هناك أخبار تتعلق بمرافق البنية التحتية التي ربما نتجاهلها بحثا عن أخبار البنية الفوقية للسياسة، والتي يتمثل بعضها في تسريبات فساد الجيش، والأمن، واغتصابات الجنجويد، وما إلى ذلك.

وكذا صرنا نعلق أغلب همنا على تصريحات الشيخ دفع الله الهوائية، وآراء بله الغائب الخشبية. ولكن لو دققنا النظر في الصحيفة كما يفعل سماسرة التعاقدات الحكومية بحثا عن عطاء، أو مزاد، أو تمويل مشروع، فإننا سنجد العديد من المفارقات في حياة الناس في سودان اليوم. ففي الماضي كان قراء الصحيفة يبدأون بالرياضة، ولكن مع تنامي ظروف المعيشة الصعبة فلا بد للقراء أن يبدأوا الآن بالصفحة الأولى في ظل تدهور مستوانا الكروي، وعجزنا عن تحقيق بطولات قارية، أو إقليمية تذكر. وعندما يتحصل المرء منا على صحيفة شردت إلينا في الخارج بصحبة راكب، كثيرا ما نهتم بقراءة كل جزيئات الصحيفة. ولا ننسى إعلانات المحاكم حتى، إذ تعطينا مؤشرات دعاوي “الطلاق الغيابي” الكثيفة مؤشرا عن الوضع الاجتماعي، كما أن أخبار الجريمة الاجتماعية تفيدنا في معرفة سقف الإنحلال الذي أطبق على أخلاق بعض السودانيين.
واعتقد أنه إذا جد باحث في هذا المجال في إحصاء الطلاقات المبررة، وغير المبررة، في الخمس وعشرين سنة الأخيرة لأدخل الطلاق السوداني في قائمة جينيس للأرقام، وذلك بسبب العسر، والعوز، وغياب الترفيه. والأخير صار في سودان اليوم ضربا من كماليات الأسرة. وما لنا نحن الكتاب أيضا نركز كثيرا على فوقية السياسة بينما وضع المواطنين على الأرض يرينا إلى أي مدى أنحدرت بلادنا إلى الفقر التنموي الذي تصدرنا قوائمه الدولية. بل ومالنا والسياسة بالأصل ما دام أن الكاتب الصحفي، خصيصا، يعالج قضايا بلاده بأطراف معارفه كما كان يكتب الأستاذ بشير محمد سعيد في كل شئ. إذن ماذا تقولون حياكم الغمام حول انعقاد مؤتمر في جامعة أمدرمان الإسلامية، والذي تم قبل فترة ليناقش ضعف مستوى الطالب الجامعي في اللغة العربية، والأنكى وأمر أن ذلك المؤتمر قدم خمس عشر ورقة حتى تستبين طرق الحلول للأزمة المستفحلة؟. طبعا هذا جهد عظيم كون أن هؤلاء الأكاديميين يناقشون هذا الأمر الحيوي الجديد المضاف لأزماتنا المستعصية. وما دام الأمر كذلك فعلى الرئيس البشير المكابر، وإسلاميي نظامه، أن يتحسسوا رؤوسهم. لا لشئ إلا لأنهم طرحوا أنفسهم صخرة تتحطم أمامها ما يسمى محاولات تحطيم هوية البلاد الإسلامية والعربية، وما فتئوا ينبهون مستمعينهم أن اليسار، والحركة الشعبية، ولاحقا الجبهة الثورية، والغرب الأمبريالي، يريدون أن يحطموا مكتسبات “الأمة العربية السودانية”.
إذا تركنا موضوع تدهور الأخلاق، وضعف التدين جانبا، فإننا لن نتركهم وهم يمرمغون بسمعة اللغة العربية، والتي هي أقوى مكتسب وطني تفرعت منه لهجات فرعية في كل أجزاء البلاد، وصارت جزء من هوية الفرد، واستثمارا للمعلم السوداني في المناخ الذي ولدت فيه هذه اللغة نفسها. وكلنا نعلم أن معلم اللغة العربية السوداني قد عرف بأنه المميز من بين كل المدرسين العرب الذين درسوا في الخليج. ولعل من بين هؤلاء كان نوابغ اللغة العربية في بلادنا الذين اختيروا ضمن أعضاء المجمع اللغوي قبل العراقيين والسعوديين، ومنهم الدكتور عبد الله الطيب، والأستاذ جمال محمد أحمد. بل إن العرب جميعهم لم يجدوا معلما وتربويا أفضل من الدكتور محيي الدين صابر ليتقلد منصب مدير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لمدى ثلاثة عشر عاما مديرا، وانتخب كذلك رئيسا للجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار. ولسنا في حاجة لتعداد إسهامات الشعراء السودانيين الذين كانوا فرسانا للشعر في دار العلوم الأربعينات في مصر. وكانت منتدياتهم أقوى من منتديات الشعراء المصريين بشهادة الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حازي. كان هناك تاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن، ومحيي الدين فارس، والفيتوري أعانه الله بالصحة.
