"أنا انظر إلى الجانب المتفائل من الحياة، ولكنني واقعيا بما يكفي لأعلم أن الحياة أكثر تعقيدا من أن تقتصر على جانب واحد" والت ديزني

مما لا شك فيه أن مشاركة السودان في الحرب ضد الحوثين في اليمن، يفتح آفاقاً للحكومة القائمة للخروج من أزمتها التي كانت تعاني منها، والتي تتمثل في العزلة الدولية في الدائرتين العالمية والعربية، والتي أنتجت ما يشبه الحصارالإقتصادي، بلغ ذروته في مقاطعة مصرفية أحدثت آثاراً سلبية واضحة على إقتصاد هو في الأصل مأزوم. أضف لذلك أن الواقع السياسي أنتج نزاعات مسلحة، وإنقسامات حادة في الطبقة السياسية، دعت رئيس الجمهورية لأن يقدم دعوة لم تستثني أحداً لحوار يهدف للتوصل لتفاهم حول الركائز الأساسية للدستور القادم.

ستؤدي مشاركة السودان في الحرب ضد الحوثين في المدى القصير لتحقيق إنفراجة إقتصادية، نتيجة للدعم الذي سيتبع تلك المشاركة. وقد قررت الحكومة فور إنفتاح هذه الطاقة من الإحتمالات الواعدة، عدم الذهاب لأديس أبابا للمشاركة في الملتقى التحضيري الذي إنعقد بدعوة من الآلية الإفريقية الرفيعة الأربعاء الماضي. وهذا يعني أن الحكومة تعتقد أنها ليست في حاجة للسير في مسألة الحوار الوطني، أو على الأقل ليست في حاجة لذلك بالشكل الذي تدعو له الآلية الإفريقية الرفيعة، بسبب ما ستمطره عليها مشاركتها في الحملة اليمنية من خيرات. وبالتالي فقد عقدت الآلية الأفريقية رفيعة المستوى،  الملتقى التحضيري للحوار الوطني، بأديس أبابا في التاريخ المقرر برغم غياب حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وقوى الحوار الوطني في الداخل، ووسط حضور مكثف لقوى “نداء السودان” ممثلة في زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، وقيادات الجبهة الثورية يتقدمها رئيسها مالك عقار.

في الخرطوم صرح رئيس القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني مصطفى عثمان إسماعيل، وزير الاستثمار بالحكومة السودانية، لـ”الشروق” إن الحوار سينطلق بعد الانتخابات بأقوى ترتيب ممكن، ولن نتردد في توجيه الدعوة للمعارضة، وحملة السلاح، ونقبل بأية تفاهمات يمكن أن تقود للإجماع الوطني. ورأى أن انعقاد الاجتماع غير منطقي بعد رفض الحكومة، وآلية الحوار الوطني المشاركة فيه قبل الانتخابات، مضيفاً  أن الحكومة هي الطرف المعني بتقديم إجابات وتنازلات إذا لزم الأمر، من أجل إلحاق الرافضين بالعملية السياسية والحوار الداخلي. واتهم الأحزاب المعارضة بعدم الجدية في الحوار، مشيراً إلى تصريحات الصادق المهدي التي قال فيها إن الحوار الوطني قد مات ودفن في مقابر أحمد شرفي، وقال إن معظم أحزاب المعارضة الموجودة في أديس، إما مقاطعة للحوارالوطني أو منسحبة منه.

