بابكر فيصل بابكر نشرتُ هذا المقال قبل ثلاثة أعوام ونيف, أبَّان القرار "المعزول" الذي إتخذتهُ قيادة الحزب الإتحادي الديموقراطي بالمشاركة في حكومة المؤتمر الوطني. 

كان السيد الحسن الميرغني حينها من أكثر الرافضين لقرار المشاركة, و لمَّا أدرك أنَّ والدهُ عازمٌ على دخول الحكومة,غادر البلاد مُغاضباً قبل إتخاذ القرار, واليوم يتكرر ذات الأمر, حيث إتخذ السيد الحسن قراراً “معزولاً” بالمشاركة في الإنتخابات, دون أن يتغير شىء في المشهد السياسي, وقد إرتأيتُ إعادة نشر المقال لعلهُ يقع عليه فيتذكر, فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين.

لا تصالحْ !
ولو منحوكَ الذهبْ
أتُرى حين أفقأُ عينيكَ
ثم أثبِّتُ جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تُشترى..

وكأنَّ “اليمامة” وهى تُخاطبُ أخاها الأمير “الزير سالم” تتحدَّثُ بلسانِ حال جماهير وقواعد الحزب الإتحادي الديموقراطي “الأصل” في سعيها لوقف مشاركة حزبها في حكومة المؤتمر الوطني, وكانت هذه الجماهير قد صوَّتت بحناجرها وأقدامها ودموعها في كافة المناسبات السياسية والحزبية رافضة مغازلة القبح للزنابق, وهاتفة بالصوت العالي : لا يُرتجى رىٌ من البئر التي سَبَحتْ بها الحيَّات.

حتى أطلَّ ذلك المساء الكالح الذي اتشحت فيهِ السماءُ بشرر الفجيعة ورعد الشؤم, وضُرِبت الغشاوة على أبصار الذين سعوا لزرع الشك بإسم “الواقعية” في رحم يقيننا “المثالي” السَّرمدي بالحُريِّة ومحاربة الشمولية. إجتمعت ثلة غلب عليها “البصَّاصين” من أتباع “الزيني بركات”, و من “قصار التيلة” الحزبية و الوطنيَّة, والجماهيرُ الصابرة على الأذى ترقُب إنبعاثَ روائح الفضيحة من كواليس مسرح الدُّمى من العرائس التي بَصَمتْ على قرار إجهاض قناعاتنا الإسطورية ومواقفنا ومبادئنا التي حملناها جيلاً بعد جيل.

وقال العارفون ببواطنِ الأمور أنَّ صاحب المقام خلا بنفسه ثلاث ليالٍ طالباً عون الأقطاب , فإذا بالسماء تجيبُ بإنزالٍ ليليٍّ لمسوخٍ مُتهاويةٍ, و كلماتٍ مثقوبةٍ مكشوفةٌ عورتها و مفضوحٌ عوارها : ( مشاركتنا في الحكومة أملتها ضروراتٍ وطنيَّة). لا يا سيدي, هذا قولٌ لا ينطلي الا على الغافلين والسُّذج, فجماهير الحزب تعلمُ علم اليقين بفطرتها وذكائها وتجربتها أنَّ “ضرورات” الوطن هى “محظورات” شركاؤكم الجُدد في حلف ” لعقة الدم”. ضرورات الوطن – يا سيدي – هى الحرية والديموقراطية والعدالة الغائبة, هى حقوق الشعب التي إئتمنكم عليها , فتقاصرتم في طلبها وارتضيتم لإنفسكم ركوب “بنطون” مقدود كان اسمه سفينة الإنقاذ.

في لحظة تدنيس المبدأ والتاريخ وقف المُرجِفون في الحزب يقولون : المشاركة ستُعيننا على خدمة جماهيرنا. قولٌ باطل أريد به باطل. لن تخدموا إلا أنفسكم التي ضعُفت أمام بريق المنصب والعربة والمنزل الحكومي, وحتى هذه لن تدوم لكم طويلاً, فقد يبست كلَّ الضُروع, واُفرغت الخزائن الصدئة من أموال النفط الملعون.

