عبد الله الشيخ  ثلاثون عاماً مرّت كأنّها مُزحة،أو كأنّها "ضربة قَفَا"، تتلقّاها من حيث لا تحتسب..! 

كأني طاف بي ركب اللّيالي وعدت الى أيام الصِّبا، إلى أيام  إنتفاضة مارس / أبريل 1985..هكذا كنّا نناديها ، لولا أن الأُخوانجية والسلفيين ومعهم طائفة من الأنصار قالوا، إنّها “إنتفاضة رجب”.. وقع الإختلاف بعد ذلك في كل التفاصيل، ومع ذلك كنّا نظُن أن الدنيا بخير، وأن المايويين هم أسوأ ما أنتجه السودان من “تبغ”..!  ملأنا إبطينا بالهتاف في الشوارع والزّعيق ضدّ السدنة،  وما هي إلّا أيام ، حتى عاد كل شيئ إلى سابق عهده..!

 تعلّقت آمالنا بالتغيير الجّذري، فلم يكُن هناك طليعة تعرف الطريق اليه.. كنّا نقضي النهار في قرأءة الصحف، و في الليل نلتحق بالليالي السياسية و الشعرية..بهرتنا الأقوال فصدّقنا سيد الحوش الكبير، حتى كِدنا نلتحق بحاشيته، حين قال في إحدى النّدوات: “إنّ قوانين سبتمبر،لا تساوي الحِبر الذي كُتِبَتْ به”..!  لعلّها كانت الكلمة السحرية التي  أدخلته الى عصر الجّماهير و أوصلته الى العرش، لينسى بعد ذلك، أو يتخاذل..!

 ما اُقيمت ندوة في هذه الخرطوم، إلا “غطّيناها”، وما قُرِئ بيت شعر ثوري إلا وحفظناه،، ولكن بعد عام فقط ،”صبّت فينا المَطَرة”..! و عدنا الى حالة البؤس والشقاء، وإلى التشعبُط في الدّفارات و النيسانات، التي كانت تعمل كمواصلات عامة..كان العداء سافراً بيننا وبين الكماسرة ، ومن كُنّا نُسميهم بجنود الحرس القديم..تلك أيام لم تكن تخلو من المنشورات والتنويهات والأوهام المُستحيلة التى كنّا نروِّج لها دون حياء أو وجل..! كنّا ــ ولله الحق ــ مثل هؤلاء الكيزان، نمتلئ  بذلك التهريج، ونتحدّث عن الحرّية، و”نَكْبِسْ” بها على الأنفاس،ونُدخل بها في كل المواضيع، تماماً مثلما تفعل أبواقهم هذه.. ما تقول حاجة كِدا، أو تسأل،، إلّا  وتُفحِمك  بلابل التنظيم بنماذِج من النّص المؤسِس، أو تفرِض عليك مأثورات حسن البنّا..كذلك كنّا نحن، لا نقول شيئاً دون أن  نُدْخِل كلمة  الحرية أو الديمقراطية، في “كلام الهوا”…كانت البلد كلّها شغالة سياسة، وكلنا متحدّثين رسميين، و كان رئيس وزراءنا ، “الذي أضاع وقت البلاد والعِباد في كثرة الكلام”، يعجِبك في التحبيك والتّسبيك، فقد كان له في كل يوم، “نجرة” جديدة..و”هلمجّرا”..!

ومع ذلك، كان عهد ديمقراطينا القصير مُمتعاً ، ولم يكُن كله كثيفاً ومظلماً و كانت فيه الكثير من الإشراقات ،كان هناك البرلماني أمير الشّرق “بامكار”، وكان لدى إحدى الطائفتين رجل متخصص في ملف الجنوب إسمه “فقيري”..كان هناك الأمير  نُقد الله، وبروفسير الشيخ محجوب في حزب الأُمّة، وهناك أبو حريرة، وسيد أحمد الحسين في جنينة الإتحاديين..

كان هناك رجلٌ شجاع ، إسمه محمد عثمان حامد كرار..! و كان لليسار حضوره، وكانت الميدان تصدر، رصينة ومختصرة، حتى تكاد تحفظ كلماتها.. وكان للاخوانجية، وبكل أسف، صحافة اختارت “نهج البذاءة”، و صبر عليها رجال كرام، مثل التوم محمد التوم، ومثل الصادق المهدي نفسه،قبل أن ينسى:”وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا“..! كانت آمالنا مُعلّقة برجال حسبناهم من الأخيار، مثل عثمان عُمر الشّريف، فأين هو الآن ، وأين نحن الآن..؟!أغلبُ الظنّ أنّه لا يرضى ، إذا ذُكِّرَ  بأيام الله..!

خلاصة القول ، لقد ضاغت الإنتفاضة، وكلٌّ يحتفظ بأسبابه لذلك الضياع.. كلٌ منّا يرمي اللّوم على الآخر..! كلنا كان يقف في محطّة الماضي ،حتى جاءت “الطّاوية حُبالا”..! كُلّنا،وبعد ثلاث عقود من ضياع الحُلُم ،ما زلنا نتأمل في شكل المستقبل، بنفس الأدوات، وبذات التفاصيل..!