لم يبدي الدكتور مصطفى عثمان سببا لرفض الحكومة اللقاء بالمعارضين قبل الإنتخابات، كما ولم يتفضل بشرح الصلة بين الإنتخابات وبين الحوار الوطني. عندما أعلن رئيس الجمهورية الحوار الوطني، فإنه فعل ذلك إعترافا بحاجة أهل السودان، بعد زلزال الأنفصال، لأن يجلسوا سويا لمعالجة المسائل التي أقعدت بالسودان عن الإنطلاق. وذكر في هذا الأمر ضرورة وصول الطبقة السياسية لتفاهم مشترك في أربعة ركائز وهم: السلام، والحرية السياسية، والمسألة الإقتصادية، و مسألة الهوية. وقد أوضح في خطابه أن عدم التوصل لمفهوم مشترك حول هذه المسائل يعوق الإنطلاق إلى مستقبل أرحب. مسألة الإنتخابات هي جزء من الركيزة المتصلة بالحرية السياسية، بالتالي  فقد كان المأمول أن لا يتم إجراء الإنتخابات إلا بعد إجراء الحوار الوطني، والتوصل لفهم مشترك لركيزة الحرية السياسية، بإعتبار أن الإنتخابات التي تجرى دون توفير الحريات الأساسية هي إنتخابات شكلية فارغة المحتوى، ولكن المؤتمر الوطني أصر على إجرائها بدعوى أن الإنتخابات لن تعيق الحوار الوطني، ولن تؤثر نتائجها عليه. يبدو أن موقف الحزب الوطني الآن تغير دون ان يجد أن ذلك يلزمه بأن يشرح على ماذا يستند، وبالتالي فلا يدري أحد لماذا يتوجب إنتطار الإنتخابات للبدء في التحضير للحوار .

مصدر الدهشة هنا هو إفتقاد هذا الموقف لأي منطق، فالحوار يجري بين تكوينات سياسية ستظل قائمة قبل وبعد الإنتخابات. كما وأنه لاصلة لما ستفسر عنه الانتخابات بمواقف تلك الأحزاب من أجندة الحوار. أما إذاكانت المسألة تتعلق بالأوزان، فهذه مسألة تم حسمها في خارطة الطريق ولن تؤثر عليها نتيجة الإنتخابات، خاصة وأن الطرف الذي كان التحضير للحوار سيتم معه لاصلة له بالإنتخابات. ولعل الأوضح من كل هذا أن حجة المؤتمر الوطني الرئيسية في إجراء الحوار هي أن الإنتخابات محدد موعدها بالدستور، والمؤتمر الوطني لا يملك تغيير ذلك الموعد. حسنا، إذا كان ذلك كذلك، فإن الإنتخابات يكون موعدها محدد من قبل خطاب الوثبة، وقد ظلت ترتيبات عقد الحوار سائرة منذ ذلك الخطاب، دون  أن يشير أحد لمسألة الإنتخابات وضرورة إنتظارها، وقد ظلت الحكومة تتحدث مع الآلية الرفيعة، والحكومة الألمانية، أثناء وبعد صدور بيان برلين، دون أن تشير لأن الملتقى التحضيري للحوار يجب أن ينتظر الإنتخابات .

إن كل ماتم بين قبول الحكومة للقاء قوى نداء السودان في المؤتمر التحضيري في أديس أبابا، وحلول موعد إنعقاد ذلك اللقاء، هو فقط إنضمام السودان للحملة العربية ضد الحوثيين في اليمن، بما أدى إليه من توقعات لدى الحكومة نتيجة لسقوط الحصار العربي عليها، وتحوله الفجائي لحلف معها. فإذا كان ذلك هو السبب في إنسحاب الحكومة من الحوار، والمرجح أنه كذلك، فإن إنتظار الإنتخابات حتى ينطلق الحوار بأقوى ترتيب ممكن، وفق ما ذكره الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، يكون ضرباً من الأوهام. وعلى الجميع أن يرتبو أحوالهم على أن الحوار قد مات بالفعل، كما ذكر الإمام الصادق المهدي، وإن كان لايوجد دليل على ما ذكره عن مكان دفنه. إن إنضمام السودان للحملة ضد الحوثيين، لا يجب النظر إليه على أنه سيأتي بالخير العميم للنظام الحاكم بالسودان. وعلى ذلك النظام أن يتعامل مع هذه المسألة بإعتبارها موقفاً مبدئياً إضطر لأخذه رغم ما به من أخطار محدقة، فهذا أكثر واقعية من الأحلام الوردية التي يبدو أن النظام قد غرق فيها. لا يجب أن نغض الطرف عن الأخطار التي ستأتي بها الحملة في اليمن، وبعض هذه الأخطار آني وحال الوقوع، والبعض الآخر طويل المدى. فعلى جانب المخاطر، على النظام أن يعلم أنه مطالب بترتيب علاقاته مع حلفائه، وهذه ليست مسألة بالسهولة التي يعتقدونها من يستبشرون بالحلف الجديد. فأول نتيجة لذلك ستكون فك الإرتباطات مع إيران، دون أن يعني ذلك بالضرورة تقارب مع أمريكا، خاصة بعد أن توصلت لإتفاق إطاري مع إيران في مسألة الأسلحة النووية، وهو الأمر الذي تضع أمريكا له قيمة أعلى بكثير عن ما  يجري في اليمن.