والسؤال هو كيف انحدرت لغة الطالب الجامعي إلى هذا المستوى الذي تطلب إجهاد هؤلاء الأكاديميين الأفاضل لكتابة هذا العدد الكثيف من البحوث، ومن ـ وما ـ هو المسؤول أساسا عن هذا الضعف اللغوي، أهي الدولة، أم المعلم، أم الجامعة، أم المقررات الدراسية الموضوعة، أم أن هؤلاء الأكاديميين أنفسهم سبب “الابتلاء”..!؟ ثم أين المشروع الحضاري الإسلامي الذي بشرنا بنشر الثقافة العربية، وأذكر أن الدكتور فرانسيس دينق قال لي مرة في حوار إن الإسلام في السودان يمشي ساقا بساق مع اللغة العربية؟.
الفرضية الأولى إما أن الإسلام الحقيقي كان هو هناك في المعهد العلمي الذي أنجب أفذاذ معلمي ومبدعي اللغة العربية أمثال التيجاني يوسف بشير، ومعاوية محمد نور، والشاعر الفذ عبدالله الشيخ البشير وعبد الرحمن الضرير، وغيرهم، وبالتالي حافظت اللغة العربية في السودان على توهجها الأدبي، والشعري، والنثري، أو أن ذلك الإسلام المتسودن لم يرق لأهل المشروع الحضاري، وبالتالي نهض أساتذة جدد إسلاميون في ذات المعهد الذي تحول لجامعة أمدرمان الإسلامية لتطوير العربية، ولكنهم لا يملكون إسلاما حقيقا يساوقون به توطيد اللغة العربية. وهكذا خرجوا لنا بعد كل هذه السنين لينبئوننا أن مستوى طالبنا الجامعي في اللغة العربية وصل إلى الحضيض الذي تطلب انعقاد ذلك المؤتمر الكبير. وليت هؤلاء اللغويين نظروا أيضا إلى لغة المكاتبات، والبيانات الرسمية المليئة بالأخطاء اللغوية، حتى خطابات الرئيس، وليتهم رجعوا لخطاب الوثبة الذي امتلأ بضعف التركيب الصياغي، وضعف المبنى والمعنى. ثم ماذا عن لغة الصحافة التي تدهورت، وكيف الحال مع اللغة الضعيفة لمحرري وكالة الأنباء الرسمية، إذ تدنت اللغة الصحفية في كتابة الخبر، والتقرير لدرجة مخجلة، وسنحصي ذلك يوما.
قناعتنا هو أن المتدين النخبوي المسلم ينبغي أن يتقدم الناس في المعرفة باللغة العربية، وإظهار الإبداع فيها. وبمقاييس التدين المؤكد فهو الأعرف باللغة العربية بالضرورة، لأنه يستمد منها التعابير الفصيحة، والبلاغة، والصرف، والنحو، ما دام أنه يتفيأ “ظلال القرآن” الكريم، ويحفظ آياته البينات، المحكمات، المقتصدات في اللغة، والمعنى، والمبنى. ويقضي ليله الخاشع تاليا لهذه الآيات، ومستنيرا بتفسير الجلالين، ودارسا في التاريخ الإسلامي لفهمه، وهو المكتوب بلغة عربية أكثر بلاغة. ومن بعد ذلك هو المتدين الذي على مدار يومه يصلى خمس ركعات يتلو فيها من ما تيسر من أمهات الكتاب. ولكن كما كتبنا من قبل فإن أفضل الذين أخرجوا أفانين العربية وربطوها بالتحديث هم من لم يظهروا تدينا معلنا مثل تدين هؤلاء الذين يتمشدقون بحماية الإسلام والعروبة في البلاد. بل إن من المسيحيين السودانيين من كانوا أعلاما في اللغة العربية، وشعراء مميزيين سطروا أسماءهم في تاريخ البلاد بأحرف من نور، منهم جوزيف لطيف صباغ، وقاضي المحكمة الدستورية هنري رياض الذي أمتلك لغة خولت له كتابة عدد من القوانين السودانية. وإذا كان هناك من يطرحون أنفسهم بحسبهم الأكثر عروبة في السودان فعليهم أن يعلموا أن أفضل المبدعين المحدثين في الأدب السوداني هم الذين يتحدرون من أصول نوبية، ومنهم ذكرنا محيي الدين فارس، ومحيي الدين صابر، وعبد اللطيف عبدر الرحمن، ومحيي الدين محمد، وعبد العزيز سيد أحمد، وجيلي عبد الرحمن، وخليل فرح، وجمال محمد أحمد، وصلاح أحمد إبراهيم، وعبد العزيز حسين الصاوي، وهناك عدد آخر من النوبيين وأبناء القوميات غير العربية الجرتلي وكجراي وأبو آمنة حامد وغيرهم من قومية البجا. وإذا كان الذين يطرحون أنفسهم بوصفهم حماة اليمين الديني في البلاد فإنهم لم يفوقوا المصنفين ليبراليا، ويساريا، واستقلالا، في تفجير طاقات الإبداع المكتوب بالعربية، سواء في مجال الشعر، أو الأدب، أو النقد، أو النثر.