ويقول المرجفون في الحزب : إنَّ المشاركة في الحكومة ستُعيننا على إصلاح النظام من الداخل. كضباً كاضب. أنتم تعلمون أنَّ النظام غيرُ قابلٍ للإصلاح, وهو يحكم بمليشيات الأمن والجيش والسوق, ويُسيطر على جهاز الدولة من أعلى رأسهِ إلى أخمُص قدميه, ولن تكونوا الا مركزاً للتجميل “بيوتي سنتر” والمكياج لوجهه الذي لم تبق فيه مُزعة لحم, وقد فشل كل الذين ساقوا هذه الحُجَّة من قبلكم, ولم يحصدوا شيئاً سوى الحسرة والندم.

ويزيدُ المرجفون في القول : سنشارك المؤتمر الوطني في حكومته بُناءاً على برنامجٍ مُتفقٍ عليه بيننا. ونرد نحن عليهم بالقول : لقد أتيتم أمراً عجباً, وأنتم أعلم الناس بأنَّ شركاءكم الجُدد أساتذة في نقض العهود, وخُبراء في التلاعب بالإتفاقيات والمواثيق, أليسوا هم من وقع نداء الوطن, وإتفاق القاهرة, وإتفاق أبوجا, والتراضي الوطني, وغيرها, ثم ضربوا بها جميعاً عرض الحائط, وأخرجوا ألسنتهم وأحذيتهم للأطراف الموقعة معهم على تلك الإتفاقيات و منهم رأس التجمع الوطني الديموقراطي قائلين : أشربوا من البحر ؟

ويُردِّد المرجفون ببلاهةٍ تثير الشفقة القول : السياسة فنُّ الممكن. ونحن نقول لهم : نعم هى كذلك فيما لا يتصِّل بالمبادىء والثوابت, وقد علَّمنا درس التاريخ أنَّ النفوس عندما تُصابُ بالوهن, ويُرهقها أذى الباطل, ويركبُها اليأسُ من وقوع التغيير الناجز, يبدأ أصحابها في ترديد مثل هذه العبارة البائسة . ولكنَّ جماهير الحزب أشدُّ استبصاراً من ذلك, وهى لن تنساقَ وراء موكب الجنازة, ولسان حالها يقول لكم : والله لو ضربتمونا حتى تبلغونا “القبر” لعلمنا أنَّا على الحق وأنكم على الباطل.

قد ردَّدتْ نفسُ الفئة في أواخر سنوات السبعين من القرن الفائت ذات القول, واتبعته بالفعل حين وضعت يدها في يد “أب عاج” , و تنكرت لمبادىء الحزب التي نافح عنها – كما قال ود المكي – الذي أحشاءهُ من حديدٍ بينما أحشاءهم من زبد, الذي وضع الله في مُقلتيهِ النفاذ وعاقبهم بالرَّمد : الهندي الحسين – سيِّد الشهداء, وفارس الحوبة, الذي عضَّ على الثوابت بالنواجز, ورفض الإنضمام لركب الإستسلام و اليأس والهزيمة, وانتصب كالسيف واقفاً في إباءٍ وشمم حتى لاقى ربَّه مُردداً :

    خرطومُ يا رمز الجمال ودُرَّة الأوطان عندي                                                                                إني أخافُ عليك من شوقي وتحناني ووجدي                                                                               لمَّا أذاعوا عفوهم وتخيَّروا المنفين بعدي                                                                                    هُرعِوا إليك ضعافهم وبقيتُ مثل السيف وحدي

ثمَّ يتجرأ السائرون نياماً في ركب السُلطان ومن تبعهم بغيرِ إحسان على الشُرفاء من شباب الحزب وشيوخهِ الرافضين للمشاركة في حكومة المؤتمر الوطني ويقولون : هؤلاء ليسوا إتحاديين, إنهم شيوعيون مُندسُّون !