إذا فقد فقد النظام التأييد الإيراني، وهي مسألة لابد أن يترتب عليها بعض المخاطر، خاصة وأن روسيا، ولحد ما الصين، غير راضين عن تدخل الحلف العربي باليمن. وفقدان السودان للتأييد الروسي الصيني بدون أن يكسب تعاطفاً مع أمريكا، يعني أن السودان لم يعد له من  يعتمد عليه في العضوية الدائمة  في الأمم المتحدة، وهذه مسألة تنطوي على كثير من الأخطار. ثم ماهو مصير العلاقات الوثيقة مع قطر؟

 

من الجانب الآخر، فإنه من المناسب توقع بعض الإنفراج في الوضع الإقتصادي، بالنسبة لأن إنتهاء المقاطعة الإقتصادية، وبالأخص المصرفية، من قبل الدول العربية للسودان أصبح قريب المنال، إن لم يكن متوقعاً. في المدى البعيد لا أرى خيراً فيم تم لا للنظام ولا للمنطقة،  فمن ناحية المنطقة فإن الأوراق قد إختلطت، ولابد من إعادة ترتيبها، أما كيف سيتم ذلك فهو ضرب من التنجيم  لن أدخل فيه. فكيف ستحسم إعادة التحالفات في سوريا والعراق حيث يقف الشيعة مع الحلف العربي ضد داعش؟  في حين تقف داعش مع الحلف العربي ضد الحوثيين في اليمن ؟  ثم هل ستتحول الحرب في المنطقة لحرب دينية شيعية سنية ؟ وإذا تم ذلك فهل هناك مخرج من حرب دينية لا يمكن أن تسفر عن منتصر أو مهزوم؟  إذن المسألة في مجملها تبدو محفوفة بالمخاطر، فإشتعال حرب دينية في المنطقة، سيؤدي بالضرورة إلى صعوبات إقتصادية توقف تدفق المعونات التي يمكن  أن تكون قد بدأت في بداية الحملة.

والمسألة الأهم من ذلك هل تدفق المعونات، ووقف المقاطعة، سيؤدي  إلى إنعاش الإقتصاد ؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل يؤدي ذلك لأن يتوصل السودانيون لتفاهم حول الركائز الأربعة التي دعا إليها الرئيس؟ الإجابة  بالقطع هي  بالنفي على السؤالين.  فمن جهة، فمن المؤكد أن الإقتصاد السوداني لن يستقر بمعونات طارئة، أو بإجراءات متعلقة بالمقاطعة، لأن ذلك لن يزيل المرض الأساسي وهو عدم  قدرة الإقتصاد على أن ينتج أكثر مما يستهلك، خاصةً في ظروف الحروب الداخلية التي لن توقفها معونة، ولامساعدة عسكرية   .

حل كل تلك المشاكل لن يتم إلا عبر التوصل لتفاهم حول المسائل الرئيسية التي تفرق حولها أهل السودان، والتي وصلت بهم لنزاعات مسلحة، وفشل إقتصادي، وهذا لا يمكن التوصل إليه إلا عبر الحوار الوطني. لذلك فإن إلتفات الحكومة عن الحوار بمجرد إعتقادها، أنها على وشك الحصول على بعض المعونات، هو ضرب من الركض خلف السراب.