إن إسلاميي السودان لا يملكون الطاقة المعرفية لتطوير المكتسب السوداني في اللغة العربية. لا فقر مواهبهم يعينهم على ذلك، ولا أولويات عقولهم معنية بهذا الأمر، ولا قدراتهم الإدارية تسعفهم في تدبير المحافظة على هذا الإرث الذي لم يضعوا فيه لبنة تذكر، ولذلك كان لا بد أن يتدهور مستوى الطالب الجامعي في اللغة العربية بعد أن ضاعت منه اللغة الأجنبية. بل إنهم لا يدركون أن الطالب الجامعي قد أتى من مرحلة الأساس بضعفه اللغوي، ولذلك كان أولى أن يبدأ المسؤولون التربويون، إذا تعمقت نواياهم، بمعالجة الضعف من الأساس قبل القمة. فالطالب الجامعي باللازم قد تدرج بمستواه الضعيف دون أن يجد منهجا مضبوطا، ومناشط أدبية تعينه، ومعلمين صارمين، أو مفتشيين أكفاء ليراجعوا أداء الأساتذة كما كان يحدث ذلك في السابق، إذ كان هؤلاء المفتشون قادرين على إعانة معلم العربية في تطوير أدائه اللغوي، وتحصيله العلمي، وتحفيزه المادي، وتدريبه المستمر عبر دورات لا تنقضي.
إن جانبا من المشكلة يتعلق بالبيئة العامة التي ينهل فيها الطلاب، ويمارس فيها الأساتذة عملهم، ويتعلق أيضا بهذا الانتشار الجامعي كما على حساب الكيف. فهذا الضعف لا يناقشه المتخصصون في اللغة العربية وحدهم، فهو أمر يحتاج إلى تعدد التخصصات بحيث أن يشارك في مؤتمر كهذا خبراء في المناهج التربوية من كل المراحل، فضلا عن خبراء الاقتصاد، والإدارة، والبيئة، والاجتماع، والسياسة، وكل مجالات الحياة الأخرى التي لها علاقة مباشرة بالتعليم عموما. 
إن رسالتنا للرئيس البشير، وأولئك الإخوان السودانيين الذين يريدون أن يحافظوا على مكتسبات الثقافة الإسلامية والعربية أن يخافوا الله فينا، ويعيدوا تكتيكاتهم في تحميل قوى السودان الحديثة، والأمبريالية مسؤولية أخطائهم. إن لا شئ يمثل خطرا على هذه الثقافة الوطنية التي هي ملك لك السودانيين ضمن الثقافات الفرعية الأخرى أكثر من سياسة الغش الثقافي والانتخابي، ولا نعتقد أن أحدا أقدر على تدمير هذه المكتسبات بـ”طريقة مبدعة” أكثر من الرئيس البشير نفسه عبر سياساته التي دمرت التعليم في جميع مراحله، وهيأت المناخ للطفيلية الإسلاموية حتى تستثمر بجشع في التعليم الذي صار متدينا. والمصيبة الكبرى أن التعليم في السودان، خلافا للدول الأخرى المكافئة لحالتنا، أهمل على مستوى الأوليات بينما لا توجد حكومة تهتم بالمستقبل تعمل على إهمال التعليم الحكومي بهذه الدرجة من اللامبالاة. فكل الدول في العالم الثالث رغم ظروف فقرها تضع التعليم ضمن أولوياتها التي لا تخضع إلى المساومة، أما في بلادنا فكل شئ يحمل عنوان التخبط. وهكذا لم يطور الإسلاميون الذين يفترض فيهم الورع أسس وأساليب التدين، ولم يعملوا أيضا على تطوير نماذج الثقافة العربية بشكل أشمل. ومع كل ذلك نثمن خطوة بروفيسيرات جامعة أمدرمان الإسلامية التي كان معلمو اللغة العربية فيها يتميزون بالمحافظة وهي التي أعانتهم على المعرفة الدقيقة بأسرار النحو، والصرف، والإعراب، والبلاغة التقليدية.