتمر الوطني) جزء منه! لأنه اعتاد لمدة خمسة وعشرين عاما أن يكون “الكل” وليس مجرد”جزء”! ونسأل الله أن يعمي بصيرة “النظام” ويجعله يراهن على نظريات الاستاذ ضياء الدين بلال ويجعلها “منسأته التي عليها يتكئ”! نسأل الله أن يديم غفلته عن منطق التاريخ.. عن دابة الأرض التي حتما سوف تأكل منسأته فيهبط هبوطا (غير ناعم).