تباً لكم يا كتبة عهد إبليس, ويا لاعقي أحذية العسكر, تباً لكم وانتم تُردِّدون قول أهل النظام في المناضلين الوطنيين الإتحاديين الأحرار من أبناء الحزب الذين تخرجوا في معاهد الألم, وكليات الجراح, وجامعات التعب الوطنية, بقايا الجمر, ومشاعل الحرية, أبناء الشريف حسين, وأحفاد إسماعيل الأزهري. تباً لكم وانتم ترسلون عصابات “الشبيحة” لنهب المركز العام للحزب بالخرطوم, ولإسكات صوت الحق الذي يُطاردكم مثل ظلالكم, صوتُ الحقِّ الطالعِ من هذه النفوس الكبار, نفوسٌ تأبى أن تبيع مبادئها ومواقفها حتى تلاقي ربَّها كنفس عمرو بن الإطنابة :

أبت لي أَن أُقضِّي في فعالي                                                                                                     وأن أُغضي على أمرٍ قبيحِ                                                                                                     فإما رُحتُ بالشرف المُعلى                                                                                                     وإما رُحتُ بالموت المُريحِ

ويُخيِّم صمت أهل القبورعلى المُرجفين ودعاة المشاركة عندما يدفع الصدرالأعظم بالشاب اليافع, باسم الثغر, وضَّاح المُحيَّا, عديم الخبرة, ليشغل وظيفة مساعد رئيس الجمهورية, وهو الأجدر  بالمساعدة والعون حتى يُدرك أنَّ الحرب تدور رحاها في جنوب كردفان والنيل الأزرق, وليس في شمال كردفان والنيل الأبيض كما ذكر في المؤتمر الصحفي الذي أعقب أداءه للقسم.

هل هذا أفضل الموجود بينكم يا من دافعتم عن المشاركة في الحكومة ؟ أقسم بالله الذي لا اله الا هو أنَّ أصغر كادر من كوادر الطلاب الإتحاديين في الجامعات السودانيِّة قمينٌ بملء هذا المنصب بشكل أفضل من هذا الشاب الطيِّب الذي يُراد له أن يساعد في أمورٍ لا يفقهُ فيها شيئاً مثل وقف الحرب وتحسين العلاقات الخارجية (بالخارج) أو كما قال في مؤتمره الصحفي.

هو في الأساس لم يُعد لمثل هذه الغاية, ولم يتدرَّب عليها, ولا يوجد في سيرته الذاتية ما يدل على أنه أهلٌ لذلك. ولكنهُ حلَّ محل شقيقه الأكبرالذي إختار الإنحياز لصف جماهير الحزب في موقفها من المشاركة في الحكومة, وأطلق عبارته الشهيرة: ( لن أشارك في حكومة تقتل شعبها, ولن أتحمَّل وزر إثنين وعشرين عاماً من الحكم ).

أمَّا شركاؤكم الجُدد على الشاطىء الآخر من نهر التدليس فيكفي أن نذكِّرهم بأنَّ شرعيتهم الزائفة كانت على الدوام تستند على مُحاربة إرث و رموز ” الطائفية” بإعتبارهم حُرَّاس الجمود, و رعاة الجهل, و سدنة التخلف , فكيف إذاً تسنى لكم إحتضان أبناءهم داخل جدران القصر وتنصيبهم مُساعدين لرئيس الجمهورية ؟

إنَّ على قيادات الإتحاديين الصامتة أن تجهر بالرفض , وتتخذ مواقف حاسمة من أعضاء الحزب الإتحادى  ” المشارك” لأنَّ حياتنا – كما يقول كنغ – تُشرِفُ على النهاية يوم نلوذُ بالصَّمتِ إزاء الأشياء ذات القيمة. فجماهير الحزب قد قالت كلمتها الأخيرة : نحنُ والمؤتمر الوطني خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً, ولن تُجدي صكوك البيع, وأختام الغدر, وقرارت الزِّيف المُبللة بصديد الخديعة في جمعنا مع الإنقاذ على صعيدٍ واحد :

لو أنَّا على حجرٍ ضُربنا      جرى الدَّميانِ بالخبرِ الأكيدِ.